أعدت فرانسيس ستيد سيلرز، المحررة الصحفية والكاتبة البارزة بصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، تقريرًا مطولًا حول افتقار بعض المناطق داخل الولايات المتحدة لخدمات المياه والصرف الصحي، ومعاناة مليوني شخص تقريبًا من غياب هذه الخدمات.

تروي فرانسيس في مستهل تقريرها قصة ليجينا فاجنر، التي تقيم بمقاطعة أباتشي بولاية أريزونا، وتنقل عنها أنها تضطر لقيادة السيارة في طرق ترابية وعرة لمدة 45 دقيقة من أجل ملء حاويات المياه عبر مضخة مياه معدة لذلك.

وتحكي ليجينا أنها بعد ذلك، توزع المياه باقتصاد على الاستخدامات الضرورية؛ بمعدل نصف كوب لطفلتها البالغة من العمر خمس سنوات لتنظيف أسنانها، ولتر مياه ساخنة لتنظيف الأطباق، وحوالي عشرة جالونات للاستحمام تكفي لمدة أسبوع.

توضح ليجينا فاجنر كيف أصبح الحصول على المياه الجارية بوفرة رفاهية لا يتسنى لكثيرين في الولايات المتحدة التنعُّم بها، مستشهدة بصور الدلاء البلاستيكية الفارغة، والخنازير التي تحفر الأرض بأنوفها بحثًا عن المياه.

وليجينا ليست سوى واحدة من بين أكثر من مليونَيْ أمريكي لا يحصلون على كفايتهم من المياه وخدمات الصرف الصحي، بحسب تقرير أعدته مؤسستان غير ربحيتين الشهر الماضي تحت عنوان «سد فجوة الحصول على المياه داخل الولايات المتحدة».

«بلومبرج»: رغم سنوات من المكاسب الاقتصادية.. الأمريكيون غير سعداء في وظائفهم!

اختلاف توزيع المياه بين البيض والسود والسكان الأصليين لأمريكا

يرصد التقرير درجة صارخة من التفرقة القائمة على أساس عِرقي؛ ذلك أن افتقار منازل السكان الأصليين إلى المياه يزيد بواقع 19 ضعفًا عن الأمريكيين البيض، فيما تفتقر منازل الزنوج واللاتينيين إلى المياه بواقع ضعفين.

Embed from Getty Images

تعلق فرانسيس قائلةً: «يعكس التفاوت أيضًا الفجوة بين المناطق الحضرية والريفية، ففي الوقت الذي أبرزت فيه أزمة التلوث بسبب الرصاص في فلينت بولاية ميتشيجان مخاطر البنية التحتية المتهالكة في المدن، تواجه المجتمعات الريفية تحديات استثنائية، كما أنها تفتقر غالبًا لاقتصاديات السعة (انخفاض متوسط التكلفة الكلية على المدى الطويل كلما ارتفع حجم الإنتاج) لتطوير الأنظمة والخبرات المحلية لإدارتها».

وتشير فرانسيس إلى تدهور الوضع في أجزاء من الريف الأمريكي، لدرجة أن خبراء يشبهونه بأوضاع العالم النامي، مستشهدة برأي بريت جليتسمان، وهو مهندس إمدادات المياه والصرف الصحي في مؤسسة «Rural Community Assistance»: الثقافات مختلفة لكن التجارب متشابهة، فالناس دائمًا ما ينقلون المياه من بئر، أو من أقاربهم الذين يملكون المياه، أو من محطة مياه عامة.

ويقول جورج ماكجرو، المؤسس والمدير التنفيذي لمنظمة ديج ديب (DigDeep) غير الربحية: إن الولايات المتحدة لا تمتلك وسائل شاملة لمعرفة عدد الأشخاص الذين يعيشون دون مياه.

في حين تلفت راديكا فوكس، المديرة التنفيذية للمجموعة والتحالف الأمريكي للمياه (U.S. Water Alliance) التي أصدرت التقرير المشار إليه بالتعاون مع «ديج ديب» إلى إنه ما يزال من الصعب حساب عدد الأشخاص الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف المياه، حتى لو تمكنوا من الوصول إليها، مؤكدة أن عدد من لا تصل إليهم المياه أكبر بكثير من مليوني أمريكي.

