قد يكون العالم مليئًا بالخرافات، إلا أن ما يتحدث عنه الباحثون الثلاثة، سكوت ليلينفيلد وستيفن جاي لين وجون روشيو في كتابهم «50 خرافة في علم النفس»، يغوص داخل ما أطلقوا عليه «علم النفس الشعبي»، وما يتخلله من خرافات، تعاملنا معها وكأنها حقائق مُسلم بها. أشياء نسمعها عن تجارب التنويم المغناطيسي أو تجارب الخروج من الجسد أو أجهزة كشف الكذب، دون أن نعرف حقيقتها، وفي السطور التالية نتناول أشهر 10 خرافات في علم النفس وما وراءها من حقائق العلمية.

1. لا نستخدم سوى 10% فقط من المخ

يعتقد كثير من الناس أن الإنسان لا يستخدم سوى 10% فقط من قدرة المخ. بعض منا يظن أن تلك حقيقة علمية لا جدال فيها، وذلك لأن تلك الخرافة تحديدًا تبعث على الأمل؛ إذ كم سيكون جميلًا حينها لو استطعنا أن نستخدم قدرة مخنا كاملةً، إلا أن الحقيقة العلمية قد جاءت مخيبة لآمال الكثيرين.

يشير العلماء إلى أن هذا الأمر لا وجود له على الإطلاق؛ فهذه أحد أبرز 10 خرافات في علم النفس، وأن الإنسان يستخدم مخه كاملًا طوال الوقت؛ إذ إن الجهد اللازم لغلق كف اليد وفتحها، أو تنشيط الدماغ عن طريق التفكير في شيء ما يستهلك ما يزيد عن عُشر الدماغ، أو قدرة المخ. ويأتي أصل الخرافة ربما إلى ما ذكره عالم النفس والفيلسوف الأمريكي ويليام جيمس في كتابه «طاقات الرجال» عام 1908، حين أشار إلى أننا لا نستغل سوى جزء ضئيل من قدراتنا العقلية والبدنية المحتملة.

أما الجزء الخاص بالنسبة 10%، ربما يرجع إلى أن 90% من خلايا الدماغ تسمى الخلايا الدبقية والتي توفر الدعم والمساعدة لـ10% من الخلايا العصبية وهي تشكل المسؤول الرئيس عن التفكير.

(خرافة استخدام 10% فقط من العقل)

2. هل تعد الحاسة السادسة من خرافات «علم النفس»؟

هل تعتقد أن هناك أشخاصًا يملكون حاسة سادسة؟ أشخاص يمكنهم التواصل مع الكون بطريقةٍ خفية، لا تشمل أيًا من حواسهم الخمس؟ في الحقيقة لست وحدك؛ إذ يظن أغلب الناس أن الحاسة السادسة حقيقة علمية مثبتة؛ مما يحث الكثيرين على الخضوع لابتزازات العرافين، وإضفاء صفة الصدق على السحر الشعوذة.

تعود خرافة «الحاسة السادسة» إلى السير ريتشارد برتون المستكشف الإنجليزي، والذي وصفها عام 1870 بالقدرة على المعرفة والإدراك دون استخدام أي من الحواس الخمس، ويتبعها بعض القدرات مثل التخاطر والاستبصار.

يشير العلماء إلى أن إيماننا بوجود حاسة سادسة ربما يعود إلى مجموعة من الصدف العجيبة يعززها عقلنا كنوعٍ من الاستبصار، مثل أن تفكر في شخص ما ومن ثم يهاتفك وكأنه قد قرأ أفكارك، أو الشعور بانقباض ما ومن ثم تتبعه حادثة سيئة؛ مما يضفى على هذه الحوادث دلالة روحية زائفة، إلا أن الإقرار بوجود مثل هذه الظاهرة يعد مخالفًا لكل ما نعرفه من قوانين الفيزياء الخاصة بالزمان والمكان.

