دائمًا ما تمثل حوادث الانتحار صدمات قوية للمجتمعات التي تحدث بها، سواء كانت متقدمة أو نامية. فمن ذلك الشاب الذي انتحر بإلقاء نفسه من فوق برج القاهرة، إلى الشاب اللبناني الذي أقدم على الانتحار لأسباب اقتصادية ومعيشية، كلها حوادث تسبب الكثير من الجدل، خصوصًا السؤال المعتاد: «ما الذي كان يدور في دماغ هذا الشخص ليقدم على الانتحار؟».

من بين الأمور التي يدور حولها خلافات كبيرة هي الأسباب التي أدت إلى الانتحار، والأمراض النفسية وعلاقتها بالانتحار، وهل الانتحار يعبر عن نقص في الإيمان؟ وغيرها من الأسئلة التي تغزو وسائل التواصل الاجتماعي بعد كل حادث. كلها أسئلة تبدو منطقية ومشروعة. لكننا هنا سنأخذ الأمر من جانب مختلف، هل هناك تغييرات حقيقية تحدث في أدمغة البشر المقدمين على الانتحار؟ وإذا عرفنا هذه التغييرات، فهل يمكننا إنقاذ هؤلاء قبل فوات الأوان؟

بحسب بيانات «منظمة الصحة العالمية»، هناك شخص يموت نتيجة الانتحار كل 40 ثانية. يأتي هذا في الوقت الذي لا توجد فيه سوى 38 دولة فقط لديها استراتيجيات وطنية لمنع الانتحار، وهو عدد ما يزال قليلًا جدًّا، ويجب على الحكومات الالتزام بإنشائها، حسب المنظمة. ووصل معدل الانتحار العالمي الموحد حسب العمر لعام 2016، حوالي 10.5 حالات لكل 100 ألف.

تباينت هذه المعدلات على نطاق واسع بين الدول. فرغم أن 79% من حالات الانتحار وقعت في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، كانت البلدان ذات الدخل المرتفع أعلى من المعدل، لتصل إلى 11.5 حالة لكل 100 ألف. وكان الانتحار هو السبب الرئيسي الثاني للوفاة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا، بعد إصابات حوادث الطرق. وكان الانتحار هو السبب الرئيسي الثاني للوفاة بين الفتيات، والسبب الرئيسي الثالث للوفاة بين الأولاد؛ في المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و19 عامًا.

الانتحاريون.. ونشاط الدماغ

يبدو أن الأشخاص الانتحاريين لديهم أنماط غير عادية من نشاط الدماغ. يأتي هذا الاكتشاف العلمي من خلال مراجعة 131 دراسة تتعلق بفحص الدماغ، تضم أكثر من 12 ألف شخص. وكان الباحثون ينظرون في هذه الدراسات لمعرفة ما إذا كانت هناك أنماط مميزة لنشاط الدماغ في أولئك الذين قاموا بمحاولات انتحارية، أو كانوا يفكرون في الانتحار.

Embed from Getty Images

(الانتحاريون لديهم أنماط مختلفة في نشاط الدماغ)

قارنت معظم هذه الدراسات الأشخاص الذين يعانون من حالة معينة من الصحة العقلية، مثل الاكتئاب، الذي كان له تاريخ في السلوك الانتحاري، بمجموعة مماثلة مع تلك الحالة، لكن المصابين بها لم تصبح لديهم ميول انتحارية، أو مع أشخاص لا يعانون من مشكلات صحة عقلية على الإطلاق. ووجد الباحثون أن هناك شبكتين في الدماغ تعملان بشكل مختلف في هؤلاء الأشخاص ذوي الميول الانتحارية.

إحدى هاتين الشبكتين تشمل مناطق في مقدمة الرأس تعرف باسم قشرة الفص الجبهي الإنسي والجانبي (medial and lateral ventral prefrontal cortex) وروابطها مع المناطق المتورطة في الشعور العاطفي. هذا الخلل قد يؤدي إلى صعوبات في تنظيم العواطف، كما يقول الباحثون. بينما الشبكة الثانية تشمل المناطق المعروفة باسم القشرة الجبهية الظهرية (dorsal prefrontal cortex) ونظام (inferior frontal gyrus)، والتي تلعب دورًا في صنع القرار.

ورغم أن الاختلافات التي لاحظها الباحثون ليست كبيرة بما يكفي لتحديد الأشخاص الذين قد يحاولون قتل أنفسهم، فإن الباحثين يأملون أن يوفر لهم هذا الاكتشاف المزيد من المعلومات حول ما يمكن أن يحدث فيما يتعلق بآليات الدماغ عند المنتحرين. إذ إن الاختلافات في شبكات الدماغ هذه قد تعكس فقط أن الأشخاص الذين يعانون من الانتحار هم في محنة أكبر، بدلًا من الإشارة إلى أفكار محددة عن الانتحار.

