كتبت أليشا هولاند، الأستاذة بجامعة هارفارد الأمريكية، مقالًا تحليليًّا نشرته صحيفة «واشنطن بوست» عن احتجاجات تشيلي الأخيرة ضد قرار الحكومة بزيادة أجرة مترو الأنفاق.

استهلت أليشا هولاند مقالها بالإشارة إلى أن قرار الحكومة في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بزيادة أجرة مترو الأنفاق، انعكس على المواطنين، الذين بدأوا احتجاجات واسعة في الشوارع لم تُظهِر أية إشارة على الانحسار أو التراجع.

ويوم الجمعة الماضية، خرجت مسيرة مليونية «سلمية» في العاصمة سانتياجو، رغم وجود احتجاجات أخرى اتسمت بالعنف وأعمال التخريب والنهب، سقط خلالها 20 قتيلًا وآلاف من المصابين.

وتقول أليشا: «رغم أن الرئيس سباستيان بينييرا ألغى قرار رفع أجرة مترو الأنفاق، ووافق على إجراء تعديل حكومي على النحو المطلوب، رفع المحتجون سقف مطالباتهم، باحتجاجات جديدة، والمزيد من أعمال العنف، ودعوات لإعادة صياغة الدستور الذي يعود إلى عصر بينوشيه».

مترجم: انتفاضة ضد ظلم الرأسمالية.. ماذا يحدث في تشيلي؟

لماذا تسبب رفع الأجرة بنسبة 4% في نزول المواطنين إلى الشوارع؟

تضيف أليشا: يشير معظم المراقبين إلى أن عدم المساواة الاقتصادية تقف وراء الاحتجاجات واسعة النطاق في تشيلي، التي شأنها شأن دول أخرى في قارة أمريكا اللاتينية تشهد تفاوتًا كبيرًا بين الأغنياء والفقراء.

ورغم أن الطبقة الوسطى الآخذة في الزيادة في وضع أفضل للحصول على مساعدات اجتماعية، لكنها تظل فقيرة للغاية للدرجة التي تجعلها لا تستطيع العيش بأريحية.

احتجاجات تشيلي

جاء رد الحكومة بنشر أكثر من 10 آلاف من عناصر الجيش والشرطة في الشوارع، وأعلنت أن البلاد في حالة حرب، ويقول المتظاهرون إن وجود القوات يبدو وكأنه عودة إلى الديكتاتورية العسكرية للبلاد، التي دامت منذ عام 1973 وحتى عام 1990.

وأعلن بينييرا الأسبوع الماضي تدابير للتعاطي مع عدم المساواة في الدخل، بما في ذلك فرض شريحة ضريبية أعلى على الطبقات العليا، وزيادة الحد الأدنى للأجور للطبقات الأدنى.

وترى أليشا أن عدم المساواة في تشيلي ليس اقتصاديًّا فحسب، بل جغرافيًّا أيضًا؛ بمعنى أن حقبة الديكتاتورية عمِدت إلى الفصل بين مختلف طبقات المجتمع في مناطق مختلفة من العاصمة سانتياجو، ووضعت خططًا حتى تُقدَم الخدمات العامة مثل الرعاية الصحية، والمدارس، والنقل بشكل متفاوت إلى هذه الأحياء.

نظام بينوشيه نقل آلاف المواطنين من وسط العاصمة إلى ضواحيها

تنتقل أليشا هولاند للحديث عن حقبة بينوشيه؛ إذ تقول إنه قبل وصول الجنرال أوجستو بينوشيه إلى سدة السلطة، كانت العاصمة سانتياجو تواجه أزمة إسكان، وحاولت عدة حكومات بناء مساكن لكنها لم تستطع فعل ذلك بسرعة تكفي للوفاء بتزايد الطلب على السكن.

كان بعض الساسة يحشدون الفقراء لغزو الأراضي الخاصة وبناء منازل لأنفسهم عليها، كما تسامح الرؤساء المنتخبون ديمقراطيًّا مع تلك الانتهاكات؛ بغية كسب الأصوات وإيواء الفقراء، بحسب أبحاث أجرتها أليشا.

وتتابع: «بعد الانقلاب العسكري لبينوشيه عام 1973، وعد بأن يجعل سانتياجو مدينة بلا عشوائيات»، وأزال الجيش المساكن التي بُنيت بناء غير قانوني، وفي العام 1979 فقط، نقلت الحكومة 29 ألف عائلة من وسط المدينة، وآوتهم في منشآت بُنيت على عجل، أقصى غرب المدينة وجنوبها.

أيضًا، أغريت العائلات الأخرى ذات الدخل المنخفض للانتقال طوعيًّا إلى حدود المدينة، عندما خففت الحكومة اللوائح للتشجيع على بناء مساكن جديدة بأسعار معقولة.

وتؤكد أنه رغم عودة الديمقراطية للبلاد عام 1990، لم يتغير ذلك الفصل الجغرافي الذي أرساه بينوشيه، وللحفاظ على بناء المزيد من المساكن كانت الحكومة بحاجة إلى أراضٍ مفتوحة رخيصة الثمن، الأراضي البعيدة من وسط المدينة، كما دفع النمو الاقتصادي المستمر الأسعار للارتفاع في المناطق المركزية الجذابة.

ترى أليشا أن لتلك السياسة أوجه نجاح؛ إذ أصبحت تشيلي الدولة الوحيدة في أمريكا اللاتينية التي تستطيع الحد من العجز الإسكاني، وتجنب استيلاء الفقراء غير القانوني على الأراضي، لكن تلك المساكن نُفِذت بجودة أقل، وفصل جغرافي بين الطبقات.

