كل ما نعرفه عن الحضارة المصرية القديمة لم يكن ليوجد لولا جهود رجل واحد، رجل فرنسى الجنسية وشرقى الملامح، رجل يعتبر بحق معجزة علم الأثار على إطلاقه، إنه جان فرانسوا شامبليون، الذي فك رموز حجر رشيد، الأب الروحي والمؤسس لعلم المصريات. 

الغالبية العظمى من المصريين يعرفون عنه أو حتى سمعه عنه خلال الدراسة الابتدائية أو ما شابه، و ما يعرفه أنه هو من فك رموز حجر رشيد وكفى، ويظن البعض أنه قد فك لغزها هكذا بسهولة او بمحض الصدفة أو حتى حين تم اكتشاف الحجر نفسه، لكن الحقيقة والواقع يخفيان أشياء أكثر إثارة وتشويقًا سنتعلمها في رحلتنا التالية، ويجب أن تكون محطتنا الأولى هي حجر رشيد، لنتعلم عنه أشياء، تعلمنا بدورها معلومات مهمة عن شامبليون.

تاريخ وفلسفة

منذ شهر

أقدم من الكاماسوترا.. تعرف إلى المرجع الجنسي المصري الأول في التاريخ

ما هو حجر رشيد وأين تكمن أهميته؟ 

حجر رشيد هو نصب من حجر الجرانودايورايت عبارة عن مرسوم صدر في منف، وهى مدينة مصرية قديمة، أسسها الملك نارمر موحد القطرين، وكانت عاصمة لمصر القديمة لفترة طويلة. صدر مرسوم حجر رشيد هذا في العام 196 قبل الميلاد كمرسوم ملكي نيابة عن الملك بطليموس الخامس الذي تولى العرش تحت لقب ملكى بالإضافة لاسمه جريًا على عادة البطالمة، وهو أبيفانس أي «الإله الظاهر».

والجرانوديواريت كما يبدو من اسمه المركب من شقين، هو أحد الصخور النارية واسعة الانتشار، ويعتبر الحالة الوسطية بين الجرانيت والديوريت. جدير بالذكر أن الحجر الموجود حاليًا كان جزءًا من نصب تذكارى أكبر للمرسوم، أمر الملك بطليموس الخامس بوضعه في جميع معابد مصر كنوع من أنواع الدعاية السياسية لحكمه.

حجر رشيد

كان هذا المرسوم الذي أصدره الكهنة بعد اجتماع عام لكهنة المملكة المصرية في العام 196 قبل الميلاد بمثابة تهنئة منهم للملك بمناسبة عيد تتويجه الأول وشكرًا له على الإعفاءات الضريبية التي خص بها المعابد وأوقافها ومنحه الهدايا والهبات للمعابد كذلك. وأبعاد حجر رشيد هي: حوالي 112.3 سم طول، 75.5 سم عرض وسمكه حوالي 28.4 سم.

يظهر المرسوم في ثلاثة نصوص: النص العلوي هو اللغة المصرية القديمة بالخط الهيروغليفي، أو ما يعرف بخط العلامات الكاملة، والجزء الأوسط هو نص بالخط الهيراطيقي المعروف بكونه خطًا أكثر شعبية وانتشارًا وسلاسة في الاستخدام في الحياة اليومية عن الخط الهيروغليفي الرسمي، والجزء الأدنى بمثابة ترجمة للمرسوم باللغة اليونانية القديمة. 

وهذا الجزء اليونانى تحديدًا هو أكثرهم أهمية؛ لأنه هو الجزء الذي بدأ كل من حاولوا فك شفرة اللغة المصرية القديمة بالعمل عليه؛ نظرًا لأنه حين اكتشاف الحجر وفي عصرنا الحديث نعرف اليونانية القديمة، ولدينا أبجدية لها ونحو وقواعد ثابتة ومنظمة يمكن الرجوع إليها، بعكس كلا الخطين المصريين القديمين «الهيروغليفي والهيراطيقي» اللذين ضاعت معالمها ودلائل فهمها إلى حين، أو بالأحرى إلى حين استبد هوس شامبليون باللغة المصرية القديمة ورغبته في فك رموزها وتقديم حضارتها إلى العالم.