وتحاول مجموعات بحثية أخرى إجراء اختبار دم يمكنه التنبؤ بالسلوك الانتحاري. لكن هذا لم يتحول بعد إلى شيء يمكن استخدامه في العيادة، في الوقت الحالي، ويميل الأطباء النفسيون إلى استخدام استبيانات الفحص للعثور على الأشخاص الأكثر تعرضًا للخطر، ولكنها ليست دقيقة للغاية.

العقل الانتحاري.. خبرات الحياة السلبية هي السبب

السؤال هنا: ما الذي يدفع الشخص إلى الانتحار؟ تشير ثلاث دراسات جديدة إلى أن التغيرات العصبية في دماغ الضحية الانتحارية، تختلف بشكل ملحوظ عن تلك الموجودة في أدمغة الآخرين، وأن هذه التغييرات تتطور على مدار العمر. ويعد الاكتئاب أكثر أسباب الانتحار شيوعًا، والذي يصيب ثلثي الأشخاص الذين يقتلون أنفسهم.

في أكتوبر (تشرين الأول) 2008، وجد باحثون في كندا أن المكتئبين الذين أقدموا على الانتحار لديهم توزيع غير طبيعي لمستقبلات مادة (GABA) الكيميائية، وهي إحدى أكثر الناقلات العصبية المتوفرة في الدماغ. دور (GABA) هو تثبيط نشاط الخلايا العصبية. بمعنى آخر؛ إذا فكرت في تأثير دواسة الوقود والمكابح في سيارة، فإن (GABA) هي المكابح.

Embed from Getty Images

ووجد الباحثون أن أحد آلاف أنواع مستقبلات (GABA) ممثلة تمثيلًا ناقصًا في القشرة الأمامية للناس الذين يعانون من اضطراب اكتئابي كبير، والذين انتحروا، مقارنة بالأشخاص غير المصابين بالاكتئاب الذين ماتوا لأسباب أخرى. تشارك القشرة الأمامية في التفكير العالي المستوى، مثل صنع القرار. لكن العلماء لا يعرفون حتى الآن كيف يؤدي هذا الشذوذ إلى نوع من الاكتئاب الشديد الذي يجعل انتحار شخص ما ممكنًا، لكن أي شيء يزعج هذا النظام من المتوقع أن يكون له نوع من النتائج المهمة.

ومن المثير للاهتمام، أن مشكلة مستقبلات (GABA) ليست ناتجة عن جينات غير طبيعية أو متحورة، لكنها ناجمة عن تأثير غير جيني في الجينات التي تنتج هذه المستقبلات. بكلمات أخرى، ما يعني أن بعض التأثيرات البيئية تؤثر في عدد المرات التي تتحول فيها هذه الجينات إلى بروتينات تنتج المستقبلات. في القشرة الأمامية للعقول الانتحارية، وجد الباحثون أن الجين الخاص بمستقبلات (GABA) في كثير من الأحيان يحتوي على جزيء يسمى «مجموعة الميثيل» إضافية مرتبطة به. وجود مجموعة الميثيل هذه تتسبب في جعل الجين غير مرئي عند آلات بناء البروتين في الخلايا؛وبالتالي لا تصنع مستقبلات (GABA).

لا يعرف الكثير عن الأسباب التي تؤدي إلى إضافة مجموعة الميثيل هذه في جينات الدماغ البشري، ولكن تشير دراسة أخرى حديثة إلى أنه يمكن أن يكون الأمر مرتبطًا بالإساءة أثناء الطفولة. فقد أفاد باحثون من جامعة ماكجيل أن الجين المسؤول عن إنشاء آلات بناء البروتين للخلايا تضاف لها مجموعة ميثيل في الحصين (منطقة الدماغ المسؤولة عن الذاكرة قصيرة المدى والملاحة المكانية) لضحايا الانتحار الناجم عن الاكتئاب، الذين عانوا من إساءة معاملة وهم أطفال أكثر من أدمغة الضحايا الذين لم يتعرضوا للإيذاء.

مرة أخرى، لا يعرف الباحثون بعد كيف تؤدي مشكلات آلات بناء البروتين إلى الاكتئاب والانتحار. ولكن من المنطقي أنه إذا كان لديك قدرة محدودة على تخليق البروتين، فإنك تحرم نفسك تدريجيًّا من بناء نقاط ربط عصبية حرجة، أو الروابط بين الخلايا العصبية، والتي قد تكون مهمة للبقاء سعيدًا، كما يقول باحثون. هذه الدراسات تقدم فرضية تقول إن هناك أحداثًا اجتماعية مبكرة في الحياة يتسبب في حدوث برمجة جينية للمخ.

«تأثير فيرتر».. ماذا تعرف عن عدوى الجريمة والانتحار؟

الميل إلى الانتحار قد ينشأ في الرحم

حتى في الرحم، يمكن أن تؤثر المتغيرات الوراثية في المخ النامي بطرق تزيد من خطر الانتحار في نهاية المطاف. عام 2008، كشفت دراسة أن الأولاد الصغار الذين يولدون قصار القامة أو يعانون من انخفاض الوزن عند الولادة هم أكثر عرضة للانتحار العنيف عند البلوغ، أكثر من الأطفال طوال القامة والأثقل وزنًا، بصرف النظر عن طولهم ووزنهم كبالغين. وبالمثل، فإن الأولاد الصغار المولودين قبل الأوان هم أكثر عرضة بأربعة أضعاف لمحاولة الانتحار العنيف من المولودين في فترة حمل كاملة.