وتنوه فرانسيس إلى أن التقرير أعد من خلال تجميع مجموعة بيانات فيدرالية، من بينها بيانات تعود للعام 2014 جمعها مكتب التعداد السكاني السنوي بالولايات المتحدة، والذي سأل عينة صغيرة من السكان عما إذا كانوا يملكون مياهًا جارية.

وحددت «ديج ديب» والتحالف الأمريكي للمياه ستة مجتمعات تجد صعوبة في الوصول لخدمات المياه الجارية والصرف الصحي، بما في ذلك محمية نافاجو، وقضت المؤسستان أكثر من عام لتقييم الكيفية التي تأثرت بها حياة السكان نتيجة لذلك.

«الجارديان»: كيف ستكون عنصرية ترامب هي بطاقة فوزه بفترة رئاسية ثانية؟

أمريكيون لا يمتلكون صنبور مياه ولا مرحاضًا

في محمية نافاجو، أكبر المحميات الخاصة بالسكان الأصليين في أمريكا، والتي تندر بها المياه منذ فترة طويلة، لا يوجد لدى قرابة ثلث السكان، بما يعادل أكثر من 300 ألف شخص، صنبور مياه أو مرحاض.

يقول السكان الأصليون إن المياه هي الحياة، كما أن أهميتها الثقافية تنعكس على أسماء الأماكن داخل المحمية مثل ليك فالي (Lake Valley) وويبرويل سبرينجز (Whippoorwill Springs) وإنديان ويلز (Indian Wells).

تقول فرانسيس «هنا في مدينة سويت واتر، الواقعة على مسافة 15 ميلًا جنوبي الولايات المتحدة على الطرق الترابية، كانت مياه الينابيع معروفة بمذاقها المعدني. المواطنون لا يمكنهم الحصول على ما يكفي من هذه المياه».

العديد من مصادر المياه في شتى أنحاء محمية نافاجو مميزة بعلامات تحذر من التلوث، ويحتوي بعضها على سموم طبيعية مثل الزرنيخ، أو حتى اليورانيوم.

وتلفت فرانسيس إلى أن مياه الينابيع لم تعد تتدفق، وهي إحدى التغيرات العديدة التي يعزوها سكان هذه المنطقة المعرضة للجفاف إلى التغير المناخي والتدهور البيئي. واختفت المياه القليلة التي كانت تنعش رعي الأغنام والماعز. واستُعِيض عن الأمطار التي كانت تغذي سابقًا زراعة المشمش والذرة والقرع، بالأمطار الموسمية التي تتدفق عبر جداول المياه. ولم تعد طبقات الثلوج السميكة تغطي الأراضي في هذه المنطقة، مثلما كانت على  أيام جد جيلينا فاجنر.

تقول فرانسيس إن أولئك الذين يقودون سياراتهم لأميال للوصول إلى مضخات طواحين الهواء للحصول على المياه غالبًا ما يحملون ثقابًا وخشبًا لإشعال النيران تحت صنابير الآبار المجمدة، وربما يسحبون المياه غير الآمنة، لأن العديد من مصادر المياه في شتى أنحاء محمية نافاجو مميزة بعلامات تحذر من التلوث، ويحتوي بعضها على سموم طبيعية مثل الزرنيخ، أو حتى اليورانيوم.

أن تشرب من المياه المخصصة للحيوانات

ينقل التقرير عن جوردان بيجايي، الذي وضع لوحة باللون الأحمر على آبار المياه تحذر من أنها صالحة لاستخدام الماشية فقط، قوله: إن العديد من الأشخاص ما يزالون يشربون من هذه الآبار. وتستطرد يولاندا بارني، مديرة برنامج الإشراف على منظومة المياه في محمية نافاجو قائلة: «يحدث ذلك على الرغم من جهود التوعية العامة الواسعة».

Embed from Getty Images

وتتساءل ليجينا فاجنر عما إذا كانت المياه هي السبب وراء إصابتها بداء «ستيل» (نوع نادر من التهاب المفاصل لدى البالغين) الذي ما تزال تعاني منه، ما يضطرها في الوقت الحالي لاستكمال إمداداتها من المياه عبر مياه معبأة في زجاجات تشتريها من  متجر يبعد مسافة ساعة.

