بينما  كان الشارع الجزائري يعيش تحت زخم حراكٍ شعبيٍ غير مسبوق بدايةً من 22 فبراير (شباط) الماضي؛ أنهى ذلك الحراك استقالة الجزائريين عن ممارسة السياسة والتحدث في تفاصيلها. وفي الوقت الذي كان فيه بوتفليقة يستعدّ لوضع استقالته تحت ضغط الحراك الشعبي والمؤسسة العسكرية الرافضين لاستمراره رئيسًا للبلاد، بدأت أوساطٌ من داخل النظام السابق تتحدث عن تغييرٍ النظام تجاوبًا مع مطالب الحراك.

في الوقت الذي كانت المدرسة الوطنية للإدارة – مصنع النظام الذي لا ينضب من الإطارات والوزراء المستقبلين – تستعدّ لاستقبال دفعةٍ جديدة من طلبتها، وتخرّج في الوقت ذاته دفعة أخرى قد تحمل مستقبلًا ملامح النظام الجديد الذي تحدّث بوتفليقة عنه قبل تستقالته، خصوصًا أنّ المدرسة خرّجت على مدار دفعاتها 48 ألفًا من الإطارات والوزراء، كما أنّ أغلب شخصيات النظام السابق المتواجدة حاليًا في السجون بتهم الفساد كانت يومًا تجلس على مقاعد تلك المدرسة. 

في هذا التقرير نسلط الضوء على «المدرسة الوطنية للإدارة» المصنع الذي يحتضن صنّاع القرار في الجزائر. 

هل يصبح عبد المجيد تبون مرشح الجيش في الانتخابات الرئاسية الجزائرية؟

المدرسة الوطنية للإدارة.. من ملء الفراغ الإداري إلى السيطرة على القرار الجزائري

عاشت الجزائر بُعيد استقلالها عن فرنسا فراغًا إداريًا رهيبًا؛ بحكم غياب الكفاءات والإطارات المتعلمة بسبب انشغال الجزائريين في محاربة الاستعمار والمقاومة من أجل نيل الاستقلال، ولملء هذا الفراغ أصدر الرئيس الجزائري الراحل أحمد بن بلّة مرسومًا رئاسيًا يقضي بإنشاء مدرسةٍ لإعداد الطلبة وتكوينهم تكوينًا مهنيًا يناسب احتياجات الإدارة والدولة الجزائرية وتكون تحت وصاية وزارة الداخلية والجماعات المحلية، محاكاةً للمدرسة الفرنسية للإدارة التي كانت في  ذلك الوقت إحدى أشهر المدارس المتخصصة في الإدارة.

وفي الثامن من يونيو (حزيران) 1964 تمّ إنشاء المدرسة رسميًا تحت مسمى «المدرسة الوطنية للإدارة» قبل أن يعاد تسميتها سنة 2010 باسم أحمد مولاي مدغري أوّل وزيرًا للداخلية في تاريخ الجزائر، والذي يلقب بأبي الإدارة الجزائرية. 

وتعرّف المدرسة الوطنية للإدارة نفسها على أنّها مؤسسة عمومية ذات طابع إداري، تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، وتوضع تحت وصاية وزير الداخلية والجماعات المحلية، يقع مقرّها بالجزائر العاصمة، ويحقّ لكلّ جزائري حاصل على شهادة الليسانس في الحقوق، أو إحدى تخصصات العلوم الاقتصادية والتجارية والسياسية أن يسجّل في المسابقة التي  تنظمها المدرسة كلّ سنة شريطة أن يكون بالغًا من العمر 28 سنة.  

المدرسة الوطنية للإدارة

المدرسة الوطنية للإدارة

وطيلة 55 سنة التحق بالمدرسة أكثر من 7 آلاف طالب، تخرّج أغلبهم كإطاراتٍ سامية تقلدت أسمى المناصب الحكومية وصارت صانعة القرار الجزائري السياسي والإقتصادي وحتى الدبلوماسي؛ ورغم وجود أزيد من 100 مؤسسة جامعية في الجزائر تدرّس بين ثنايا مدرجاتها علوم الإدارة والسياسة والاقتصاد، ويتخرّج من فصولها آلاف الطلبة الجزائريين بمعدلات ممتازة، إلّا أن المدرسة الوطنية لا تزال تحتكر الإدارة والمناصب السامية في الدولة. 

