زلزال يتبعه زلزال، وهزات أرضية شبه يومية، هكذا يبدو الوضع في تركيا هذه الأيام، وتحديدًا منذ الزلزال الذي ضرب مدينة إسطنبول بقوة 5.8 درجة على مقياس ريختر في سبتمبر (أيلول) 2019. منذ ذلك الوقت وهناك العديد من الهزات المتوسطة (بين 3 – 4.5 على مقياس ريختر) التي تضرب تركيا، يتخللها هزات أقوى، مثل زلزال مانيسا الذي ضرب جنوب شرق البلاد بقوة 6.7 درجة وتسبب في وفات العشرات منذ أيام قليلة.

تبدو الأمور مقلقة في تركيا الآن سواء على المستوى الشعبي أو المسؤولين، إذ يبدو أن أكبر مخاوفهم التي كانوا يخشونها وينتظرونها منذ بداية القرن الحادي والعشرين في طريقها للتحقق، وظهرت بوادرها. فحسب عديد من المواطنين الأتراك الذين تحدث معهم «ساسة بوست»، فإن هناك قلقًا بالفعل من إمكانية تكرر مأساة عام 1999، «نتوقع أن يضربنا زلزال قوي وكبير، لكننا لا نعرف متى»، على حد تعبيرهم.

ففي عام 1999 وقع زلزال قوي كان مركزه مدينة إزميت التركية التي تبعد 100 كيلومتر فقط عن مركز مدينة إسطنبول. بلغت قوة الزلزال 7.6 درجة على مقياس ريختر، واستمر لمدة 37 ثانية، وأسفر عن مقتل حوالي 17 ألف شخص، وترك أكثر من 250 ألف شخص بلا مأوى.

وفي عام 2011، ضرب زلزال بقوة 7.2 درجة شرق تركيا. مركز الزلزال كان على بعد حوالي 10 أميال شرق بحيرة فان، وهي بحيرة مالحة تغطي 1450 ميل مربع. تسبب الزلزال في انهيار أكثر من 80 مبنى ووفاة قرابة 300 شخص. وقدر علماء الزلازل أن القشرة الأرضية في هذا المكان انفجرت على بعد حوالي 12 ميلًا تحت السطح.

إسطنبول تستعد للزلزال الكبير

بعد يومين من الزلزال القوي الذي ضرب منطقة مانيسا في جنوب شرق تركيا يوم 24 يناير (كانون الثاني) 2019، قال وزير الداخلية التركي سليمان صويلو إن الحكومة تستعد «بجدية» للتعامل مع زلزال قوي محتمل في إسطنبول، أكبر المدن التركية، والمركز الاقتصادي في البلاد. صويلو قال بوضوح إنهم يتوقعون زلزالًا تبلغ قوته 7.5 درجة في إسطنبول، «نحن نعمل بجدية على السيناريو المحتمل للزلزال».

Embed from Getty Images

(عمليات إنقاذ بعد الزلزال الذي ضرب مانيسا التركية)

وذكر صويلو أن هذه الاستعدادات بدأت في أعقاب هزة بلغت قوتها 5.8 درجة ضربت إسطنبول في سبتمبر 2019، وسببت رعبًا كبيرًا في المدينة لدرجة أن الآلاف فضلوا قضاء يومهم في الحدائق العامة بل المبيت بها خشية الهزات الارتدادية. ونسقت الوكالات الحكومية اجتماعات منتظمة بين 28 مجموعة عمل للتحضير لحدث زلزال تبلغ قوته 7.5 درجة. وكان زلزال مانيسا قد تسبب في مقتل 38 شخصًا على الأقل، وإصابة أكثر من 1600 شخص، وفقًا للسلطات التركية.

لكن ما سر هذه الزلازل المتكررة في تركيا، وإلى أي حد هناك نشاط أرضي قوي أسفل البلاد؟ والسؤال الأهم هو هل عند الأتراك حق في الخوف من زلزال قوي قادم بالفعل؟

الجزيرة العربية تُسبب الزلازل في تركيا!