وتكشف فرانسيس عن انخفاض التمويل الفيدرالي للبنية التحتية للمياه إلى نسبة السُبع مما كانت عليه في سبعينيات القرن الماضي، بعد صدور قانوني المياه النظيفة ومياه الشرب الآمنة، واللذين أسسا شراكات وضعت خلالها الحكومة الفيدرالية معايير وطنية لجودة المياه، تكون الولايات مسؤولة عن تطبيقها. أما التمويل المتاح هذه الأيام فيعتمد على القروض إلى حد كبير، ويستلزم سداد هذه الأموال على دفعات لا تتحملها هذه المجتمعات الصغيرة، ويمكن أن تصيبها بالشلل.

وتقدِّر الجمعية الأمريكية لأعمال المياه أن صيانة شبكات المياه وتوسيعها في البلاد سيتكلف تريليون دولار على مدى السنوات الـ25 المقبلة. وتشير فرانسيس إلى أن خدمة الصحة الهندية، وهي قسم تشغيل وزارة الصحة والخدمات الإنسانية بالولايات المتحدة، قدرت التكلفة المالية لتوفير المياه والصرف الصحي في محمية نافاجو بحوالي 200 مليون دولار.

وأثار تراجع الاستثمارات طويلة الأمد في المياه الآمنة والنظيفة انتقادات جديدة خلال العام الجاري، وفي يوليو (تموز) الماضي قدمت عضوة مجلس الشيوخ من ولاية كاليفورنيا كامالا هاريس قانونًا لاستثمار بقيمة 220 مليار دولار في برامج مياه الشرب الآمنة، مع إعطاء الأولوية للمجتمعات المعرضة للخطر.

وعود رسمية لحل المشكلة تحيط بها شكوك السكان

في الصيف الماضي، وخلال المناظرات التمهيدية داخل الحزب الديمقراطي في ديترويت، أكبر مدن ولاية ميتشيجان، التي تقع على مسافة ساعة من مدينة فلينت، روّجت عضوة مجلس الشيوخ عن ولاية مينيسوتا أمي كلوبوشار لخطتها المتعلقة بالبنية التحتية بقيمة تريليون دولار تتضمن المياه بين العديد من المنظومات المتهالكة بالبلاد.

وفي تحرك نادر للحزبين، قدم مجلسا النواب والشيوخ مؤخرًا قانونًا لإنشاء برامج تجريبية تستهدف مساعدة السكان ذوي الدخل المنخفض في دفع تكاليف المياه والصرف الصحي بطريقة تمكّنهم أيضًا من الحصول على المساعدة من أجل الطعام ووقود التدفئة.

«آمال الناس معلقة بالمشروعات الكبيرة، ويبدو ذلك جيدًا للغاية، لكن هل سيحدث؟»

يقول ناثان جاردنر أندروز، كبير مسؤولي الدعم في الرابطة الوطنية لوكالات المياه النظيفة، إنه مفهوم جديد للغاية، لكنه يحذر من أنه سيستغرق بعض الوقت، ذلك أن المشاحنات السياسية ليست سوى الخطوة الأولى في عملية يصفها الناس هنا بأنها بطيئة لدرجة تثير الإحباط.

وتقول سيندي هاو مدير العمليات الميدانية في مؤسسة «ديج ديب»: «إن آمال الناس معلقة بالمشروعات الكبيرة، ويبدو ذلك جيدًا للغاية، لكن هل سيحدث؟».

تنتقل فرانسيس للحديث عن مشروع بملايين الدولارات لتوفير المياه داخل قطاعات على طول الطريق السريع رقم 491، من نهر سان خوان الواقع على مسافة 280 ميلًا جنوب محمية نافاجو إلى مجتمعات من بينها جالوب Gallup، أحد أكبر المراكز السكانية، التي انخفضت فيها مستويات المياه الجوفية حوالي 200 قدم في العقد الماضي.

وتلفت إلى إن هذا المشروع يستهدف تلبية احتياجات قرابة ربع مليون شخص بحلول العام 2040، وفقًا لمكتب الاستصلاح الأمريكي (USBR)، بيد أنها تشير إلى شكوك تنتاب العديد من السكان القرويين حيال استفادتهم من ذلك المشروع، بالنظر إلى احتمالية ارتفاع تكلفة توفير المياه الموجودة على بعد بضع مئات الأمتار من خط الأنابيب الرئيسي الذي يقع عبر التضاريس الصخرية وتوصيلها إلى أي منزل.

