بينما يتزايد عدد سكان دول الشرق الأوسط، وتتناقص الموارد المائية؛ تتجه هذه المنطقة ذات المناخ الأكثر جفافًا للاعتماد على استيراد الأغنام والأبقار من الخارج لتلبية احتياجاتها. هذا هو موضوع تقرير أعده كل من «روث ماكيلثون» و«بيبي فان دير زي» مراسلا صحيفة «الجارديان» البريطانية في القاهرة وبيروت. 

يبدأ التقرير بالقول: «تنتظر الأبقار في حظائر مفروشة بالقش الطازج ذي الرائحة الجميلة. وصلت هذه الأبقار إلى لبنان من إسبانيا ورومانيا. وفي أحد نهايات الممر، توجد حظيرتان مملوءتان بأبقار ضخمة من سلالة براهمان، قادمة من البرازيل». 

يقول أحد الأشخاص العاملين في المسلخ: «إن هذه الأبقار هي الفصيلة الأكثر عدوانية التي رآها في حياته» وهذا ما تتميز به هذه السلالة من الأبقار. 

ووسط الفوضى الناجمة من حركة المرور وأصوات أبواق السيارات في الخارج، تنتظر الحيوانات دورها في الذبح. وعندما يحين هذا الوقت، تنطلق الأبقار جميعها مرة واحدة عبر باب صغير يقود إلى غرفة الذبح. 

مترجم: من يعيش أطول؟ النباتيون أم أكلة اللحوم!

لماذا أعدت الجارديان تقريرًا عن صادرات الحيوانات الحية؟

أعدت صحيفة الجارديان سلسلة تقارير ركزت هذا الأسبوع على تصدير اللحوم الحية، والتي تضاعفت أربعة أضعاف على مدار الخمسين عامًا الماضية، على الرغم من المخاوف المتعلقة بالأمراض التي تصيبها والرعاية المقدمة لها.

وأضاف التقرير أن ما يقرب من حوالي 2 مليار حيوان سنويًا تُحمل على شاحنات أو سفن وترسل إلى بلدان أخرى في رحلات ربما تستغرق أسابيع عدة. وكل يوم هناك ما يقرب من 5 مليون رأس تعبر إلى دول أخرى.

وهذه الأرقام تتعلق فقط بالرحلات عبر الحدود، لكنها لا تشمل الرحلات الطويلة داخل البلدان، والتي تزايدت وتيرتها نظرًا للتوجه بإغلاق المسالخ الصغيرة. وقال مراسلا الجارديان إن هذه الأرقام دعتهم لتسليط الضوء على بعض تداعيات هذه التجارة العالمية.

يقول المرشد الذي رافق الجارديان في تلك الجولة إن «هذه الأبقار لا ترى بعضها بعضًا عند عملية الذبح. إذ توضع على رافعة وتسحب من أرجلها ومن ثمّ تبدأ عملية نحرهم. ولا تجري عملية الذبح لدينا بطريقة الصعق. بل تذبح المواشي وفقًا لقواعد الذبح الحلال والتي تعني أن الحيوان يجب أن يكون حيًّا عند ذبحه». فيما تكون الأرض عند عملية الذبح تتلألأ بالماء، وتغسل بين كل عملية ذبح وأخرى، حتى لا تشم الحيوانات رائحة الدم، على الرغم من أنها قد تلاحظ جثث الحيوانات الأخرى تتدلى من فوق الرافعات. 

يقول أحد موظفي المسلخ وهو شاب في أوائل العشرينات من عمره، إنه يجب أن تجري عملية الذبح بسرعة وبدقة. مضيفًا أنه لا يحب أن يفكر فيما يفعله، ولكن هذه هي طبيعة عمله.

Embed from Getty Images

وتشتهر المسالخ الموجودة بالشرق الأوسط بسمعة غير طيبة بين النشطاء المناهضين لتربية الحيوانات. ويقول عنها بيتر ستيفنسن، كبير المستشارين السياسيين في منظمة Compassion in World Farmings إنه خلال حياته المهنية التي استمرت 28 عامًا «لم أر شيئًا سيئًا مثل المسالخ» الموجودة في الشرق الأوسط. 

وكشفت التحقيقات تلو التحقيقات عن البيئة القذرة التي يتم فيها الذبح، وكيف لا يوجد هناك اهتمام كافٍ برفاهية الحيوانات، أما العاملون في تلك المسالخ فهم غير مدربين جيدًا على ممارسة الذبح الحلال، أي ذبح الحيوانات دون أن تتعرض أولًا للصعق. 

ويشير التقرير إلى أنه على مدار العقدين الماضيين، ارتفعت صادرات الحيوانات الحية باطراد إلى الشرق الأوسط، وخاصةً من أوروبا. وارتفعت التجارة إلى كل من مصر وإسرائيل والأردن والكويت ولبنان وسلطنة عمان وقطر والمملكة العربية السعودية ارتفاعًا حادًا على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية. وفي عامٍ واحدٍ فقط، ارتفعت واردات تركيا إلى الضعف خلال عام واحد، إذ استوردت حيوانات بقيمة 600 مليون دولار (457 مليون جنيه إسترليني) في عام 2016 بينما بلغت وارداتها 1.2 مليار دولار في عام 2017.