ويشير الباحثون إلى أن مادة السيروتونين الكيميائية، التي تشارك في نمو مخ الجنين، قد تلعب دورًا. قد تتداخل بيئة الرحم المجهدة أو المحرومة مع تطور الجنين ومع نظام السيروتونين فيه. فقد أظهرت دراسات أخرى أن أدمغة الأشخاص الذين يظهرون سلوكيات انتحارية حدث لهم نقص في نشاط مادة السيروتونين.

Embed from Getty Images

(الجادون في قرار الانتحار غالبًا ما يخفون أي إشارات تحذيرية)

تكشف كل هذه النتائج أن أدمغة المنتحرين تختلف عن الأدمغة الأخرى بطرق متعددة، وهو ما يعني أننا نتعامل حقًّا مع نوع من عدم التوازن البيولوجي، وأن المشكلة ليست فقط مشكلة سلوك. ولأن التغيرات البيئية المؤثرة في الجينات تحدث عادة في وقت مبكر من الحياة، فقد يكون من الممكن يومًا ما تحديد الشباب المعرضين لخطر الانتحار من خلال دراسة أنماط لديهم، ثم معالجتهم بالعقاقير التي تنظم هذه الآلية. ربما هذا ما نتمنى حدوثه في أحد الأيام.

الانتحار.. دون سابق إنذار

للأسف، الانتحار دون سابق إنذار ليس بالأمر المألوف بالنسبة لكثير من الناس. لكن هذا ما يحدث بالفعل في أغلب الحالات التي نشاهدها. يقول الدكتور مايكل ميلر، أستاذ مساعد للطب النفسي في كلية الطب بجامعة هارفارد، إن كثيرًا من الناس الذين يقدمون على الانتحار يفعلون ذلك دون السماح لهم بالتفكير في الأمر أو التخطيط له.

على الرغم من أن بعض الأشخاص الذين ينتحرون يعانون من مشكلة صحية عقلية محددة، مثل الاكتئاب أو الإدمان، فإن البعض الآخر لا يملك مشكلة عقلية واضحة. يتحدث البعض عن الرغبة أو التخطيط لقتل هؤلاء لأنفسهم أو إعطاء تلميحات أخرى للناس، لكن البعض الآخر لا يفعل ذلك، قد يُتخذ قرار الانتحار قبل دقائق أو ساعات من الفعل.

ما الذي يدفع الشخص إلى إنهاء حياته؟ لا أحد يعلم حقًّا، إذ لم يتمكن الخبراء من التحدث إلى الأشخاص الذين انتحروا. يمكن للخبراء التحدث فقط مع أولئك الذين يفكرون في الانتحار أو الذين ينجون منه، هذه مجموعة مختلفة. الكثير من حالات الانتحار ينبعث من مشاعر الغضب الشديد، أو اليأس، أو الذعر.

وتشمل بعض أهم أسباب الانتحار: الاكتئاب والذهان أو القلق، خسارة كبيرة مثل وفاة شريك أو فقدان وظيفة، أزمة شخصية أو ضغوط الحياة، خاصة تلك التي تزيد من الشعور بالعزلة، أو تؤدي إلى فقدان احترام الذات، مثل الانفصال أو الطلاق. أيضًا هناك فقدان الدعم الاجتماعي، أو مرض يؤدي إلى تغيير في الحالة المزاجية، أو التعرض للسلوكيات الانتحارية للآخرين مثل الأصدقاء والمشاهير.

يثير الانتحار دائمًا أسئلة مقلقة بين أفراد الأسرة والأصدقاء الذين تركهم وراءه: ما الذي فاتني؟ ماذا كان يمكن أن أفعل؟ للأسف، لا يسمح الكثير من الناس بظهور ما يشعرون به أو يخططون له. المفارقة هي أن الأشخاص الأكثر عزمًا على الانتحار يعرفون أن عليهم الالتزام بخططهم لأنفسهم إذا أرادوا تنفيذ هذا الفعل. وبالتالي، فإن الأشخاص الأكثر احتياجًا للمساعدة قد يكونون الأكثر صعوبة في معرفتهم.

لكن في المقابل، فإن الأشخاص الذين يظهرون علامات الانتحار المحتملة غالبًا ما ينقلون محنتهم، على أمل الحصول على رد. هذه معلومات مفيدة للغاية ولا يجب تجاهلها. إذا كنت تعتقد أن أحد الأصدقاء قد يؤذي نفسه، اقنعه بسرعة بالتواصل مع طبيب نفسي، ولا تحاول أن تكون أنت طبيبه النفسي؛ لأن الأمر أكثر تعقيدًا من مجرد «فضفضة» معه.

مترجم: أسلوب علمي جديد قد يعالج أعقد الاضطرابات النفسيَّة