كتبت دانا خريشة تحليلًا في وكالة بلومبرج الاقتصادية حول الأوضاع التي يواجهها لبنان مع تفاقم أزمته المالية، والتي أدت إلى احتجاجات استمرت نحو أسبوعين بسبب ارتفاع الأسعار وتدني مستوى المعيشة، في الوقت الذي تتجه فيه البنوك إلى بدء العمل ثانية بعد أن أغلقت طوال فترة الاحتجاجات. ويرى اقتصاديون أن لبنان يتعين عليه أن يفرض قيودًا على خروج رأس المال فيما يسعى المودعون إلى إخراج أموالهم من البلاد وهو الأمر الذي حدا بالمسؤولين إلى فرض سقف للسحب اليومي. 

البنوك التي أغلقت منذ الاحتجاجات تعود لتزويد ماكينات الصرف الآلي بالأموال. وعروض الحكومة فشلت في تهدئة آلاف الناس.

كتبت دانا أن الدعوات تتصاعد لحمل لبنان على فرض قيود رسمية على حركة الأموال للدفاع عن ربط عملة البلاد بالدولار، ومنع التكالب على سحب الأموال من البنوك عندما تفتح أبوابها يوم الجمعة بعد أسبوعين من الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد.

وأدت عمليات الإغلاق إلى تراكم الطلب على الدولار من المستوردين والشركات الأخرى، في حين تتزايد التكهنات حول التدابير التي سيتعين على البنوك اتخاذها لتجنب الانهيار المالي. وقالت «جمعية مصارف لبنان» أن عمليات المكتب الخلفي ستستأنف قبل يوم من التاريخ المذكور وأن ساعات العمل سيتم تمديدها بصفة مؤقتة لإنهاء المعاملات.  

في إشارة إلى انهيار الثقة، تلقت البنوك مكالمات من عملاء يطلبون تحويل أموالهم إلى الخارج، بينما يعمل آخرون بوتيرة محمومة لتحويل الأموال إلى حسابات سويسرية بمجرد أن تستأنف البنوك عملياتها، وفقًا لما ذكره مصرفيون محليون وأجانب.

فرض قيود على تحويل الأموال للخارج قد يكون هو الحل

وتشير وكالة بلومبرج إلى أنه مع اشتداد التوتر، يدق اقتصاديون محليون مؤثرون ناقوس الخطر، مطالبين بفرض قيود على تحويل الأموال خارج البلاد. وقال اثنان من كبار المسؤولين التنفيذيين في البنوك، اشترطا عدم تحديد هويتهما بسبب حساسية القضية: إن تدابير الطوارئ هي الخطوة المنطقية التالية نظرًا لعدم وجود حل سياسي للأزمة في الأفق.

أصبحت ضوابط رأس المال مرة أخرى هي السلاح المفضل للحكومات المتعثرة التي تحتاج إلى مساحة للتنفس، حيث قامت الأرجنتين بتشديد قيودها في وقت متأخر من يوم الأحد بعد فوز ألبرتو فرنانديز، وهو شخصية شعبوية ذات ميول يسارية في انتخابات الرئاسة. مثل هذه الخطوة- حتى لو كانت مؤقتة- ستشكل نقطة تحول للبنان لأنها من المحتمل أن تتسبب في رد فعل عكسي بين مستثمري الشتات، الذين يمثلون شريان الحياة المالي للبلاد، وفقًا لما تذكره دانا خريشة.

وقال محافظ البنك المركزي اللبناني رياض سلامة لرويترز يوم الاثنين إنه لن تكون هناك ضوابط على رأس المال. لكن يومًا من العنف يوم الثلاثاء، تلاه استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري، زاد من حالة انعدام اليقين بين المستثمرين.

وليس لدى لبنان، وهو أحد أكثر البلدان مديونية في العالم، سوى القليل من الخيارات القابلة للتطبيق. مئات الآلاف من اللبنانيين ظلوا في الشوارع لمدة أسبوعين، مطالبين باستقالة طبقة سياسية يقولون إنها نهبت أموال الدولة حتى أشرفت على الإفلاس بينما تركوا الجمهور يعاني من خدمات عامة متداعية وانقطاع يومي للتيار الكهربائي.

تفاقم الاتجاهات السلبية

تتفاقم الاتجاهات السلبية في السوق. وقفز العائد على السندات بالليرة اللبنانية المستحقة عام 2021  بنسبة 6.38 نقطة مئوية ليصل إلى 36.17 في المئة يوم الثلاثاء. واتسعت الفجوة بين العطاءات والعروض للسندات إلى أقصى حد منذ الأزمة المالية في عام 2008، مما يعكس انخفاض السيولة.