اكتشف الحجر بالصدفة البحتة – على غرار الكثير من الكشوف الأثرية المهمة في مصر – أثناء أعمال الصيانة وإعادة التحصين لإحدى القلاع المصرية بمدينة رشيد على نهر النيل، إبان الوجود الفرنسى في مصر حيث كان الجنود الفرنسيون يحفرون لتوسيع تحصينات قلعة المدينة الساحلية، ثم ارتطم فأس أحدهم واسمه بيير فرانسوا بوشارد – كتب لاسمه الخلود بهذا الاكتشاف – بهذا الحجر الغامض والمثير للاهتمام.

شامبليون.. تلميذ يتفوق على أستاذه

حين اكتشف الحملة الفرنسية حجر رشيد، لم يكن هناك على وجه الأرض من يعرف اللغة المصرية القديمة بخطوطها أو يفهمها حتى، إلا بعض الخربشات هنا، والتخمينات هناك، حتى أعتى العقول العلمية وجهابذة اللغات في ذلك العصر، ونذكر منهم – على سبيل المثال – لا الحصر، المستشرق الفرنسى وأستاذ اللغات الشرقية سلفيستر دو ساسي، أستاذ شامبليون بالجامعة، حتى «دو ساسي» نفسه أعياه أمر اللغة المصرية القديمة مقررًا أنها مجرد رموز تصويرية، أي أنها لم تكن لغة منطوقة على الإطلاق، وإنما مجرد تصوير لأفكار اخترعها قوم بدائيون لم يعرفوا اللغة ذات حركات الإعراب والتشكيل والنطق… إلخ، وإنما فقط سجلوا أفكارًا عامة بشكل مجرد على حوائط المعابد.

وقد يبدو هذا تفسيرًا غير علمي بالنسبة لنا الآن، إلا أنه منذ ما يقارب القرنين من الزمان، أو أقل قليلًا كان بمثابة حقيقة علمية واقعة في الأوساط الأكاديمية تمامًا، كما كانت حقيقة الشمس التي تدور حول الأرض في عقلية المجتمع الأكاديمى الأوروبى أيام كوبرنيكوس، لكن شامبليون لم يكن مقتنعًا كل الاقتناع بنظرية أستاذه، ولا حتى بأهمية صكوك الحقيقة التي يمنحها المجتمع الأكاديمى لتفسيراتهم الخاطئة لمجرد أنهم لا يعرفون غيرها، إذ صرح في غير مرة أن هذا المجتمع برمته لا يعنيه في شيء، كما أن هذا المجتمع العلمي ذاته كان مخطئًا من قبل في أمور كثيرة ثبت خطؤهم فيها بعد ذلك.

كان شامبليون دائم التهكم على هذا الوسط العلمي في رسائله إلى أخيه الكبير، وعليه فقبل كشف شامبليون كانت اللغة المصرية القديمة بمثابة طلاسم بالنسبة للجميع، مجرد صور لحيوانات، وطيور، وبشر، برؤوس حيوانات لا يفهم منها الناظر شيئًا سوى أن هؤلاء القوم لابد بالتأكيد وأنهم كانوا سحرة عتاة.

