هل سيستعمر الإنسان الفضاء الخارجي؟ سؤال تبدو إجابته محسومة في ظل التطور المستمر في مجالات استكشاف الفضاء، والمنافسة الدولية الحادة على إطلاق سفن الفضاء والأقمار الصناعية إلى خارج الأرض، ولكن السؤال الأهم هو: هل سيحاول البشر استغلال الفضاء سلميًّا أم بالطريقة نفسها التي يتم بها الأمر على الأرض؟ تجيب عالمة الأحياء الفلكية مونيكا فيدوري، في مقالها المنشور على موقع «كوارتز»، قائلة إن استكشاف الفضاء سيكون آخر تعاون دولي سلمي حقيقي على الأرض.

وقالت الكاتبة، التي تعمل استشارية متخصصة في السياسات والأخلاقيات بمركز جودارد لرحلات الفضاء، التابع لوكالة ناسا الأمريكية، إنها تتفهم أن هذا الادعاء لا بد أن يستدعي بعض السخرية من القراء؛ نظرا إلى أن سباق الفضاء خلال الحرب الباردة كانت تهيمن عليه توترات عسكرية خطيرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

لكن بالنسبة لأولئك الذين يعملون في هذا المجال، يتطلب استكشاف الفضاء إدراك أنه لا يمكن لشخص، أو وكالة فضاء، أو دولة بمفردها تحديد مكاننا في الكون بشكل جازم. ونظرًا إلى أنه لا يمكن لأي جهة المطالبة بأي جزء من الكون لنفسها، فإن الفضاء الخارجي هو المكان المثالي لإثبات أنه يمكننا احترام حقوق الإنسان العالمية «حرفيًّا» لجميع شعوب الأرض.

وأضافت أنه نظرًا إلى هذه الفكرة، فإن مستوى التعاون الدولي يعد رائعًا، إذا أخذنا في الاعتبار مدى عدم استقرار مجال قانون الفضاء وسياسته، وخاصة إذا نظرنا إلى قانون الفضاء الدولي الهش الذي لا يكاد يكون له وجود.

وأشارت إلى أن تفاؤلها هذا يأتي مقترنًا بتحذير؛ فعندما يتعلق الأمر بصناعة ناشئة مثل استكشاف الفضاء، من المهم الاعتراف بالاستعمار والإمبريالية والاستغلال، ليس فقط بوصفها سلسلة من الأحداث التاريخية الكبرى، التي ما زالت البشرية تتعافى منها، ولكن كأشياء يمكن أن تُلهم قوانين المستقبل التي ستحدد مصيرنا في الفضاء. وتابعت قائلة: إن الاستعمار والاستغلال يحددان شكل مؤسساتنا الرئيسية، وهما متأصلان في المجتمع الغربي، وما يزالان موجودان في مجال العلم، وما لم نُجر تغييرات، فسيستمران في الفضاء الخارجي أيضًا.

الانتهاكات على الأرض.. حلال على الفضاء

وذكرت الكاتبة أن بلدانًا عديدة وقعت، عام 1998، معاهدة سارية المفعول، تسمى الاتفاق الحكومي الدولي للتعاون في مجال الفضاء. لكن منذ ذلك الوقت، لم يقدم أي عمل جوهري لتنفيذ بنية تحتية دولية لضمان معايير المساءلة والحماية الكوكبية والسلامة والأخلاقيات.

Embed from Getty Images

وأضافت أن استكشاف الفضاء سيصبح – مثل معظم الأحداث الكبرى الأخرى في تاريخ البشرية- أكثر عرضة للإمبريالية والاستعمار والأنانية التي ميزت ماضينا، إذا استمر دون رقابة من أي نوع من نظم المساءلة أو التعاون أو الشفافية. ولهذا السبب نرى أحداثًا في الفضاء من شبه المؤكد أنها كانت ستعد انتهاكات إذا نُفذت في نطاق الأرض.