ويقول التقرير إن «هناك العديد من الأسباب التي تكمن وراء هذا الارتفاع، ولكن السبب الرئيسي في ذلك هو الزيادة في الطلب على اللحوم ومنتجات الألبان، وكذلك ارتفاع درجات الحرارة والإجهاد المائي في تلك البلدان. وتتطلع تلك الدول التي لا تستطيع أن تتحمل أي تكاليف مالية أو سياسية إضافية إلى تجنب القيام بتربية الحيوانات، لأن هذه العملية تستهلك كمية كبيرة من المياه».

ونظرًا لاستمرار تزايد أعداد السكان في طلب اللحوم الطازجة، تعتمد دول الشرق الأوسط على استيراد الحيوانات الحية اعتمادًا متزايدًا لتلبية متطلباتهم، وإعادة تشكيل السوق العالمية فيما يتعلق بهذه العملية.  

قيمة اللحوم لدى شعوب المنطقة

يذكر تقرير الجارديان أن منطقة الشرق الأوسط «يُنظر فيها إلى اللحوم غالبًا على أنها دليل على القدرة المالية التي تتمتع بها الأسرة، ويُعد تقديم اللحوم للضيوف دليلًا على حسن الضيافة والكرم. وفي عيد الأضحى تقوم العائلات بذبح الحيوانات الحية، والتي غالبًا ما تكون بقرة أو خروفًا أو عنزة، وتوزيع اللحوم بين العائلة والأصدقاء والجيران والمحتاجين».

Embed from Getty Images

ويشير التقرير إلى أن تزايد شريحة الطبقة الوسطى في الشرق الأوسط أدى إلى ارتفاع الطلب على اللحوم، بالإضافة إلى النمو السكاني بشكل عام.

تقول إميلي هاوثورن من موقع ستراتفور الأمريكي: «رأينا زيادة كبيرة في شريحة الطبقة الوسطى في منطقة الشرق الأوسط على مدار العقدين الماضيين». وهذه هي الشريحة التي تقدم على ذبح خروف حي، أو حتى ما هو أفضل من ذلك؛ بقرة أو عنزة حية، في عيد الأضحى وكذلك حفلات الزفاف والاحتفالات. وهذا، على سبيل المثال، هو السبب وراء الدور الكبير الذي تلعبه دول الخليج في استيراد حيوانات حية من أستراليا ونيوزيلندا وباكستان».

ويشير التقرير إلى أن «أستراليا فرضت مؤخرًا حظرًا لمدة ثلاثة أشهر على تصدير الحيوانات الحية إلى الشرق الأوسط، بعد ما حدث من ضجة حول المخاوف المتعلقة بتربية الحيوانات. ولكن عندما تتراجع إحدى الدول المصدرة، تحل مكانها دول أخرى». 

تقول هاوثورن: «وفي خضم الطلب المتزايد من قطر والإمارات والكويت وغيرها من دول الخليج الأخرى خلال عيد الأضحى، تعمل دول أخرى على سد فجوات التصدير»، مشيرة إلى الهند وباكستان وإيران باعتبارهم مصدرين محتملين على استعداد للتدخل في حالة تراجع أستراليا وغيرها من الدول المصدرة الكبرى. وذكرت أيضًا أن «تصدير الحيوانات الحية إنما هو شيء يمكن من خلاله استنتاج – بعيدًا عن الميول السياسية – حاجة الدول لاستيراد ما تحتاجه مجتمعاتهم».

علاقة تغير المناخ بتجارة الحيوانات

ومن المفارقات أن الارتفاع في درجات الحرارة أيضًا يلعب دورًا في التجارة: فنقص المياه في جميع أنحاء الشرق الأوسط تعني أنه من الأرخص لهذه الدول أن تستورد الحيوانات بدلًا من تربيتها منذ ولادتها. إذ تشرب البقرة الحلوب، التي تستورد من أمريكا وألمانيا، ما بين 30 إلى 50 جالونًا من المياه يوميًا، فيما تستهلك الأبقار عالية الإنتاج أكثر من ذلك.

Embed from Getty Images

وتستهلك الماشية التي تُربى للاستفادة من لحومها كميات أقل من المياه، لكن الكمية الإجمالية تكفي لتشجيع البلدان التي تعاني من نقص في المياه على البحث عن طرق بديلة لتقليل الوقت المطلوب لرعاية هذه الحيوانات وتربيتها، مع جني الأرباح الناتجة عن الصناعات التي تدخل فيها لحوم هذه الحيوانات.  