المتخرّج من المدرسة الوطنية للإدارة بصفة متصرفٍ إداري سيكون عليه الانتظار 10 سنواتٍ فقط  يقضيها الترقيات ليصل إلى بوابة صنع القرار، فمن متصرفٍ إداري يُرقى خريج المدرسة إلى منصب رئيس دائرة، ثمّ أمين عام ولاية  فوالي ولاية، ثم وزيرًا أو سفيرًا في الخارج. 

بينما يكون طريق طلاب الجامعات الآخرى المتخصصين في الإدارة الوصول إلى المناصب السامية؛ الفساد ودفع الرشى أو التكوين الذاتي عبر الانخراط في  العمليات السياسية التي تكون في الغالب الانتخابات البرلمانية. 

وخلّف قرار السلطات الجزائرية بغلق تخصص العلوم السياسية من الجامعات الجزائرية جدلًا كبيرًا، في وقتٍ ربط بعض طلبة التخصص القرار بمحاولة الحكومة الجزائرية قتل التخصص والتحكم فيه، وتجدر الإشارة إلى أنّ تخصص العلوم السياسية هو أحد الميادين التي يسجّل به للالتحاق  بالمدرسة الوطنية للإدارة، للتخرّج منها دبلوماسيًا. 

تجدر الإشارة أيضًا إلى أنّ المدرسة الوطنية الفرنسية للإدارة هي الأخرى تسهم في تخريج الإطارات الجزائرية السامية، وذلك من خلال مساهمتها في تخريج أكثر من 95 إطارًا من كبار المسؤولين الجزائريين والآلاف من بعدهم في أطوار الإدارة المتخصصة.

المدرسة الوطنية للإدارة لمن استطاع إليها سبيلًا

يلتحق أكثر من 120 طالبًا جزائريًا وبعض الطلبة الأجانب بالمدرسة الوطنية للإدارة في كلّ سنة من خلال مسابقةٍ سنويةٍ تجريها المدرسة كلّ صيف. يواصل الناجح في المسابقة دراسته بالمدرسة لمدّة أربع سنوات يتخرج في ختامها متصرفًا إداريًا، تمّ يرقى تدريجيًا حتى يصبح أحد صناع القرار في البلاد. 

من خلال هذا المسار صارت المدرسة أحد أكثر المعاهد التي تسيل لعاب الطلبة الجزائرية بحكم وضوح مسارها وضمان المستقبل من خلالها، وهي الأمور التي دفعت بالكثيرين إلى استعمال كل الوسائل، ودقّ كل الأبواب للدراسة بها، وصعبّت الطريق كثيرًا لأبناء الطبقة البسيطة من الشعب في الوصول إليها. 

ورغم تأكيد مدير المدرسة عبد الحق سايحي أنّ أكثر من 92% من طلبة المدرسة على مدار تاريخها كانوا من أبناء الشعب، إلّا أنّ آراء الطلبة والجزائريين في كيفية الوصول إلى التسجيل بالمدرسة يشير إلى حصول تجاوزاتٍ كبيرة، جعلت من الدراسة بالمدرسة حلمًا يصعب تحقيقه للكثير من الجزائريين. 

أحد خريجي المدرسة تحدث إلى «ساسة بوست» عن الخروقات التي ترافق عمليات التسجيل في المدرسة؛ والتي وصفها بـ«الاحتكارية» على أبناء المسؤولين الساميين ومعارفهم، وأنّ حظ الطالب المنتمي إلى عائلة بسيطة ضئيلٌ جدًا في النجاح في المسابقة.

وأضاف محدثنا الذي فضّل إخفاء هويته بحكم تقلّده أحد المناصب السامية في الدولة، عن الخروقات التي رافقت «دفعة سنة 2009» والتي سميت على اسم المناضل «أبو بكر بلقايد»؛ بالقول إنّ تلك الدفعة التي كان أحد خريجيها شهدت توسط عشرات المسؤولين في الدولة لفائدة أقربائهم ومعارفهم، مبرزًا أن أكثر من نصف قائمة الناجحين كانت معدّة قبل إجراء المسابقة، وأنّ غالبية أبناء الشعب الناجحين في المسابقة الكتابية جرى إقصاؤهم في المقابلات الشفهية. 