حين تصبح المياه من مظاهر الترف

يقول جليتسمان «في معظم المناطق النائية، قد تضطر لتوصيل خط مياه بطول ثمانية أميال لخدمة منزلين». وتتفاقم هذه المشكلات بسبب التحديات التي تفرضها التعقيدات القضائية. ففي تيك نوس بوس، وهي إحدى المناطق التجارية القليلة المتبقية هناك، استشهد جون مكولوتش برفض امرأة مسنة السماح بمرور أنابيب المياه عبر الأرض التي تملكها لسنوات طويلة.

Embed from Getty Images

وفي أقصى الجنوب، في منطقة تُعرف باسم رقعة الشطرنج (Checkerboard)، حيث تتاخم الأراضي القبلية الملكيات الخاصة والفيدرالية وممتلكات الولايات، وتعوق أشكال الملكية المختلفة تدشين جميع أنواع البنية التحتية، بما في ذلك أنابيب المياه والطرق.

يتابع التقرير: في صباح قارس البرودة أواخر نوفمبر (تشرين الثاني)، تقاطر السكان من منازل معزولة في منطقة رقعة الشطرنج من أجل ملء 55 جالونًا من المياه المتجمدة في مدرسة القديس بونافنتورا بمنطقة ثورو في ولاية نيومكسيكو.

وفي ساحة انتظار السيارات، يوجد مكتب لدى مؤسسة «ديج ديب»، به إمدادات لتزويد المنازل بخزان بسعة 1200 جالون، ومضخة، وسخان مياه، وحوض يكفي لاغتسال طفل.

وتركب المؤسسة غير الربحية ثلاثًا من تلك المنظومات أسبوعيًّا، وتشغل بعضها بواسطة ألواح الطاقة الشمسية داخل أكواخ تقليدية مكونة من غرفة واحدة، فيما توضع أخرى داخل المطابخ التي تكون مجهزة بجميع التجهيزات عدا صنبور مياه يعمل.

وتعيد المؤسسة غير الربحية تعبئة الخزانات شهريًّا، وتقدم ما يقرب من 40 جالونًا من المياه يوميًّا، أي أقل من 15% من الكمية التي تستخدمها الأسرة الأمريكية العادية.

كان ينقل المياه طوال حياته، وصار الآن يختار مصدرًا من بين ثلاثة مصادر عامة، كل منها على بعد حوالي 30 ميلًا.

كان هنري كينج، الذي يعيش على بعد أميال من أقرب طريق ممهد على أرض تتخللها أشجار الصنوبر والميرميّة، ينقل المياه طوال حياته، وهو الآن يختار مصدرًا من بين ثلاثة مصادر عامة، كل منها على بعد حوالي 30 ميلًا.

ولم يصدق أبدًا أن قانون المياه النظيفة من شأنه أن يفيد الكثير من المواطنين مثله، كما أنه لا يعلق آمالًا كبيرة فيما يتعلق بالحصول على مساعدات مستقبلية من الحكومة الفيدرالية. وقال إن الماضي مليء بالخيانات والوعود غير المنجزة.

«الآن يمكنني أن أغسل شعري»

لذا، عندما علِم كينج من جيرانه عن «ديج ديب»، كان حريصًا على المساعدة في إدخال منظومة المياه والصرف إلى منزل شقيقته، كما أشرف على تركيبها، وكان يستعيد ذكريات الرحلات التي كان يقوم بها بالعربة التي تجرها الخيول مع والديه للحصول على المياه من الوادي، حتى أصبحت المياه تتدفق من الصنبور الجديد في غرفة صغيرة بجانب المطبخ. وتبسم كينج ضاحكًا: «الآن يمكنني أن أغسل شعري»؛ قالها وهو يرفع قبعته مائلًا إلى الأمام تعبيرًا عن الامتنان، مكررًا ثلاث مرات: «شكرًا جزيلًا».

تصف ليجينا فاجنر مسألة الحصول على 40 جالونًا من المياه النظيفة الدافئة يوميًّا بأنها «رفاهية» تحلم بها، بيدَ أنها قلقة من تزايد ندرة المياه ومتخوفة من الطريقة التي يسيء بها البعض استخدام المياه. وتقول إن الناس عندما ينتقلون إلى المدن يتزايد إهمالهم بالمورد الذي تُستَمد منه الحياة، لدرجة أن أجدادها كانوا يبجلونه. وتضيف: «ينبغي لنا ألا نهدر هذا المورد. إنه قوام معيشتنا. إنه يمثل وجودنا».

«الجارديان»: أمريكا لم تعد أرض الحرية.. بل نظام احتكاري مفترس

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».