في مقاله المنشور على موقع «ديلي بيست» الأمريكي، يرصد الناشط النيجيري فيليب أوبيجي ظاهرة زواج الفتيات الصغيرات في نيجيريا مقابل المال، والأهوال التي يتعرضن لها إثر ذلك.

«نيوزويك»: كي الأثداء.. هكذا «تحمي» أسر الكاميرون الفتيات من الاغتصاب (صور)

عادةٌ قديمة العهد في نيجيريا

يبدأ الكاتب بحكاية مونيكا، الطفلة التي يبلغ عمرها 16 عامًا، وهي واحدة بين أختين بيعتا ليتزوجا رجالًا وجدا الفتاتين عن طريق صفحة الأب على «فيسبوك» وتواصلا معه. لم ترِد هي وأختها التي تبلغ 14 عامًا أن يتزوجا قبل أن ينهيا تعليمهما الثانوي في قرية أوجباكوكو، القرية الصغيرة في منطقة أوبانليكو ذات الحكم المحلي في جنوب وسط ولاية كروس ريفر النيجيرية.

لكنَّ الفتاتين وقعتا ضحيةً لثقافة تُخضع الفتيات الصغار اللاتي لا يتجاوزن أحيانًا 10 سنوات إلى عبوديةٍ حقيقية، عن طريق تقليد يسمى «زواج المال».

تنتمي الفتيات لقبيلة «بيتشيفي»، وهي قبيلة مكونة من 17 قرية في أوبانليكو، حيث يوجد تقليد راسخ يشار له عادةً باسم «زوجات المال» أو «نساء المال»، تُباع فيه الفتيات مقابل الطعام، أو الماشية، أو المال، أو لتسوية الديون.

بيعت مونيكا وأختها دون موافقتهما مثل مئات وربما آلاف الفتيات، اللاتي كن ضحايا للزواج مقابل المال في قبيلتهن. أراد أبوهما التخلص من ديونٍ يدين بها لقريبٍ بعيد الصلة. تزوجت الفتاتان من رجلين لم يعرفاهما قط، وفصل بين زواجهما شهرٌ واحد. وكان الرجلان كبيرين في العمر كفايةً ليكونا جديهما لا زوجيهما.

استخدام التكنولوجيا لبيع الفتيات

وبحسب التقرير، تواصل الزوجان المعنيان مع والدهما بعد رؤية صفحة فيسبوك التي ينشر عليها الأب صورًا لبناته الست لجذب انتباه رجال قبيلته. إذ اكتشف رجال القبيلة أنَّ التكنولوجيا الجديدة تساعدهم في توسعة نطاق تقاليدهم الاستغلالية.

Embed from Getty Images

وقالت مونيكا لموقع «ديلي بيست» عن تلك المسألة: «لم يعرف أبي أي شيءٍ عن فيسبوك حتى أحضر له أخي الأكبر هاتفًا ذكيًا وأقنعه بالانضمام للموقع ونشر صورنا أينما يحب. ثم اشترى ملابس جديدة وأجبرني أنا وأخواتي على ارتدائها قبل أن يصورنا».

يتابع الكاتب موضحًا أنَّ الأباء عادةً يأخذون الفتيات للرجال القادرين على دفع المقابل حين يشعرون أنَّهن يمكنهن الزواج، أو ينتظرون أن يطلب الرجال المهتمون بناتهم للزواج. لكن في الأشهر الأخيرة اتجهت العائلات اليائسة المضطرة إلى تزويج بناتها إلى فيسبوك، حتى يستطيع الأقارب إلقاء نظرةٍ عليهن.

وتشرح مونيكا، التي هربت من زوجها لتعيش مع صديقٍ بعد مرور أقل من عام على الزواج: «الشباب هم من يقنعون الرجال الكبار بالبحث عن الزوجات على فيسبوك. قال الرجل الذي تزوجته إنَّ ابنه الأكبر عرض له صورتي على فيسبوك وأرشده إلى والدي».

