قال ريك نواك في تقرير له في صحيفة «واشنطن بوست» إنه عندما حصل دينيس موكويج، وهو طبيب نسائي كونغولي، ونادية مراد، وهي عراقية يزيدية، على جائزة نوبل للسلام في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على عملهما لوقف استخدام العنف الجنسي سلاحًا في الحرب، كان هناك مديح واسع النطاق من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك أمريكا.

«صور عارية للمجندات».. أرقام صادمة عن العنف الجنسي في أمريكا وجيشها

لكن نواك أوضح أنه عندما طُلب من إدارة ترامب هذا الشهر دعم قرار من الأمم المتحدة لإنهاء العنف الجنسي في الحرب، حدث ما لم يتوقعه أحد.

حث السياسيون والمشاهير أمريكا على «الوقوف على الجانب الأيمن من التاريخ»، كما قال الممثل جورج كلوني، وضمان «أن نستجيب لأصوات الضحايا»، مثلما قال وزير الخارجية الألمانية هيكو ماس والممثلة أنجلينا جولي في مقال افتتاحي في صحيفة «واشنطن بوست»، ولكن بلا طائل.

أصدر مجلس الأمن الدولي هذا القرار أخيرًا أمس الثلاثاء ـ يشير نواك ـ ولكن في نسخة مخففة من جانب إدارة ترامب. اشتعل غضب الحلفاء الأوروبيين. فانتقد سفير فرنسا لدى الأمم المتحدة، فرانسوا ديلاتر، الولايات المتحدة لما وصفه بموقف «لا يطاق وغير مفهوم».

اعتاد حلفاء أمريكا على تضارب مصالحهم غالبًا مع مصالح واشنطن، بما في ذلك التجارة وإيران والاتحاد الأوروبي. لكن العنف الجنسي في الحرب؟ حقًا؟

سيدة من الروهينجا من إحدى ضحايا الاغتصاب

جاء موقف واشنطن من قرار الثلاثاء بعد أسابيع من مطالبة الولايات المتحدة بإزالة جميع الإشارات الواردة في تلك الورقة إلى الصحة الإنجابية والجنسية، والتي يخشى الوفد الأمريكي أن تُفهم على أنها دعم لعمليات الإجهاض. فمثل الإدارات الجمهورية السابقة، تراجعت إدارة ترامب عن دعم المنظمات غير الحكومية التي تدعم أو تسهل عمليات الإجهاض.

لم تكن الولايات المتحدة المعارضة الوحيدة للقرار – يكشف نواك – فقد هددت كل من الصين وروسيا بالانضمام إلى المعارضين، على الرغم من أن كلتيهما كانتا قد أيدتا أو امتنعتا في السابق عن اتخاذ قرارات مماثلة في الجمعية العامة.

وقد عارضت الصين وروسيا أيضًا أجزاء من القرار كان من شأنها أن تسهل على المنظمات الدولية تعقب مرتكبي العنف الجنسي في الحرب. وبعد إزالة الإشارات إلى الصحة الإنجابية بناءً على طلب الولايات المتحدة، امتنعت كلتا الدولتين عن التصويت يوم الثلاثاء ، وجرى تمرير القرار بالإجماع.

يدعم القرار التدابير الرامية إلى إنهاء استخدام الجنس سلاحًا في حرب، وقد صاغ وزير الخارجية الألماني ماس رده بعناية يوم الثلاثاء. وقال: «إن القرار يدعو جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى دعم الضحايا من خلال تحسين سبل الوصول إلى العدالة وتوفير المساعدة الطبية والنفسية وإعادة الاندماج في المجتمع».

لكن حلفاء الولايات المتحدة الآخرين كانوا أكثر صراحة في ردودهم، مشيرين إلى أن اعتراضات الولايات المتحدة تهدد كرامة المرأة في جميع أنحاء العالم. وقالت ديلاتري، السفيرة الفرنسية: «إن النساء والفتيات اللائي عانين من العنف الجنسي في الحرب، ومن الواضح أنهن لم يخترن الحمل، يجب أن يتمتعن بالحق في الإجهاض».

العراقية اليزيدية نادية مراد التي حازت على نوبل للسلام

نصت النسخة الأولية من مشروع القرار على أنه ينبغي تقديم المساعدة لضحايا العنف الجنسي ـ يضيف نواك ـ التي تشمل على وجه التحديد «الصحة الجنسية والإنجابية». ووسط الاعتراضات، أشارت نسخة لاحقة فقط إلى «الخدمات الصحية الشاملة» لضحايا العنف الجنسي. ولكن بالنسبة لإدارة ترامب، فإن جملة تقديم «خدمات صحية شاملة» تعتبر غامضة.