«صراع من لا يملك ومن لا يستحق»

للحجر نفسه حكاية طريفة تستحق أن تروى، فبعد هزيمة الفرنسيين في مصر وفشلهم في الوصول إلى اتفاق مع الدولة العثمانية؛ لتتكفل بنفقة خروجهم من مصر بعد حملتهم، وما زاد الطين بلة حينها محاصرة الإنجليز لهم بعد تدمير الأسطول الفرنسى كله في موقعة أبى قير البحرية، كما رفضت إنجلترا الاتفاق المعروض من قبل الفرنسيين للخروج الآمن، لم يجد الفرنسيون بقيادة مينو بدًا من الإذعان والاستسلام، فقرر قائد الجيش الفرنسى أن يخفي الحجر بين أشيائه الشخصية معللًا ذلك أنه ملكه، وأنه قد اشتراه من تاجر آثار مصري، لكن الإنجليز أصروا على بقاء الحجر في حوزتهم، بالرغم من أن كلا الطرفين لم يكن يفهم ما هو مسجل عليه، عدا النص اليوناني الذي بالطبع جعلهم يدركون أهميته الكلية.

تاريخ وفلسفة

منذ 7 شهور

أحمد باشا الجزار.. الثعلب العجوز الذي قهر نابليون بونابرت

 وبعد شد وجذب سمح الإنجليز للفرنسيين بعمل نسخ من الحجر عن طريق دهن الورق بالرصاص المذاب؛ لينطبع ما في الحجر على وجه الورقة ذاتها، وبقي الحجر في حوزة الإنجليز الذين اعتبروه غنيمة حرب، ونحتوا على أحد جانبيه «وجد بواسطة الجيش الإنجليزي» وها هو يستقر منذ ذلك الوقت وحتى الآن بالمتحف البريطاني بلندن.

من هو جان فرانسوا شامبليون؟ 

ولد شامبليون في بلدة فيجياك جنوب غرب فرنسا في 23 ديسمبر (كانون الأول) 1790 لوالد يعمل تاجرًا للكتب، وكان الأخير بين سبعة إخوة، مات اثنان منهم قبل ولادته، لا تذكر المصادر عنهم شيئًا بالتفصيل، بخلاف أختين وأخيه الأكبر جاك جوزيف الذي لعب الدور الأهم في حياته الشخصية والعملية.  

كان شامبليون طفلًا استثنائيًا شغوفًا باللغات القديمة، والحضارات والتاريخ بشكل عام، فقد أتقن شامبليون اللغة العربية واللغة القبطية القديمة، إلى جانب إتقانه للغات القديمة الأخرى على سبيل المثال لا الحصر، مثل اليونانية القديمة واللاتينية، والعبرية، والسريانية، والإثيوبية، فضلًا عن الفرنسية لغته الأم، كل ذلك في عمر المراهقة، وبداية الشباب تقريبًا.

كان ينهي بعض كتاباته بكلمة «الحمد لله» 

امتلك شامبليون مظهرًا مميزًا بالنسبة لأبيه وأمه وبقية إخوته، فقد كان ذا بشرة سمراء على غير العادة بشعر وعيون سوداء، هذه الملحوظة قد ذكرت في جواز سفره كما ذكرها هو شخصيًا مرات عدة، وكذلك المحيطون به، كانت ملامحه شرقية بالدرجة التي يمكن بها أن يعيش في مصر باعتباره عربيًا. 

وهذه الحقيقة بالتحديد قد دار حولها الكثير من الجدل بين مؤرخى وكتاب سيرة حياة شامبليون، بعضهم لم يعرها اهتمامًا والبعض الآخر اهتم بها كل الاهتمام وسلط عليها الضوء مثل المؤرخين الفرنسيين: آلان فير، ولاكوتر، وقد مضى لاكوتر شوطًا بعيدًا في هذه النظرية، ومفادها أن جان فرانسوا – الأم الرسمية – لم تكن الأم الحقيقية لشامبليون، وأن أمه الحقيقية كان امرأة من الجيبسى – الغجر – أو امرأة مصرية التقاها أبوه أثناء معرض لبيع الكتب كان يحضره بحكم عمله، وأقام معها علاقة غير شرعية كان نتيجتها شامبليون ذو الملامح الشرقية.