ويرى الكاتب أنَّ أهل القبيلة في الواقع يستخدمون فيسبوك كأنه حرفيًا «كتاب لتصفح الوجوه»، رغم أنَّ تبادل المال أو السلع لا يحدث عبر الإنترنت. ويشير إلى أنَّ المتحدثين الرسميين باسم فيسبوك بدوا وكأنَّهم ليسوا على درايةٍ بذلك التقليد في بيتشيفي حين تواصل معهم موقع «ديلي بيست».

«أغلى امرأة في جنوب السودان»

لكنَّه يوضح أنَّه في ثقافاتٍ أخرى، حين عُرضت النساء في مزاداتٍ عبر الإنترنت، اتُخذت إجراءاتٌ لوقف هذا النوع من الصفقات. فاستخدام فيسبوك وسيلةً لتسهيل زواج الأطفال ليس قاصرًا على نيجيريا فقط حسبما تكشف التقارير. إذ يستشهد أوبيجي بواقعةٍ حدثت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ويقول إنَّ الشبكة الاجتماعية تعرضت لهجومٍ عنيف بعد ظهور منشوراتٍ تناقش بيع فتاة تبلغ 16 عامًا في جنوب السودان.

Embed from Getty Images

تزوجت الضحية في مقابل حصول والدها على 530 بقرة، وثلاث سيارات طراز لاند كروزر، و10 آلاف دولار. وتفيد تقارير بأنَّ خمسة رجال، منهم مسؤولين رفيعي المستوى في حكومة جنوب السودان، زايدوا على الفتاة المراهقة لشرائها.

وقال موقع فيسبوك إنَّه أزال المنشور بمجرد علمه به في 9 نوفمبر (تشرين الثاني)، لكنَّ هذا لم يحدث إلا بعد تزويج الضحية نيالونج نونج دينج جالانج لرجل أعمالٍ ثري يُدعى كوك آلات من العاصمة جوبا في 3 نوفمبر، وكانت هي زوجته العاشرة.. وتشير تقارير إلى أنَّ منشور المزايدة نُشر في 25 أكتوبر (تشرين الأول).

وبحسب التقرير، حققت جالانج بعض الشهرة عقب نشر العطاء الفائز، إذ عُرفت في الإعلام المحلي بـ«أغلى امرأة في جنوب السودان».

لكنَّ الفتيات اللاتي يُزوجن مقابل المال في قبيلة بيتشيفي نادرًا ما يحصلن على أية شهرة، وغالبًا يعشن أوقاتًا صعبة كأنَّهن حقًا من العبيد. فلا يُسمح لهن بالذهاب إلى المدرسة، ويمكن أن يعطيهن الزوج لشخصٍ آخر إذا رغب في ذلك. وإذا تُوفي الزوج، يصبح أقرب رجال العائلة زوجًا جديدًا للفتاة الصغيرة.

وتقتضي العادات أنَّه إذا ماتت الزوجة دون إنجاب طفل، على والديها جلب فتاة أخرى من العائلة لتحل محلها. ومهما كانت المعاملة التي تتلقاها في منزل الزوج، لا يُسمح لها بالعودة هربًا لمنزل والديها.

لكن ما السبب الذي يدفع رجال القبيلة لكثرة الزواج؟ يجيب مانجوس إيجيكانج، الزعيم المحلي في أوجباكوكو، لموقع «ديلي بيست»: «هدف الممارسة الرفع من شأن الرجال في جماعة بيتشيفي. فكلما امتلكت عرائس أكثر، ربحت احترامًا أكثر في الجماعة».

زواج قسري واستغلال

وربما يحقق الزواج من الصغيرات للرجال مكانةً أعلى، لكن من الناحية الأخرى، فإنَّ حياة الزوجات في بيوت الأزواج كارثية حسبما وصف أوبيجي، إذ ترد تقارير عن تعرضهن للعنف الزوجي والاستغلال.

Embed from Getty Images

وللاستدلال على صعوبة حيواتهن، يعود الكاتب لمونيكا، التي مُنحت لزوجها – تمامًا مثلما حدث مع أختها – مقابل 20 ألف نيرة نيجيرية (حوالي 50 دولارًا)، وعنزتين، وخنزير، وكمية من نبات اليام. وتقول: «بمجرد أن تزوجني، حولني إلى عبدته ومنفس غضبه. قال إنَّه دفع الكثير ليتزوجني، ولهذا على أن أكدح بالعمل لساعات يوميًا في المزرعة لأثبت أنَّني زوجة شاكرة لفضله».