انخفاض السيولة

اقترح شربل قرداحي، الذي يقدم المشورة لأكبر كتلة مسيحية في البرلمان حول القضايا الاقتصادية، في تغريدة سلسلة من تدابير الطوارئ، بما في ذلك وضع قيود على عمليات نقل الأموال خارج لبنان بحيث لا تتجاوز 7500 دولار في الأسبوع وتقليص العائدات على شهادات الإيداع التي يحتفظ بها المقرضون في البنك المركزي وكذلك على سندات الخزينة إلى 4.5 في المئة.

وقال قرداحي وفقًا لما نقلته عنه بلومبرج «سيكون هذا ترتيبًا فنيًا فقط حتى يستقر الوضع ولا يجب أن يتجاوز ثلاثة أشهر».

للحفاظ على استقرار المقرضين والدفاع عن ربط الدولار، يعتمد لبنان على التدفقات من ملايين اللبنانيين المقيمين في الخارج. غير أن تدفقات رأس المال اللازمة لتمويل الحساب الجاري الضخم والعجز المالي تباطأت حيث تراجعت الثقة. وفي الوقت نفسه، زادت التدفقات إلى الخارج.

ليلة أمس، خفضت وكالة «فيتش» لتقييم الملاءة الائتمانية درجة مصرفين من أكبر المصارف اللبنانية، هما بنك عودة وبنك بيبلوس، إلى تصنيف  «CCC-» وهي رابع أقل مرتبة من حيث التصنيف ومستوى واحد أدنى من المستوى السيادي. تصنيف الدعم المزعوم لكلاهما هو «لا يوجد أرضية»، وهذا يعني أن فيتش تعتقد أن «قدرة الدولة على دعم» البنكين «لا يمكن الاعتماد عليها نظرًا للتصنيف السيادي المنخفض». وقالت فيتش «من وجهة نظرنا فإن استقرار الودائع أصبح الآن في خطر أكبر، حيث تضررت أيضًا ثقة المودعين».

نقص العملة وأساليب المواجهة

يشكو المستوردون منذ شهور من أن البنوك لم تعد تسمح لهم بتحويل ممتلكاتهم من الليرة اللبنانية إلى دولارات لدفع تكاليف الشحنات. بدلًا من ذلك، كانت الشركات تتجه على نحو متزايد إلى مكاتب الصرافة من أجل الحصول على العملات الصعبة، وتدفع أكثر من السعر الرسمي البالغ 1507 ليرة لبنانية مقابل الدولار.

التظاهرات تصل لبنان

خلال معظم هذا العام، فرضت بعض البنوك قيودًا غير رسمية على الدولارات التي سيقدمونها لحاملي الليرة اللبنانية، أو فرضوا رسومًا إضافية على عمليات السحب بالعملة الأجنبية أو التحويلات إلى خارج لبنان.

لم يطلب البنك المركزي هذه الإجراءات. يقول المصرفيون والاقتصاديون إن قرارًا بوضع حد أقصى رسمي للتحويلات والسحوبات – أو إجبار البنوك أو البنك المركزي على خصم نسبة من قيمة استثماراتهم في الدين الحكومي – يجب أن يأتي من الحكومة. بعض الخطوات قد تتطلب موافقة البرلمان.

وقال جهاد حكيم وهو خبير اقتصادي ومحاضر في الجامعات اللبنانية: «قد يشددون ضوابط رأس المال الموجودة بالفعل لتجنب التكالب على البنوك، والحفاظ على الودائع ومحاولة الحفاظ على استقرار العملة الوطنية».

من يوم إلى آخر

تقوم البنوك بتجديد مخزون أجهزة الصرف الآلي لتيسر للناس الوصول إلى رواتبهم وتلبية احتياجاتهم اليومية، لكنهم فرضوا حدًا يوميًا للسحب بقيمة مليون ليرة لبنانية (663 دولارا). وقال المصرفيون إن البنوك تساعد أيضًا المستوردين على الوفاء بخطاباتهم الائتمانية من خلال المكتب الخلفي لتجنب نقص المواد الغذائية أو اللوازم الأخرى.

وقال وزير الاقتصاد اللبناني السابق ناصر السعيدي إنه كان «خطأ في السياسة» أن تغلق البنوك في مواجهة الاحتجاجات. «هذا يخلق حالة من الذعر والتكالب على البنوك، حيث يخشى المودعون من عدم الوصول إلى ودائعهم، ومزيد من انخفاض قيمة الليرة اللبنانية، وفرض ضوابط رأس المال على التحويلات والمزيد من عمليات إغلاق المصارف».

حتى لا ننسى.. كيف ساهم البنك والنقد الدوليان في إفقار العراق ولبنان؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».