 وفي حالة صحة هذه الفرضية فإنها كذلك تفسر اختلاف الشكل الواضح بين الطفل شامبليون وباقي إخوته، وكذلك علاقته الباردة بأبيه وأمه، وكذا الاختلاف في حدة الطباع بينه وبين أخوته وأقاربه، ولأن الشيء بالشيء يذكر فقد كان اسم التدليل الخاص بشامبليون في المنزل هو «شامبليون الصغير»، والصغير هنا كانوا ينطقونها بلفظها العربى، كما أنه كان ينهي بعض كتاباته بكلمة «الحمد لله» باللغة العربية، وهي ملاحظة مهمة قد تضيف إلى النظرية سالفة الذكر كما أوضح المؤرخ أندرو روبنسون في كتابه «فك الشفرة المصرية» الحياة الثورية لجان فرانسوا شامبليون. 

كان من المعروف عن والد شامبليون أنه قد عاش حياة بوهيمية مليئة بالسكر وتعدد العلاقات؛ مما أودى بتجارته للكتب، وأفسد علاقته مع أبنائه على حد سواء، وربما قد يفسر هذا المنحى من الأب امتناع شامبليون عن ذكر أبيه في أي من رسائله إلى أخيه الأكبر، أو حتى في مذاكراته الشخصية إلا لمامًا.

جدير بالذكر أن كتاب سيرة شامبليون الرجل الذي فك رموز حجر رشيد قد تجادلوا بخصوص إمكانية أمه الرسمية في الحمل به في عمر الثامنة والأربعين، خاصة بعد هذا العدد من المرات التي حملت بها ومات منهم من مات، فلم تكن من طبيعة الرعاية الصحية ولا التقدم الطبي في القرن الثامن عشر أن تسمح بحمل كهذا في سن متقدمة للغاية بمقاييس العصر؛ مما قد يلقي أضواء جديدة على النظرية سالفة الذكر.   

هل تكون اللغة الصينية مفتاحًا للمصرية؟ 

إن المتأمل لحياة شامبليون، ربما ينتابه شعورًا خفيًا بأن حياة هذا الرجل المميز كانت منذورة لهدف أو مهمة ما، أكثر من كونها مجرد حياة حافلة بالمغامرات والاكتشافات. نشأ شامبليون في كنف أخيه، جاك جوزيف شامبليون، الذي قام بتغيير اسمه لاحقًا نسبة لبلدته فيجياك، فصار اسمه جاك فرانسوا فيجياك تمييزا له عن أخيه الصغير شامبليون، ومحبة منه لأخيه؛ فقد كان راعيه الأول، وداعمه المالي والمعنوى كذلك. 

كان شامبليون محبًا للغات كما أسلفنا، وانتباته رغبة محمومة في اكتشاف لغز اللغة المصرية القديمة لأنها ستكون بمثابة حجر الأساس في عمله على البرديات المصرية كما صرح لأخيه ذات يوم، ولأن الشيء بالشيء يذكر فقد كان شامبليون شابًا واعدًا يدرس اللغات القديمة والصعبة، وعلى رأسها اللغة الصينية التي اعتقد في بادئ الأمر أنها يمكن أن تكون مفتاحًا لفهم اللغة المصرية القديمة؛ نظرًا لكونهما تحتوي أشكالًا تصويرية، وليست أبجدية بالمعنى والاصطلاح المعروف للكلمة.

فاللغة المندرية «الصينية» تحتوى آلاف العلامات التصويرية لكتابتها كما أنها تكتب رأسيا تمامًا كالهيروغليفية المصرية، وحين تم إيداع شامبيليون من قبل أخيه في مصحة للاسترخاء إثر لإصابة الأخير بانهيار عصبى من كثرة الدراسة والبحث؛ كتب شامبليون رسالة إلى أخيه في اليوم الثالث لإقامته بالدار طالبًا منه أن يرسل له كتاب النحو الصينى ليدفع به إحساسه بالملل في هذا المكان.