وأشارت إلى أن أحد الأقمار الصناعية الصينية المُدمرة أطلق أطنانًا من الحطام الفضائي في الغلاف الجوي، وأعقب ذلك تدمير الهند لقمر صناعي تابع لها، ما جعل المزيد من القمامة تطفو في مدارنا الأرضي المنخفض، موضحة أن وكالات وشخصيات عامة عبرت عن استنكارها لهذه الأفعال المتهورة، لكن لم يجر فعل أي شيء على مستوى المساءلة الدولية. وهذا أمر صادم بشكل خاص عندما نأخذ في الاعتبار حقيقة أن حطامًا فضائيًّا بحجم بقعة واحدة من الطلاء يمكنه صنع فجوة في محطة الفضاء الدولية.

ولفتت إلى أن إطلاق شركة «سبيس إكس» لمجموعة «ستارلينك» (مجموعة مكونة من 12 ألف قمر صناعي تهدف لتوفير الإنترنت للعالم)، قوبل بغضب من مجتمع علم الفلك، إذ وجد علماء الفلك أن زيادة التلوث الضوئي تعوق عملهم. لكن مع عدم وجود معايير مكتوبة لضمان تعاون قطاع الفضاء الخاص مع العلم (باستثناء إبداء حسن نية)، لم يجر القيام بأي شيء لحماية عمل الباحثين.

ثم كانت هناك حالة «بيريشيت»، وهي مركبة قمرية إسرائيلية خاصة، تحطمت على سطح القمر، وانسكب من شحنتها بضعة آلاف من دب الماء (حيوان مجهري يعرف أيضًا باسم بطيء الخطو) في هذه العملية، مشيرة إلى أن هذه المهمة الخاصة كانت ممولة من مؤسسة «أرك ميشن» غير الربحية، وهي منظمة تهدف لإنشاء «نسخة احتياطية من كوكب الأرض».

وقد تمكنت بيريشيت من تخطي كل أنواع أطواق الحماية الكوكبية؛ لأنه لم تكن توجد قوانين لمنعها، ولم تكن هناك قواعد شفافية معمول بها، ويشير البعض إلى أن الشركة الخاصة التي تملك المركبة الفضائية، لم تكن على علم بالحيوانات الموجودة على متن المركبة.

وأوضحت أنه عندما أُلقيت الحيوانات الصغيرة في الغلاف الجوي، لم تكن هناك سبيل رسمي لاستعادتها، ولا توجد لوائح معمول بها لضمان تطهير المركبة الفضائية بشكل صحيح. ومرة أخرى، عبّر المجتمع الدولي عن القلق، لكن دون أي استجابة جيدة.

الأولوية للتقدم العلمي أم حقوق الإنسان؟

أشارت كاتبة المقال إلى اندلاع توترات في منطقة جبل مونا كيا بجزيرة هاواي، حول أولوية العلوم الدولية أم الحقوق الثقافية. إذ مُنح ممثلو شركة إدارة أحد التلسكوبات إذنًا من السلطات المحلية لاستخدام الجزيرة في أحد الأبحاث الحديثة المتعلقة بالنجوم بشرط دفع الإيجار، وتوظيف عدد معين من الناس من المجتمع المحلي للعمل في عمليات التلسكوب، وضمان منح الطلاب الأصليين فرص التعلم والتدريب.

Embed from Getty Images

ولسوء الحظ، أنشأت الشركة تلسكوبًا إضافيًّا على موقع مقدس، يُعد محظورًا بموجب القانون المحلي، وعندما احتج السكان المحليون، ووجهوا بمقاومة من الشرطة والمسؤولين العسكريين. واعتبرت أن الرسالة التي جرى توصيلها هنا هو أن التقدم العلمي أكثر أهمية ومحمي بشكل أكبر من حقوق الإنسان، خاصة عندما يكون هؤلاء البشر جزءًا من مجتمع مهمش. وأوضحت أن هذا الحادث أثار نقاشًا مهمًّا داخل المجتمع العلمي، ولكن حتى الآن لا توجد علامة على إصلاح هذه السياسة.

