كتاب غامض؛ تعود كتابته إلى القرن الثالث عشر، يحتاج إلى أكثر من رجلين لحمله، حروفه اللاتينية مكتوبة على جلود الماعز والحمير، يحمل بداخله صورة كبيرة مرسومة باليد للشيطان مكشرًا عن أنيابه، من كتب هذا الكتاب؟ ولماذا كُتب من الأساس؟

ظل هذا السؤال لغزًا لعقود، ما أثار حوله الكثير من الغموض التي فسرت بالأساطير الغريبة، التي وصفته بالكتاب الملعون. فما قصة هذا الكتاب الذي أطلق عليه «إنجيل الشيطان»؟ هذا ما نخبركم به في هذا التقرير.

راهب معذب وأساطير غامضة

تقول الأسطورة إن راهبًا بوهيميًّا  في القرن الثالث عشر ارتكب جرمًا شنيعًا استحق عليه أقسى العقاب، ولأن كتابة الإنجيل باليد كانت من وسائل التكفير في ذاك الوقت؛ فقد حكم على هذا الراهب بكتابة الإنجيل كله في ليلة واحدة، وأغلقوا عليه الأبواب في قبو الدير.

في الصباح استيقظوا على المفاجأة، وقد كتب الراهب واحدًا من أكبر الكتب في العصور الوسطى، متضمنًا العهدين القديم والجديد، بالإضافة إلى تعاويذ لطرد الأرواح الشريرة، وفي وسط الكتاب صورة كبيرة ومخيفة للشيطان.

تلك الصورة، والسرعة في كتابة الإنجيل زرعت الشك بأن الراهب قد باع روحه للشيطان حتى يساعده على كتابة الإنجيل، وأصبح اسمه «إنجيل الشيطان»؛ وهذا وفق ما ذكر من شائعات حول هذا الكتاب.

راهب واحد.. كتاب واحد 

المعلومة الصحيحة في تلك الأسطورة التي أثيرت حول هذا الكتاب الغامض، والذي يُعرض الآن في المكتبة الوطنية السويدية؛ هي حقيقة كتابته على يد راهب واحد فقط، كما أكد خبير المخطوطات الأثرية مايكل جوليك، والذي أتيحت له فرصة دراسة هذا الكتاب، موضحًا في فيلم تسجيلي عن الكتاب بعنوان «Devils Bible» أن دراسته الدقيقة للخط المكتوب به الكتاب تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن هذا خط رجل واحد.

شاهد مقطعًا مصورًا للكتاب هنا:

ولكن ما ترويه باقي الأسطورة عن الكتاب ليس حقيقيًّا؛ فهو لم يكتب في ليلة واحدة، وبعد فحص الكتاب ومحاولة تطبيق كتابته مرة أخرى على أرض الواقع، قدر جوليك الوقت الذي احتاجه الراهب لإنهاء هذا الكتاب بما يزيد عن 20 عامًا.

صورة مظلمة للشيطان 

ما يميز هذا الكتاب وجعله عرضة للكثير من التفسيرات الغريبة، هي الرسم الكبير للشيطان الذي يتوسط الكتاب، وما لفت أنظار الباحثين في أثناء دراسته، أن صفحات الكتاب فاتحة اللون والتغيرات التي طالتها بفعل الزمن مشابهة بعضها لبعض، فيما عدا صورة الشيطان. فهي تظهر أكثر ظلمة والتغيرات الواضحة على صفحة الشيطان تختلف عن باقي صفحات الكتاب، ما أضفى غموضًا على الكتاب لعقود طويلة، ولكن فريق البحث جاء بتفسير لهذا الأمر.

ووضح كريستوفر ديهامل خبير مخطوطات العصور الوسطى البريطاني، أن صناعة الكتب في القرن الثالث عشر في أوروبا اعتمدت على جلود الماشية من ماعز وحمير، بما فيهم «إنجيل الشيطان»، الذي صنع من الجلود نفسها.

وتلك الجلود تتأثر سلبًا بالتعرض للضوء المباشر لفترات طويلة ويغمق لونها، ولأن صورة الشيطان في هذا الكتاب هي الأبرز والأكثر جدلًا ودائمًا ما يعرض الكتاب وهي تتصدره؛ فعامل الوقت منح تلك الصفحة لونًا أغمق من باقي صفحات الكتاب.

حكمة أم لعنة؟

صورة الشيطان، ومطاردة بعض الحوادث للأماكن التي حفظ فيها الكتاب قديمًا؛ أثارت جدل البعض حوله ووصفوه بالكتاب الملعون، خاصة وأن تجسيد الشيطان في العصور الوسطى، كان تجسيدًا فوق الجحيم ممثلًا له. ولكن في «إنجيل الشيطان» يظهر وحده في الرسم ناظرًا إلى القارئ، ويبدو وكأنه محبوس خلف قضبان، الأمر الذي عزز لدى البعض نظرية بيع روح الراهب السجين للشيطان.

ولكن فيما بعد اتضح من دراسة الكتاب دراسة موضوعية بعيدة عن الأساطير؛ أن الصورة المقابلة لصورة الشيطان هي تجسيد للجنة أو مملكة النعيم، وفسر جوليك هذا الأمر بأنه يهدف إلى حكمة، عن طريق إظهار النقيضين. أو تجسيد الحرب الدائرة على الأرض منذ الأزل بين الخير والشر، وكأن الراهب يعرض الشيطان في صفحة، والجنة في صفحة، أمام أعين قارئ الإنجيل؛ حتى يختار لنفسه طريقًا للحياة، ولم يكن مقصودًا – وفقًا لجوليك- أن يكون رسم الشيطان بهذا الشكل تقديسًا له.

أما عن الراهب صاحب هذا الإنجيل الغامض، فما توصل له فريق البحث؛ أنه راهب يُدعى هيرمان المتوحد أو المنعزل، وهذا هو الاسم الوحيد المذكور على صفحات الإنجيل، تلك النظرية التي يراها جوليك الأقرب للصواب، نظرًا إلى أن هذا الكتاب يحتاج إلى وقت وجهد طويل من شخص انعزل عن الحياة بالفعل لهذا الهدف.

ويمكن القول بأن «إنجيل الشيطان»، الكتاب الذي وصف بالملعون، والغامض، لم يكن سوى مشروع تأملي ديني لراهب متوحد في بوهيميا، أراد أن يرسل رسالة عن الخير والشر للعالم، ولكن أساء البشر فهمه، لعقود طويلة.

كان وسيمًا ورمزًا للنور.. كيف أصبح للشيطان قرنان وذيل؟