«البروفيسور المراهق»

في عام 1804 قدم شامبليون أول ورقة بحثية منشورة له بعمر الـ13 عامًا، وقد كانت بعنوان» ملاحظات حول خرافة العماليق كما هى مأخوذة من إيتمولوجيا الكلمات اليهودية»، وقد قدمت هذه الورقة البحثية بعد ذلك بعامين بواسطة أحد الباحثين الكبار نيابة عن شامبليون لمجمع الفنون والعلوم حيث كان شامبليون ذاته أصغر من أن يتكلم بنفسه أمام هذا المجمع العلمى الذي يضم في عضويته العلماء، والباحثين، والفنانين.

إثر تفوقه الدراسى غير المعهود – رغم كراهيته للتعليم المدرسي والمناهج الدراسية التي رآها تحد من قدراته وقابليته النهمة للتعلم – توجه إلى باريس لاستكمال دراسته في اللغات القديمة، بمساعدة أخيه الأكبر فيجياك، الذي كان يعمل أمين مكتبة وباحثًا في المخطوطات، والذي استطاع عن طريقة علاقته بالأوساط الأكاديمية مساعدة أخيه الأصغر في الالتحاق بجامعة فرنسا في باريس؛ ليتتلمذ على يد المستشرق الفرنسي وعالم اللغات الشرقية الشهير سلفستر دو ساسي، وغيره من باحثي وأساتذة الحضارات القديمة، يذكر أن شامبليون كان متحمسًا لدراساته حتى أنه كان يرتدي زيًا عربيًا أحيانًا كثيرة ويصر على تسميته بشامبليون الصغير بلفظها العربي، أثناء فترة دراسته بباريس. 

اختار لابن أخيه اسم علي!

وبعد عودته من باريس التي لم يحبها يومًا كما صرح بذلك غير مرة في رسائله إلى أخيه كانت صحته معتلة، وأصيب بالنقرس، فباريس التي استقبلت شامبليون في العام 1807 لم تكن تلك المدينة الجميلة ذات الطابع المعمارى المميز، فقد كانت معظم المباني والبيوت إما متهدمة، أو مدمرة كليًا، وفي حاجة إلى إعادة البناء، كما انتشرت في أجوائها الأمراض والأوبئة إثر أحداث الثورة الفرنسية. 

وبعد مشقة إتمام دراسته في باريس مدة السنتين، حيث كان يذهب سيرًا على الأقدام للجامعة، ولحضور معظم دروسه وأبحاثه، فقد كانت حالة أخيه المادية لا تسمح له بإعالته كليًا، كما أن العائلة ذاتها كانت رقيقة الحال، عاد شامبليون إلى مدينة جرينبول القريبة من بلدتهم فيجياك، حيث كان يسكن أخوه وعائلته بعد استقراره وزواجه، وقد أنجب طفلين، فتى في العام 1808، وفتاة بعده بعام واحد، وقد اقترح شاملبيون على أخيه أن يسمى ابنه علي، وقد سماه كذلك بالفعل، فأصبح لديه علي وإيميلا، وفى 1810 في تلك المدينة الهادئة قام صاحبنا بالعمل كمدرس مساعد للتاريخ بجامعة جرينبول وهو بعمر العشرين عامًا تقريبًا.

كيف فك شامبليون رموز حجر رشيد؟ 

بعد عدة سنوات سافر شامبليون إلى باريس مرة أخرى ليعمل أول أمين للمجموعة المصرية في متحف اللوفر، وهذا المنصب، بالرغم من صغر سنه وأهمية المنصب ذاته، لم يكن ما يتوق إليه، فقد كان شامبليون يريد رؤية مصر والآثار المصرية التي لطالما حلم بها منذ صغره، فقد كان يعمل على نسخ مرسومة، أو مطبوعة بالرصاص من حجر رشيد، ولم يتكمن من العمل على حجر رشيد ذاته – على سبيل المثال – حيث كان محفوظًا بالمتحف البريطانى. 