هذه المنطقة ليست غريبة على الزلازل القوية. إذ يقول الباحثون إن تركيا تقع على قمة واحدة من أكثر المناطق نشاطًا في العالم من حيث النشاط الزلزالي. في جوهرها، فإن تركيا عبارة عن كتلة من القشرة الأرضية تقع في إطار جيوفيزيائي بين الصفيحة التكتونية العربية، التي تتجه نحو الشمال بمعدل حوالي بوصة واحدة في السنة، وبين الصفيحة الأوراسية، والتي تمثل، نسبيًّا، جسمًا غير قابل للحركة.

يمكنك أن تتخيل الوضع مثلما تركب قطارًا مزدحمًا وأنت واقف في نهاية القطار قرب الجدار. وكلما يقف القطار في محطة يدخل إليه بعض الناس؛ مما يتسبب في زيادة الضغط عليك لتلتصق أكثر بالجدار الذي لا يمكنك تحريكه. هذا الضغط الكبير عليك يجبرك على التململ ومقاومة الضغط. هذا هو ما يحدث في منطقة الأناضول التركية وما حولها.

يوضح علماء الجيوفيزياء أن كل ما يحدث لتركيا هو نتاج تحرك شبه الجزيرة العربية باتجاه كل من تركيا وإيران والعراق. المحركات التي تقود هذا التحرك البطيء للجزيرة العربية باتجاه الشمال توجد أسفل البحر الأحمر وخليج عدن. إذ إن هاتين المنطقتين تستضيف كلتاهما صدوعًا في القشرة الأرضية أسفل المياه. وعلى طول هذه الصدوع تحدث تحركات يمنة ويسرة، وبالتالي تتسرب قشرة جديدة وتنتشر باتجاه أيٍّ من الجانبين.

بكلمات أخرى فإن وجود شق في منطقة ما يعني أن الشق يتوسع نتيجة خروج أجزاء جديدة من القشرة من أسفل الشق، وبالتالي يزداد تحرك كلتا الكتلتين اللتين يفصل بينهما الشق أكثر وأكثر. يعطي هذا الانتشار والحركة للصفيحة العربية دفعة باتجاه الشمال نحو تركيا والعراق وإيران؛ مما يجعل الصفيحة التي تضم هذه البلاد تحت الضغط وعدم الاستقرار.

ليس هذا فحسب، إذ توجد صفيحتان أخريان بجانب صفيحة شبه الجزيرة العربية: الصفيحة الأفريقية والصفيحة الهندية. كلتا هاتين الصفيحتين تتحرك أيضًا باتجاه الشمال. حركة هذه الصفائح الثلاثة، الأفريقية والهندية والعربية، هي المسؤولة عن بناء قوس الجبال التي تمتد من جبال الألب في أوروبا إلى جبال الهيمالايا.

وكما أن صفيحة شبه القارة الهندية تنزلق تحت هضبة التبت في شمالها، فإن الصفيحة العربية تتصرف بطريقة مماثلة وتنزلق تحت الصفيحة التركية والإيرانية. قد يبدو هذا كأنه «منطقة غوص» بمصطلح الجيولوجيين، إذ تغوص القشرة الكثيفة أسفل المحيطات تحت القشرة القارية الأقل كثافة. ومع ذلك، في هذه الحالة، فإن كلًّا من تركيا والصفيحة العربية كلاهما من القماش الجيولوجي نفسه، كلاهما يتكون من صخور قشرية.

النشاط الزلزالي في تركيا: المزيد من الألغاز

تقدم عملية تحرك الصفيحة العربية أسفل جارتها التركية رغم أن كلتيهما له الكثافة نفسها، يمثل لغزًا إضافيًّا، خاصة في الجزء الشرقي من البلاد. هناك تستضيف تركيا سلسلة من البراكين، على غرار الأقماع الجبلية المرتفعة المغطاة بالثلوج الموجودة على طول «حافة النار» في المحيط الهادئ، التي تتميز بنشاط زلزالي مستمر.