3. يعاني الناس من أزمة منتصف العمر في الأربعينات والخمسينات

كلنا نعرف «أزمة منتصف العمر» بأنها الفترة الفاصلة ما بين سن الأربعينات والستينات، تلك التي يبدأ فيها المرء بمراجعة حساباته، وإشباع رغباته الحالية، وكأنه يخشى الموت لأنه المحطة القادمة، فيتعرف الرجل حينها على فتاة أصغر منه سنًا، أو يحاول الظهور بمظهرِ شاب في مقتبل العمر. في الحقيقة يعود هذا المصطلح إلى عالم النفس إليوت جاك عام 1965، عندما حاول وصل المحاولات القهرية للفنانين في منتصف العمر من أجل البقاء في مرحلة الشباب.

«أزمة ربع العمر».. القاتل الخفي للشباب

يشير العلماء إلى أن أزمة منتصف العمر لا يجب أن نتعامل معها كحقيقة علمية أو أمر مُسلم به؛ إذ تمتاز تلك المرحلة بالمرونة من حيث بدايتها، هل هي أوائل الثلاثينات وحتى الخمسين من العمر أم من الأربعينات وحتى الستينات. في حين وجدت بعض الدراسات العلمية والتي اتخذت من الأشخاص الذين أبلغوا عن معاناتهم أزمة منتصف العمر إلى أنها مرتبطة بأحداث الحياة الشخصية التي عاشها هؤلاء على مدار حياتهم. 

بعض الأشخاص قد مرَّ بتجربة طلاق مريرة، أو فقدان وظيفة، أو عانى من وفاة أحد المقربين، والبعض الآخر قد عانوا من الاكتئاب في مراحل مختلفة من حياتهم. وفي دراسة أخرى وجد الباحثون أن الأمريكيين البالغين ما بين 41 إلى 50 قد أصبحوا أقل عصبية وأكثر وعيًا مع تقدم العمر.

4. التنويم المغناطيسي يجلب لك ذكرياتك المفقودة

يعتقد البعض أن ذكرياتهم المنسية يمكنهم استرجاعها عن طريق الخضوع لجلسات التنويم المغناطيسي؛ مما يمكنهم من التعرف الدقيق على أحداث الماضي. ففي استطلاع للرأي شمل 92 من دارسي علم النفس التمهيدي، وافق 70% منهم على أن «التنويم المغناطيسي» له فاعلية فائقة على مساعدة الشهود لاستعادة تفاصيل الجرائم، لكن هذا يعتبر من أشهر 10 خرافات في علم النفس.

 

يشير العلماء إلى أن التنويم المغناطيسي قد ينتج عنه مجموعة من الذكريات الزائفة، وهو عكس ما يحدث حين يتذكر المرء الأمور بطريقة عادية، واستشهد العلماء بثلاث حوادث بعضها جرائم قتل والبعض الآخر جرائم اعتداءات جنسية، أدين فيها المتهمون بالجرائم المذكورة نتيجة لخضوع الشهود لبعض جلسات التنويم المغناطيسي، من أجل استعادة ذكريات يوم الحادث.

في الحقيقة أطلقت المحكمة سراح المتهمين بعد سنوات قضوها في السجن نتيجة لجرائم لم يرتكبوها، كانت تلك هي المرة الأولى التي تتعرض فيها فعالية التنويم المغناطيسي للتشكيك، وعلى الرغم من أن التنويم المغناطيسي قد يكون فعالًا في علاج الألم أو الإقلاع عن التدخين في بعض الحالات المرضية، إلا أنه بلا شك لا يساعد على استعادة الذكريات المنسية.

5. فقدان الذاكرة نسيان كامل للحياة السابقة

في السينما رأينا حالات كثيرة من فقدان الذاكرة، يتعرض فيها البطل إلى صدمة على الرأس، وبالتالي ينسى كل شئ مُتعلقًا بماضيه. من هو؟ كيف عاش؟ لا يعرف، ولا يتذكر حتى وجوه عائلته. في المقابل، لا يجد صعوبة في تعلم مهارات جديدة، أو في تذكر الأحداث الحالية. فهل هذا حقيقي أم لعلم النفس رأي آخر؟ في الواقع شكل هذا الأمر أحد أشهر 10 خرافات في علم النفس.