هيكل الحكم بالعاصمة يعزز عدم المساواة

تضيف أليشا «في حين أن مثل هذه الانقسامات الاقتصادية مألوفة في مدن أمريكا اللاتينية، فإن هيكل الحكم الحضري في سانتياجو أدى إلى تفاقم مظاهر عدم المساواة، كما أن المستشارين الاقتصاديين لبينوشيه طبقوا اللامركزية للحكومة المحلية، معتقدين أن ذلك يخلق منافسة لتحسين الخدمات العامة وتلبية مصالح السكان المحليين».

تشيلي

توضح أيضًا أن بينوشيه قسَّم العاصمة سانتياجو إلى 52 ضاحية صغيرة، أو «كومونا» تموَّل كل منها محليًّا بشكل رئيسي، ورغم أنه من المفترض أن يعيد صندوق التضامن الحكومي توزيع ضرائب المبيعات والممتلكات التي تُجمع من الضواحي، فإن الفوارق مذهلة في مستويات المعيشة داخل تلك المناطق.

تفسر أليشا بالقول إن معدل الإنفاق للفرد في المنطقة الأكثر ثراءً (فيتاكورا: 1450 دولارًا) يفوق معدل إنفاق الفرد في المنطقة الأكثر فقرًا (بوينتي ألتي: 180 دولارًا) بثماني مرات، رغم أن الأكثر فقرًا يستخدمون الخدمات العامة بشكل أكبر.

وتستطرد: «لننظر إلى منطقة سان رامون التي تقع جنوب العاصمة سانتياجو، فإبان الديكتاتورية نقلت الحكومة 15 ألفًا من أصحاب الدخول المنخفضة من وسط المدينة إلى سان رامون، وأخبرني العمدة السابق لسان رامون في العام 2016 أن سكان المجتمعات الثرية لا يستخدمون الخدمات العامة، هنا هم يستخدمون العيادات الطبية ويذهبون إلى مدرسة البلدية، ويحتاجون إلى حافلات لنقل أطفالهم إلى المدرسة، والسكان هنا فقراء، من سيدفع ثمن كل ذلك؟»

المترو أسهم في الحد من انعدام المساواة.. لكنه قد يفعل المزيد

إن نظام المترو في سانتياجو هو إحدى الخدمات العامة القليلة التي وصلت إلى الفقراء المقيمين على أطراف المدن، وأسهمت في ربطهم بالمركز الحضري الثري، ووضعت الحكومات المنتخبة ديمقراطيًّا تصميم المشروع، لكن بينوشيه افتتح الخط الأول عام 1975، وأشرف على تمديده ليصل إلى شتى المناطق التي يعيش بها الفقراء.

ترى أليشا أن اعتماد الطبقات الفقيرة اعتمادًا أكبر على المترو للوصول إلى أماكن عملهم والاستمتاع بحياة المدينة، هو ما تسبب في تأجيج ذلك القدر من الغضب بعد قرار رفع تذكرة المترو، وتسبب في الإضرار بهم بشدة.

تشير أليشا أيضًا إلى تصريحات مسؤولي المترو، والتي دافعوا خلالها عن قرار رفع تعريفات الركوب في سانتياجو؛ نظرًا إلى ما تشهده منظومة المترو من تطوير مستمر، واتساع مجال المناطق التي يصل إليها. وتتكامل منظومة المترو مع منظومة الحافلات ليدفع السكان رسومًا بسيطة لمرة واحدة، ما يجعلها أفضل وسائل النقل كلما طالت المسافة.

لكن مدنًا أخرى مثل العاصمة الكولومبية بوجوتا تتبع نهجًا لإعادة توزيع الدخول؛ إذ تقدم أسعارًا مدعومة للرحلات التي تنطلق من مناطق منخفضة الدخل أو تصدر بطاقات سفر خاصة لأصحاب الدخل المنخفض، كما تشمل سياسات إعادة التوزيع الأخرى فرض ضرائب على قيمة الأراضي.

في حين أن مسارات مترو الأنفاق تنقل المستخدمين أصحاب الدخول المنخفضة إلى أماكن أعمالهم في وسط المدينة، تتراكم مكاسب كبرى لملاك الأراضي الذين ترتفع قيمة ممتلكاتهم عندما يربطهم المترو بالمزيد من السكان. على سبيل المثال، فإن تمديد خط مترو جوبيل في لندن أسهم في زيادة القيم التقريبية للأراضي بنحو 3.9 مليار دولار.

يكون الهدف من فرض ضرائب على الأراضي هو استعادة بعض من هذه المكاسب للحكومة، وهذا التوجه لا يحول دون تحقيق التقدم مثل الضرائب العقارية، التي تُفرض على الأرض والبناء المقام عليها. وفي الوقت الحالي، تخطط الحكومة لتوسيع المترو عبر أكثر مناطق سانتياجو ثراءً، فيتاكورا ولاس كونديس.

إن أحد خيارات حكومة تشيلي تتمثل في الاستعانة بنماذج تايوان وسنغافورة واليابان، حيث تُفرض ضرائب على الزيادات في قيمة الأراضي التي تخلقها الاستثمارات العابرة في المناطق التجارية الغنية، واستخدام ذلك لاحقًا لتمويل تمديد خطوط المترو ودعم أسعار تعريفة الركوب في المناطق الأكثر فقرًا.

تختتم أليشا مقالها بالإشارة إلى أن انعدام التكافؤ في تمويل المترو يُعد أحد مصادر الإحباط لدى المحتجين التشيليين، لكنه يعبر عن قلقهم الأكبر إزاء عدم المساواة والنظام الحكومي الذي يديم تلك الأزمة.

«جاكوبين»: سلفادور أليندي.. هذا ما كان يخشاه زعيم تشيلي قبل انقلاب أمريكا والعسكر

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».