تمتد سلسلة البراكين التركية من الشرق إلى الغرب على طول جنوب تركيا. ويعد جبل أرارات، أحد أكثر البراكين شهرة، وهو بركان خامد على الحدود الشرقية لتركيا، بعيدًا عن أي «منطقة غوص» غير تقليدية لهذا النوع من البركان. هذا الأمر سبب حيرة لبعض العلماء،د؛ إذ لا يفترض أن يوجد هذا البركان في تلك المنطقة طالما أنه لا توجد «منطقة غوص» تسمح بتكونه.

وحتى تكتمل الصورة الجيوفيزيائية لتركيا بشكل واضح، تسبب ضغط الصفيحة العربية على تركيا أيضًا في حدوث صدعين يشبهان صدع سان أندرياس الشهير الموجود في غرب الولايات المتحدة في واحدة من المناطق النشطة زلزاليًّا. صدع سان أندرياس يشكل الحدود التكتونية بين صفيحة المحيط الهادئ وصفيحة أمريكا الشمالية، وينقسم الخطأ إلى ثلاثة أجزاء لكل منها خصائص مختلفة ودرجة مختلفة من خطر وقوع الزلازل. يتراوح معدل الانزلاق على طول الصدع بين 0.79 إلى 1.38 بوصة لكل سنة.

بالنسبة للصدعين في تركيا، كلاهما يبدأ من نقطة مشتركة غرب بحيرة فان، ثم يسلكان طرقًا منفصلة. يمتد صدع شمال الأناضول غربًا على طول الجزء المتبقي من شمال تركيا، وكان مسؤولًا عن بعض الزلازل الأكثر عنفًا في البلاد، أبرزها زلزال عام 1999. بينما الصدع الآخر، وهو صدع شرق الأناضول، يتجه نحو الجنوب الشرقي من نقطة البداية المشتركة، لينتهي في البحر الأبيض المتوسط ​​شمال شرق قبرص.

ويشكل هذان الصدعان حدود ما يشبه وتدًا كبيرًا في الأرض، حيث يُعصر ببطء، ليفرغ محتواه غربًا في بحر إيجه باتجاه اليونان. تخيل أنك تحمل كمية من بذور البطيخ المبللة في قبضة يدك وتضغط عليها بقوة، ما الذي سيحدث؟ بالطبع ستنزل بعض البذور من قبضة يدك وتخرج من أطراف قبضة يدك. هذا هو ما يحدث، يجري الضغط على هذه الصدوع فتفرغ حمولتها في بحر إيجة.

يعد صدع الأناضول في الواقع شبكة من قطاعات أصغر من الصدوع التي تقسم كتلتين من الصفائح التكتونية، صفيحة أوراسيا وصفيحة الأناضول الأصغر بكثير، والتي تحمل معظم تركيا على ظهرها. ورغم أنه أغلقت حواف الصفيحتين معًا، لكن القوى الجيولوجية تدفع صفيحة الأناضول غربًا باتجاه اليونان بمعدل 8 أو 9 أقدام (2.4 أو 2.7 متر) في كل قرن، مما يزيد الضغط على طول نقاط الاتصال.

وعندما يتراكم ضغط كافٍ، تفتح أحد أجزاء الصدع، تمامًا مثلما يكون جرح طويل في مرحلة الالتئام بعد خياطته ثم تحدث صدمة معينة له فينفتح جزء من الجرح. لكن المشكلة أن انفتاح أحد أجزاء الصدع يصاحبه هزة عنيفة. وإذا انكسرت شريحة صغيرة من الصدع، فقد يكون حجم الزلزال المصاحب 6 درجات أو أقل. ولكن عندما يكون التمزق أكبر يكون الزلزال أكبر، تمامًا كما حدث في زلزال 1999 عندما تسببت الطاقة المنطلقة بتمزق ثلاثة قطاعات متجاورة؛ مما أدى إلى ذلك الزلزال العنيف.