مستعمرات الفضاء الجديدة

ترى مونيكا أنه مع تقدم عملية استكشاف الفضاء، ستصبح هذه المعضلات الأخلاقية أكثر تعقيدًا وأهمية. ومع ذلك فما يزال الفضاء هادئًا، إذ ما تزال الولايات المتحدة تطلق رواد الفضاء من الأراضي الروسية، وتستخدم تكنولوجيات صينية وإيرانية، وتتشارك مع اليابان، وأستراليا، وكندا والعديد من الدول الأوروبية، وتتقاسم المساعي العلمية مع أمريكا اللاتينية، وغير ذلك. ورجحت أن هذا الأمر يرجع إلى أنه لا أحد يريد فعلًا أن يقع الفضاء في يد أيديولوجية واحدة، أو طريقة واحدة للحكم، أو قيادة واحدة.

وتساءلت عما إذا يمكن لهذا الأمر أن يستمر، مضيفة أنه في المشهد الحالي الذي يتسم بالقواعد غير الملزمة، والتقدم التقني، والعادات التي عفا عليها الزمن، أصبح الصمت حافزًا مسببًا للقلق حول ما هو أكثر من هذه الأعمال المستقلة المحفوفة بالمخاطر، التي تحدث في الفضاء الخارجي.

وأضافت أنه من المهم أيضًا أن نتذكر، أنه على الرغم من اعتبار مكتب حماية الكواكب التابع لوكالة ناسا أن خطورة تلوث القمر منخفضة، فإنه في الواقع قد تلوث، وفقًا لفهمنا وتكنولوجياتنا المحدودة. وتابعت: «ببساطة، نحن لا نعرف ما لا نعرفه، ولكن يمكننا وضع إجراءات للتأكد من ألا تحدث لنا مفاجأة كبيرة على حين غرة».

مخاطر الاندفاع إلى الفضاء دون قواعد أخلاقية

أوضحت كاتبة المقال أن هذا لا يعني بأي حال القول إن استكشاف الفضاء يجب أن يتوقف، مؤكدة تقديرها لسرعة ودقة الابتكارات التي يقدمها القطاع الخاص، موضحة أنها تفضل في الغالب متابعة هؤلاء الأشخاص ومشروعاتهم.

Embed from Getty Images

إلا أنها أشارت إلى أننا نحتاج إلى قواعد وأنظمة لتحقيق العدالة، متسائلة كيف يمكننا تحقيق ذلك ونحن لم ننجح أبدًا في حل تلك القضايا على كوكبنا؟ ففي اللحظة التي ننطلق فيها إلى الفضاء، لا نترك ميولنا البشرية وأيديولوجياتنا على الأرض. 

وأضافت أن استمرار استكشاف الفضاء دون تفكيك الأنظمة القمعية المؤسسية على الأرض، ودون إدراك أن أي جهد في الفضاء يجب أن يجري حسابه وتأمينه بشكل صحيح، من خلال إجراءات مُحدثة للسلامة والحماية، يعد أمرًا خاطئًا من الناحية الأخلاقية.

وذكرت أن هذه النظم تتجاهل حقوق العديد من المجتمعات في الوصول إلى الفضاء، لاسيما المجتمعات غير الغنية، أو التي لا تشترك في النظام الاقتصادي نفسه، مضيفة إذا لم نجر أي تغييرات، فسوف نستمر في تسهيل عمل هذه المؤسسات الضارة التي ازدهرت على الأرض طوال تاريخ البشرية، إذ تذهب الغنائم للأغنى والأسرع.

وأكدت الكاتبة أن لدينا القدرات والموارد اللازمة لتحديث بروتوكولات السلامة، التي ستتجنب الأخطاء التي يمكن الوقاية منها، مضيفة أن التحرك بتهور وعجلة إلى الفضاء دون وجود إطار عمل لتعاون دولي للتحضير لهذه الأشياء المجهولة الضخمة هو أمر غير مسؤول.

واختتمت مقالها بالقول إن لدينا فرصة، ربما لأول مرة في التاريخ، للبدء في التراجع عن ماضينا القبيح والتأكد من أن الفضاء متاح للجميع. وإذا أردنا إنشاء بيئة فضائية مستدامة وتتسم حقًا بالمسئولية، فيجب علينا ضمان أن تكون جهودنا شفافة وأخلاقية وشاملة، وأن نفهم تمامًا ميولنا التاريخية كدول ثرية لها صلة بالرأسمالية.

«ناسا» بحاجة إلى رواد فضاء.. هل يمكن أن تصبح يومًا رائد فضاء؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».