وبحسب التقرير، فإنَّ مونيكا وأختها، التي لا تزال متزوجة من شريكها العجوز البالغ 65 عامًا، ليستا الفتاتين الوحيدتين اللاتي انتهى بهن الحال إلى الزواج القسري عقب ظهور صورهم على موقع فيسبوك.

ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، باع والدا ريجينا ابنتهما لرجلٍ متزوج بالفعل من امرأتين وله 11 طفل. ريجينا مراهقة أخرى من نفس القبيلة، وجد زوجها صورتها على صفحة عمها عبر فيسبوك، وعمها معروف بوضع صور قريباته على وسائل التواصل الاجتماعي لجذب انتباه رجال القبيلة الباحثات عن عرائس صغيرات في السن. أُجبرت ريجينا حينها على الزواج بعد نجاح عمها في إقناع والديها؛ ما أثار استياء أخيها الكبير.

ويقول جون أشوا، الأخ الأكبر لريجينا البالغة 15 عامًا: «عمنا الجشع أقنع والدي بطريقته المعتادة في التلاعب بإخوته لبيع بناتهم؛ لأنَّه أراد حصة من مال الزواج. يكسب عمي عيشه من البحث عن أزواجٍ لفتيات العائلة حتى لو كن غير مستعدات بعد للزواج».

أما بالنسبة لريجينا نفسها، فحياة الزواج كانت صعبة؛ إذ اضطرت بالإضافة لترك المدرسة والقيام بمعظم الأعمال المنزلية إلى الاعتناء بماشية زوجها، والتي تتضمن عشرات الماعز والخنازير، وتتعرض للعقاب إن لم تُتِم العمل كما طُلب منها.

وقالت ريجينا الحبلى الآن أثناء شكواها لأخيها عبر الهاتف: «ضربني ليلة أمس لأنِّي قلتُ له إنَّني متعبة، ولا أستطيع ممارسة الجنس معه. فهو يطلب الجنس متى عاد إلى المنزل في الليل».

ووفقًا للموقع، فيسبوك له شهرة واسعة في نيجيريا؛ إذ يتصل بالموقع خُمس مستخدمي الإنترنت البالغ عددهم 98 مليونًا. لكن في المناطق النائية، مثل مجتمع بيتشيفي حيث يقل مستوى التعليم بين كبار السن، يشتهر فيسبوك بين الشباب، وهم أكثر مالكي الهواتف الذكية. ويقول النشطاء إنَّ الشباب في القبيلة هم العقل المدبر وراء الرجال الذين يبحثون عن الزوجات مقابل المال على فيسبوك.

وتشرح كوين إيتنج، الباحثة في مؤسسة «أور ويمن» غير الربحية للدفاع عن حقوق النساء النيجيريات: «معظم رجال بيتشيفي لم يكونوا على دراية بأي شيء عن فيسبوك حتى بدأ أولادهم وأقاربهم الشباب عرض صور فتيات القبيلة الموجودة على الموقع عليهم. ولا يدير معظم الأباء الصفحات التي تحمل أسماءهم، بل ينشئها أعضاء أصغر في العائلة وينشرون الصور».

ممارسة زواج الأطفال متجذرة بقوة في عادات وتقاليد قبيلة بيتشيفي. ووفقًا للموقع، يعترف نشطاء حقوق الإنسان بأنَّ تغيير التقليد مسألة صعبة، لكنَّهم كذلك يؤمنون بأنَّ تقليل نطاق الممارسة يمكن أن يتحقق بسهولة.

ويقول أودي، الذي تسعى منظمته لإنهاء زواج الأطفال في ولاية كروس ريفر: «للشباب دور كبير في وقف هذا التقليد الوحشي. نحن نتواصل مع الشباب في قبيلة بيتشيفي لوضع حد لاستخدام فيسبوك في عرض صور الفتيات بهدف تزويجهن».

مترجم: «أجبرني على طلب قرض».. ماذا تعرف عن «العنف الاقتصادي» ضد المرأة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».