أثناء عمله في باريس، كان شامبليون قد توصل إلى معجزته الشهيرة وهي فك رموز حجر رشيد، إذ التقى بكاهن مصري في باريس اسمه الأب يوحنا شفتشى، وقد كان هذا الأب المصرى هو من نبه شامبليون إلى حقيقة أن اللغة القبطية هي المرحلة الأخيرة من اللغة المصرية القديمة، وليس كما اعتقد شامبليون، فقد آمن الأخير بأن الخط الهيروغليفى هو آخر مرحلة من مراحل اللغة المصرية القديمة؛ نظرًا لكونه منمقًا ومرتبًا عكس الخطوط الأخرى التي بدت له مجرد خربشات، أي الهيراطيقية والقبطية. 

قبر شامبليون

انطلاقًا من هذه النقطة المحورية أعاد شامبليون ترتيب قياساته اللغوية، واستند إلى إجادته التامة للغة القبطية في استنباط الحروف القبطية التي تتشابه في النطق والدلالة مع غيرها من العلامات المصرية القديمة، وقد نجح بالفعل في مقاربة اسم الملك بطليموس، واسم الملكة كليوباترا، اليونانيين بعلاماتهم في المصرية القديمة بعد عمله على نقوش مسلة من معبد فيلة. لكنه احتاج اسمًا مصريًا اصيلًا، وليس اجنبيًا ليتأكد من صحة أبجديته وسريانها على كل العلامات المصرية القديمة وقد جاءه هذا الإسم من لوحة أحضرها له أحد الأصدقاء لواجهة معبد أبو سمبل – المكتشف حديثًا حينئذ – وبدأ شامبليون العمل على كشف اسم الملك رمسيس ومقارنته بالأبجدية القبطية ليسقط مغشيًا عليه بسبب ذلك الاكتشاف العظيم الذي فتح أبواب ومغاليق حضارة قديمة اختفت منذ آلاف السنين أو كادت إلى حين عمله الملهم.  

علينا الانتباه إلى قاعدة مهمة تشرح عمل شامبليون على أسماء الأعلام فقط، إذ أن أسماء الأعلام لا تترجم، إنما تكتب كما هى، وعليه فالتوصل إلى اسم العلم يعنى التوصل إلى حروف من اللغة ذاتها دون الخوف من الوقوع في أخطاء الترجمة أو ملابساتها السياقية.

محمد علي والعالم العبقري.. شامبليون في مصر 

جاء شاميليون إلى مصر على رأس بعثة سميت «البعثة الفرانكو – توسكانية إلى مصر» حيث كانت بعثة مشتركة برئاسة شامبليون ممثلًا عن الحكومة الفرنسية وروزالينى مساعدًا له وممثلًا عن الحكومة التوسكانية، إذ تشاركت الحكومتان تكاليف ونفقات البعثة فقد كانوا على يقين أن محمد علي في تلك الفترة من تاريخ علاقاته مع أوروبا لن يواجه بعثة علمية أوروبية بالقوة أو العنف، بل سيرحب بها بما كان معهودًا عنه من حسن الكياسة والدبلوماسية رغبة في ارتفاع شأنه لدى الأوربيين بصفته راعيًا للفنون والآداب.

تضمنت البعثة 12 مشاركًا آخر غيرهما، ما بين فنان ومعماري وعالم ومهندس وطبيب إيطالى للبعثة. كان هدف البعثة دراسة الآثار المصرية القديمة وكذلك شراء ما يوافق الباشا على بيعه من قطع أثرية حيث لم تكن تجارة الآثار مجرمة حينئذ، خاصة في ظل سياسة الاحتكار إلى نفذها محمد علي باشا لكل منتجات البلاد.  