تشير سالي باسكندال، أخصائية علم النفس العصبي، إلى أن فقدان الذاكرة يختلف تمامًا عما نراه على شاشات السينما؛ إذ لا تتسبب الصدمات على الرأس في فقدان الذاكرة، بل الالتهابات الفيروسية وإدمان الكحول المزمن والعمليات الجراحية العصبية الناتج عنها إزالة مناطق معينة من المخ. تقول عن ذلك: «مرضى فقدان الذاكرة الحقيقيون نادرًا ما يعانون من فقدان الهوية»، مُشيرة إلى أن هناك خلط ما بين فقدان الذاكرة وحالة مرضية تدعى «الشرود الانفصالي»، وهي المسؤولة عن فقدان الهوية.

6. هل أحلامنا لها معاني رمزية؟

هل تعتقد أن الأحلام تعبر عن رغبات اللاوعي؟ وهل يدفعك هذا الاعتقاد إلى اقتناء الكثير من كتب تفسير الأحلام، في محاولة لفك رموز أحلامك؟ إن كانت الإجابة، نعم. فقد حان الوقت لتغير رأيك فهذه أحد أشهر 10 خرافات في علم النفس.

إذا كان سيجموند فرويد قد اعتقد في وقتٍ سابق أن الأحلام هي الخريطة الخفية لفهم اللاوعي والأسرار الكامنة داخل النفس البشرية، فقد اختلف معه كثيرًا من الباحثين، كان منهم الطبيب النفسي آلان هوبسون، والذي أعتقد أن الصور التي تطفو على السطح في أحلامنا ويرجعها البعض كدلالات رمزية لها تفسيرات، ليست سوى نتيجة للنواقل العصبية التي تحفز كمًا هائلًا من التغيرات الكيميائية بالجسد، تتولد منها الأحلام. والتي تعتبر خليطًا عشوائيًا من المعلومات.

لكن على الرغم من ذلك، اتفق علم النفس الحديث مع فرويد في نقطتين، وهما أن الخواطر والمشاعر التي نعايشها تؤثر على أحلامنا، وأن العاطفة تلعب أحيانًا دورًا هامًا في الأحلام.

أيهم أنت؟ هكذا قسم كارل يونج أنماط النفس البشرية

7. فقدان الوعي.. تجارب الخروج من الجسد

أبلغت أكثر من حالة مرضية، أثناء خضوعهم للعمليات الجراحية والتي نتج عنها فقدانهم للوعي، أن أرواحهم كانت تطفو في سماء الغرفة، تنظر على الجسد الممدد على طاولة الجراحة، وتشاهد كل ما يحدث. أطلق البعض على هذه الحالة «تجربة الخروج من الجسد». فكيف فسَّر علم النفس تلك التجارب؟

نستطيع أن نجد الآن عشرات المواقع الإلكترونية، تشرح الخطوات اللازمة حتى يتمكن متابعيها من ممارسة تجربة الخروج عن الجسد وقتما يريدون، كطريقة لإثقال الروح والارتقاء بالحواس. يشير الباحثون إلى أن تلك التجارب وهمية إلى حدٍ بعيد؛ إذ فشلت الكثير من الحالات في وصف محتويات الأماكن التي ذهبوا إليها بأرواحهم، كما زعموا. وأغلب من ذكر وصف صحيح كان نتاج تخمين ناجح، لذل فهي تعد من أبرز 10 خرافات في علم النفس.

يفسر الباحثون تلك الظاهرة بالتفاعل المعقد بين المعلومات الحسية؛ إذ ترجع بعض الدراسات أصل تلك الحالة إلى إنفصال الأشخاص نفسيًا عن أجسادهم. في حين تشير بعض الدراسات إلى وجود عجز في دمج المعلومات المستمدة من  الحواس المختلفة معًا، وهو ما ينتج عنه هذا الاعتقاد.