الكل متوجس.. زلزال مرتقب في إسطنبول

المشكلة أن بعض الزلازل التي تقع في تركيا يكون مسؤولًا عنها ما يطلق الجيولوجيون عليه «الصدع الأعمى»، وهو صدع لا يترك أي دليل على السطح حتى يتمكن علماء الفيزياء الجيولوجية من اكتشافه. لكن المذهل في الأمر أن بعض الخبراء قالوا بوضوح إن زلزال 2011 ربما يكون محفزًا لزلزال آخر في المستقبل القريب، وأن هذا الزلزال الجديد سيكون في الغرب.

لاحظ أنه في عام 2019 ضرب زلزال بقوة 5.8 درجة مدينة إسطنبول غرب البلاد، ثم تبعه زلزال آخر قوي في منطقة الصدع نفسها قرب بحيرة فان في شرق تركيا بقوة 7.6 درجة. هذا الأخير ربما يكون أيضًا محفزًا لزلزال جديد في منطقة إسطنبول سواء هذه الأيام أو في المستقبل القريب. هذا الأمر يوضح لنا سر تصريحات وزير الداخلية التركي حول التجهيز لزلزال بقوة 7.5 درجة يضرب إسطنبول.

بالعودة إلى زلزال 1999، يوضح علماء الجيولوجيا أن هذا الزلزال كان جزءًا من سلسلة من الأحداث بدأت على طول صدع شمال الأناضول في عام 1939 بالقرب من نهايته الشرقية. تاريخيًّا، كل قطاع من هذا الصدع في تركيا ينكسر في المتوسط ​​كل عدة مئات من السنين. قبل هذا الزلزال، امتدت المنطقة الوحيدة من الصدع الرئيسي الذي لم ينكسر في القرن العشرين من مدينة بولو، إلى الطرف الغربي لبحر مرمرة على مسافة حوالي 354 كيلومترًا.

تمثل الأجزاء الأربعة للصدع التي انكسرت في زلزال 1999 حوالي 113 كيلومترًا من 354 كيلومترًا معرضة لخطر الحركة والتكسر. ربما هذا الزلزال ضخ ضغوطات إضافية في قطاعات غير مكسورة من الصدع. الأكثر إثارة للقلق هو حوالي 161 كيلومترًا من الصدع غير المنكسرة التي تقع في عمق بحر مرمرة، وتمر على بعد أقل من 21 كم من إسطنبول.

لا يفهم العلماء جيدًا بنية هذا الامتداد الغامض للصدع في هذه المنطقة حتى الآن، لكنهم يعلمون أنه يشكل مخاطر. يلاحظ العلماء أن 40 زلزالاً بلغت قوتهم 7 درجات وفوقها ضربت منطقة مرمرة منذ القرن الأول بعد الميلاد. وفي عام 1509 ومرة ​​أخرى في عام 1766، دمرت الزلازل العظيمة جزءًا كبيرًا من إسطنبول. وقد يكون كلاهما جزءًا من دورة تمزق مدتها 250 عامًا. يزعم بعض الخبراء الآن أن حدثًا واحدًا أو أكثر على الأقل كبير مثل زلزال 1999، سيحدث في البحر جنوب إسطنبول في العقود المقبلة.

ما مدى سوء زلزال إسطنبول القادم؟ هذا يعتمد جزئيًّا على بعد مركز الزلزال من المدينة. يعتمد ذلك أيضًا على ما إذا كانت مقاطع الصدع الموجودة أسفل بحر مرمرة تنفصل معًا أو بشكل مستقل، والتي يمكن أن تخلق معًا زلزالًا قوته 7.8 درجة، أي بقوة زلزال 1999 المدمر.

العالم والاقتصاد

منذ 3 شهور

رغم العقوبات والتوترات.. لماذا يبدو اقتصاد تركيا أكثر صمودًا من ذي قبل؟