أبحرت البعثة متجهة إلى مصر عبر البحر المتوسط من ميناء طولون الفرنسي في الجنوب، وقد وصلت شواطئ الإسكندرية في عام 1828، وقابل شامبليون محمد علي باشا داخل مقر إقامته بالإسكندرية، وقد رحب الباشا بشامبليون وبعثته ومنحهم التصاريح اللازمة للمرور عبر النيل، وبأن يجوبوا البلاد لدراسة حالة الآثار المصرية، كما منحهم سفينة ضخمة للإبحار في النيل، كانت الأكبر في البلاد حينئذ، سماها «شامبليون إيزيس» ومركبًا أصغر منها سماه «شامبليون حتحور» تيمنًا باسم الإلهتين المصريتين، وعين لهما حارسين مرافقين من الإنكشارية.  

كما اشترط محمد علي باشا على شامبليون بصفته رئيسًا للبعثة أن يكتب له تقريرًا مفصلًا عن حالة الآثار المصرية القديمة التي سيزورها عبر البلاد، وقد وافق الأخير مسرورًا باهتمام الباشا وسعة أفقه. جابت البعثة أنحاء مصر لمدة عام كامل، دراسة آثارها ومعمارها وفنونها العظيمة الخالدة، فبدأت من أقصى الشمال حتى أقصى الجنوب. انطلقت من الإسكندرية وحتى وادى حلفا، مرورًا بصا الحجر، بالغربية، والقاهرة، والجيزة، ومنف، وبنى حسن بالمنيا، وطيبة بالأقصر، وإسنا، وإدفو، وجبل السلسلة، وكوم إمبو، وفيلة، بأسوان، وكلابشة، وأمدا، وديرر، وأبو سمبل، ووادى حلفا، بالنوبة السفلى.

كانوا يتعرفون على الآثار ويتعرفون معها كذلك على عادات مجتمع شرقي جديد ومثير للاهتمام بالنسبة لهم، وقد دونوا ملاحظتهم عن تلك الرحلة إلى جانب تسجيل دراسات وأعمال البعثة العلمية من تسجيل الآثار، ورسمها، ودراسة نقوشها، وقد صدرت تلك السلسلة من الكتب بعد ذلك بسنوات.

شامبليون.. حياة استثنائية

أخيرًا استطاع شامبليون أن يحقق حلمه برؤية الآثار المصرية التي لطالما حلم برؤيتها منذ الطفولة، وأفنى في دراستها والكشف عن أسرارها عمره تقريبًا، فقد زاد اعتلال صحته أثناء إقامته بمصر، وعاد بعدها إلى باريس ليشغل منصبًا علميًا مرموقًا وفريدًا من نوعه، حيث كان أول أستاذ لكرس الآثار المصرية بالكوليج دو فرنس الذي أنشأ خصيصًا له بأمر من الملك لويس فيليب الأول بعام 1831.

أعطى شامبليون ثلاث محاضرات فقط في الجامعة، ومن ثم منعه اعتلال صحته عن استكمال مهام عمله، وتوفي إثر سكتة دماغية في العام 1832 عن عمر ناهز 41 عامًا، تاركًا أرملته وابنته الوحيدة، ودفن بباريس، وقد قامت زوجته بنصب مسلة كبيرة فوق قبره، ونحتت فوقها: هنا يرقد جان فرانسوا شامبليون. وأصدرت الدولة الفرنسية طابع بريدي تكريمًا لذكرى ميلاد العالم شامبليون سنة 1972.  

وكنوع من الاعتراف بالجميل والتكريم قامت الحكومة الفرنسية بإنشاء متحف مكرس لشامبليون ببلدته الأم فيجياك يضم مذكراته ومقتنياته الخاصة، وافتتحه الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران في العام 1986. لقد أدى شامبليون المهمة التي كانت حياته وكأنها منذورة لها على أكمل وجه، وكوفئ خير المكافأة بتخليد اسمه وذكراه على مر العصور؛ كونه الرجل الذي منح الأموات صوتًا ليتحدثوا إلى العالم من جديد.