تقول هوثورن إن «هناك نقصًا شديدًا في المياه في منطقة الخليج وسيزداد الأمر سوءًا مع زيادة عدد السكان». والحقيقة هي أنهم لا يستطيعون توفير المياه للماشية إلى جانب الزراعة على أرض الواقع. هذا يعني أن الوقت الذي تحتفظ فيه بالماشية هو مهم حقًا. ونظرًا لأنه مكلف، فلا يمكنك الاحتفاظ بها إلا لفترة مؤقتة».

يقول مسؤول أمريكي مطلع على الصناعات الزراعية في الشرق الأوسط إن الدول في جميع أنحاء المنطقة تستورد على نحو روتيني الماشية من الأبقار قبل ستة أشهر من ذبحها، لأن هذه الفترة في حياة الحيوان تتطلب تغذية ذات تكلفة أقل. وهذه نقطة من الأهمية بمكان، فتربية الحيوانات في المرحلة الأخيرة من حياتها فقط يقلل من استهلاك المياه، وهي ميزة أساسية للدول التي تعاني من نقص المياه لا سيما في الخليج وشمال أفريقيا.

وأضاف هذا المسئول «أن السودان يعتبر أكبر مورد للحيوانات الحية – معظمها من الأبقار – لمصر. وفي مصر، شجعت الحكومة على شراء لحوم الأبقار المحلية، إذ يقوم المنتجون باستيراد الأبقار في عمر 12 شهرًا، ثم يرعونها لمدة ستة أشهر أخرى قبل الذبح من أجل توفير المياه والأعلاف الغنية بالمغذيات التي تحتاجها الحيوانات في وقت مبكر من الحياة. وحينها يمكن لمنتجي اللحوم المصريين تربية الأبقار وبيعها في السوق على أنها لحوم مصرية. ولكنها في الحقيقة ترعرعت على المياه والأعلاف السودانية – وبذلك توفر مصر هذه الموارد».

ويضيف التقرير: «كما يمكن لهذه الطريقة المتبعة في إغراء المستهلك بشراء منتج بسعر معين أن تفيد السلطات في دعواها بأنها تساعد المنتجين المحليين». 

15 November 2019, Saxony, Leipzig: Different kinds of pork and beef are lying in a meat counter in a supermarket. Photo: Jan Woitas/dpa-Zentralbild/ZB (Photo by Jan Woitas/picture alliance via Getty Images)

وأوضح المسئول «أن هناك العديد من البرامج الموضوعة للعمل على توسعة الإنتاج الحيواني المحلي». ومن خلال استيراد حيوانات جرى تربيتها في السودان، ثم رعايتها لمدة ستة أشهر وبعد ذلك تباع على أنها لحوم مصرية؛ قد تقول الحكومة: «انظر، إننا نساعد المزارعين المصريين».

ولكن مع نمو التجارة، أصبحت القضايا المتعلقة بإدارة المسالخ والإشراف عليها في المنطقة أكثر إلحاحًا. ففي عام 2014، كشفت التحقيقات التي أجرتها منظمة Compassion in World Farming بالتعاون مع مؤسسة  Animals Australia عن لقطات للحيوانات المصدرة من الاتحاد الأوروبي، التي قيل إنها تعرضت لتعامل عنيف في المسالخ الموجودة بالضفة الغربية والأردن ولبنان وتركيا، وتقول إن من بين هذه المعاملات العنيفة أن البعض يجرها من ذيولها وحتى من تجاويف العين.

يقول ستيفنسون: «إن انتقاد معايير الذبح في الشرق الأوسط ليس استخفافًا بدينهم». مضيفًا: «عندما يشاهد المسلمون أفلامنا يشعرون بالرعب ويقولون «هذا ليس حلالًا». 

ويتابع ستيفنسون: «تطلب طريقة الذبح التقليدية وفقًا للقواعد الدينية القيام بعملية النحر بطريقة سليمة تتطلب قطع جميع الأوعية الدموية الرئيسية، بحيث تسيل الدماء من الحيوان ويموت بسرعة، ولكن في الواقع تتلقى الحيوانات كثيرًا من الطعنات والجروح في الحلق قبل أن تفقد الوعي… لقد رأينا في المسالخ أنه ليس لديهم معرفة بكيفية التعامل مع الماشية، فرأينا الأبقار يخافون من العاملين في المسالخ». 

ويضيف: «مع ذلك، فإن التغيير حاصل لا محالة. ففي تركيا، أدى العمل المطرد الذي قامت به مجموعة Eyes On Animals ومجموعات أخرى إلى قبول استخدام المسدسات الصاعقة في بعض المسالخ، وفي شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، أعلنت جماعة Ismailağa Cemaati، أكبر جماعة إسلامية في البلاد، أن اللجوء إلى الصعق قبل ذبح الحيوانات مقبول وحلال». 

الدول العربية vs الدول الأجنبية.. كم عدد ساعات العمل لشراء كيلو جرام من اللحم؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على
المصدر لا على «ساسة بوست».