8. جهاز كشف الكذب

هل سمعت يومًا عن جهاز كشف الكذب؟ هذا الجهاز السحري، الذي يخرج مشاعرك في هيئة بيانات يمكنها أن تخبر المتخصصين، سواء كنت كاذبًا أم لا. يعتقد البعض أن هذا الجهاز لا يخطئ أبدًأ، فما هي حقيقته؟

(خرافة جهاز كشف الكذب)

يشير الباحثون إلى أن أجهزة كشف الكذب تعتمد في قراءاتها على بعض المؤشرات الحيوية، مثل قياس معدل ضربات القلب وضغط الدم والتعرق والقدرة على التنفس بثبات. في النهاية لا تقدم تلك الأجهزة دليلًا قاطعًا على الكذب؛ إذ قد يشير النشاط الفسيولوجي لبعض النتائج إلى التوتر أثناء الخضوع للاختبار، عوضًا عن الكذب. وبالتالي لا يمكن أن تصبح تلك دليلًا لا ريبة فيه يمكن استخدامه في الكشف عن الجرائم، وهذه أيضًا تعد واحدة من أشهر 10 خرافات في علم النفس.

9. الرجال من المريخ والنساء من الزهرة

الرجال والنساء لا يفهم بعضهم بعضًا. يبدو أن هذا الاعتقاد شائعًا إلى الدرجة التي ألهمت جون جراي على عمل كتاب بعنوان «الرجال من المريخ والنساء من الزهرة»، كدليل على صعوبة التواصل بينهما، وقد أصبح هذا الكتاب من الأكثر مبيعًا في العالم. فكيف فسر علم النفس اختلاف طرق التواصل ما بين الرجال والنساء؟

يعتبر الاعتقاد بأن النساء والرجال يتواصلون بأساليب مختلفة تمامًا؛ مما يؤدي إلى حالات سوء فهم دائمة، هو اعتقاد شائع في الموروث الشعبي، إلا أن الباحثين قد اعتمدوا على تفنيد المزاعم التي تشير إلى الاختلاف ما بين الرجال والنساء بداية من مزاعم أن النساء تتكرر بشكلٍ أكبر من الرجال وصولًا إلى الاعتقاد بأن النساء تكشف أشياء عن أنفسهن خلال الحديث أكثر مما يفعله الرجال، وقد توصل الباحثون إلى أن النساء والرجال تقريبًا يثرثرون بالقدر ذاته مع بعض الاختلافات التي لا تذكر، في حين تكشف النساء عن الأمور الخاصة أكثر من الرجال بمقدارٍ ضئيل.

وقد خلص الباحثون إلى أن الاختلافات ما بين الرجال والنساء في طرق التواصل ضئيلة جدًا، وفي الأغراض العملية، يتشابه الرجال والنساء في أنماط التواصل، لذلك تعد مسألة الخلاف الكلي بين الرجال والنساء هذه من أبرز 10 خرافات في علم النفس.

10. المرضى العقليون يتسمون بالعنف

إذا كنت من محبي الأفلام الهوليودية، حتمًا قد شاهدت عددًا لا بأس به من السيناريوهات عن قتلة متسلسلين يعانون من أمراضٍ عقلية أو مرضى عقليين يتسمون بالعنفِ في المصحات النفسية والعقلية. وهو أمر شائع جدًا إلى درجة أجبرت الكثير من الناس على الاعتقاد بأن المريض عقليًا يجب أن يتسم بالعنفِ. فما هي الحقيقة وراء هذا الأمر؟

يشير العلماء إلى أن الأشخاص الذين يعانون من مرضٍ عقلي ليسوا أكثر عرضة لممارسة سلوك عدائي أو عنيف من الأشخاص العاديين، بل إن الغالبية العظمى منهم أشخاص غير عنيفين. وقد تنحصر نسبة المرضى العقليين الذين ينتهجون أساليب عنيفة من ثلاثة إلى 5% فقط من إجمالي المرضى؛ وهي نسبة ضئيلة جدًا وتقتصر على بعض الأمراض العقلية الخطيرة. في حين يندمج المرضى العقليون في المجتمع ويصبحون أشخاصًا منتجين ونشطين، لذلك فهذه تستحق أيضًا أن تكون إحدى أبرز 10 خرافات في علم النفس.

«مغامرات في فن البقاء وحيدًا»: محاكم تفتيش أوليفيا لينج حول الوحدة المعاصرة