في النهاية، استسلمت البلدان الأخرى أمام معارضة إدارة ترامب لحق الإجهاض لضحايا العنف الجنسي – يواصل نواك كلامه. بيد أن التخفيف من لغة القرار سيمنح الدول المتهمة بارتكاب أو دعم مثل هذا العنف ذريعة لتبرير عدم إحراز تقدم في دعم الضحايا.

كما أزيلت الإشارات إلى سلطة الأمم المتحدة في تتبع هذه الانتهاكات. وهذا يعني أن مرتكبي هذه الأفعال ليس عليهم أن يخشوا من التدقيق الدولي الذي كان مخطط به في الأصل.

لتجنب «الفيتو» الأمريكي، تضمن القرار إشارة عابرة إلى عمل المحكمة الجنائية الدولية، التي من المفترض أن تحاكم على جرائم الحرب، لكنها وجدت نفسها في الآونة الأخيرة في صدام مع إدارة ترامب بعد أن فتحت تحقيقًا عن عمل القوات الأمريكية في أفغانستان. على عكس معظم دول العالم، لم تصادق الولايات المتحدة على نظام روما الأساسي، وهي المعاهدة التأسيسية للمحكمة الجنائية الدولية.

بالنسبة للمدافعين عن ضحايا العنف الجنسي في الحرب، بدت المعارضة الأمريكية متناقضة مع ما تزعمه واشنطن من أنها تدافع عن حقوق النساء اليزيديات، اللائي واجهن العنف الجنسي من قبل «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» في السنوات الأخيرة.

لكن جماعات حقوق الإنسان ترى بأن الخطوة الأمريكية ترسل رسالة خاطئة – يقول نواك – فقد أصبح سلاح العنف الجنسي يستخدم بشكل منهجي. في حين أن الاغتصاب كان شائعًا في كثير من الأحيان في النزاعات في التاريخ، فإن استخدام العنف الجنسي كأداة للتخويف المنهجي ظهر معظمه في القرن العشرين.

بين عامي 1992 و1995، اغتصبت القوات الصربية بشكل ما لا يقل عن 20 ألف فتاة وامرأة، وفقًا للمفوضية الأوروبية، التي أفادت في تقرير صدر عام 1996 أن «الفتيات الحوامل أجبرن على الإنجاب»؛ مما عرّضهن لمتاعب نفسية مدى الحياة.

إحدى العراقيات اليزيديات ضحايا (داعش) في مخيم للاجئين

بينما أكدت لأمم المتحدة في العام نفسه أن «الانتهاك الجنسي للمرأة يضعف نسيج المجتمع بطريقة لا تستطيع سوى القليل من الأسلحة فعله».

بحلول عام 2008 – يؤكد نواك – كانت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة قد اعترفت في قرار تاريخي بأن العنف الجنسي في النزاعات «أصبح منظمًا وواسع الانتشار، ووصل إلى مستويات مروعة من الوحشية».

في العام الماضي، تعرضت النساء الروهينجا للاغتصاب بشكل منهجي من القوات البورمية، وقالت «هيومن رايتس ووتش» إنه جزء من حملة لنشر الخوف والإرهاب.

في خضم ذلك – يشير نواك – فإن أي محاولة لتخفيف قرار لمعالجة هذا الموقف ستتعرض لانتقادات قاسية. في بريطانيا، انصب غضب الحلفاء الذين أذهلهم الموقف الأمريكي على الرئيس ترامب نفسه.

«يعتقد الداعمون للقرار أنه في نفس اليوم الذي يهدد فيه دونالد ترامب باستخدام حق النقض ضد قرار للأمم المتحدة ضد استخدام الاغتصاب كسلاح حرب، فإن تيريزا ماي تمضي قدمًا في خططها لتكريمه بزيارة دولة إلى المملكة المتحدة»، تقول إميلي ثورنبيري، عضو البرلمان ووزيرة خارجية الظل من حزب العمال المعارض.

من المرجح الآن أن يكون دور الولايات المتحدة في تخفيف قرار الثلاثاء بارزًا على الملصقات والشعارات المناهضة لترامب خلال الاحتجاجات الجماهيرية المتوقعة ضده خلال زيارته إلى لندن في يونيو (حزيران).

4 قصص تحكي الدور الذي يلعبه الجنس في عالم التجسس

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».