وأضاف ذات المصدر أنّ من بين معظم الذين يدخلون المدرسة استعملوا وساطاتهم في ذلك، وهو ما يبرز في نتائج ومستوى الطلبة في  المدرسة.

وكان وزير الداخلية الجزائري صلاح الدين حمدون – أحد خريجي المدرسة – قد  أثنى خلال إشرافه على تخرّج آخر دفعة من المدرسة في أواخر شهر يونيو الماضي على المدرسة الوطنية للإدارة وما قدمته للجزائر من إطارات، منذ الاستقلال مؤكدًا أن المدرسة مفتوحة لكلّ أبناء الشعب الجزائري في كافة الولايات. 

خريجو المدرسة الوطنية للإدارة.. يتحكمون في مصير الجزائر

اختير اسم الأمير عبد القادر – مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة – ليطلق على أوّل دفعةٍ تخرّجت من المدرسة في الموسم 1964-1968، وذلك للتأكيد على البعد الوطني للمدرسة، وهي الدفعة التي تكونت من 37 طالبًا تحوّلوا بعد تخرجهم من المدرسة إلى إطاراتٍ سامية في الدولة، ولعلّ أبرز خريجي تلك الدفعة، الوزير السابق شريف رحماني الاسم المطروح للترشّح باسم التجمع الوطني الديمقراطي للرئاسيات القادمة. 

وأتت الدفعة الثانية التي حملت اسم الشهيد الجزائري والمناضل محمد العربي بن المهيدي والتي خرّجت هي الأخرى 37 إطارًا استثنائيةً؛ بحكم تواجد عدّة أسماء رسمت مشهد الجزائر السياسي والإداري في عهد حكم الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة، ومن أبرزهم الوزير الأول الأسبق والمرشّح الحالي للرئاسة عبد المجيد تبون، وعبد الرحمن بلعياط القيادي في الحزب الحاكم، إضافةً إلى عدّة وزراء آخرين. بينما تكونت أغلب طلبة الدفعات الثالثة حتى الدفعة الثانية والعشرين من أعضاء اللجنة المركزية لحزب «جبهة التحرير الوطني» ووزراء في الحكومات الجزائرية المتعاقبة.

الوزير الأوّل سلال أبرز إطارات المدرسة الوطنية للإدارة

الوزير الأوّل سلال أبرز إطارات المدرسة الوطنية للإدارة

واستطاع «ساسة بوست» أن يحصي أسماء أكثر من 50 خريجًا  من المدرسة الوطنية للإدارة تحولوا في ما بعد إلى وزراء في 20 حكومة جزائرية متعاقبة؛ تقلّد بعضها حقائب وزارية سيادية في وقتٍ تداولت ستة أسماء درست في  المدرسة على رئاسة الحكومة الجزائرية. أبرزهم كلُ من أحمد أويحي وعبد المجيد تبون وعبد المالك سلال، ومؤخرًا الوزير الأول الحالي نور الدين بدوي. جديرٌ بالذكر أنّ أغلب الولاة الحاليين (المحافظين) على الولايات الجزائرية والمشرفين على الدوائر الجزائرية هم أيضًا من خريجي المدرسة الوطنية للإدارة. 

إطارات المدرسة أبرز المتهمين بالفساد في عهد بوتفليقة

يقبع في السجون الجزائرية حاليًا، المئات من المسؤولين والإطارات الجزائرية التي تخرّجت في سنةٍ ما من المدرسة الوطنية للإدارة، وذلك في أعقاب الحملة التي تشنها العدالة الجزائرية على الفساد الذي انتشر بقوة في الآونة الأخيرة، وهو المشهد الذي بلقي بظلاله على حاضر الجزائريين. 

عبد المالك سلال وأحمد أويحي وملزي عبد الحميد وعبد القادر زوخ وآخرين، إطارات بالمدرسة الوطنية للإدارة صنعت الجدل في الأشهر الماضية، على خلفية صدور قرارات باعتقالها من طرف العدالة الجزائرية لتورطها في فضائح الفساد التي رافقت فترة حكم الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة.

أويحي وملزي إطارات المدرسة المتهمين بالفساد

أويحي وملزي إطارات المدرسة المتهمين بالفساد

وبعد تحري واستقصاء «ساسة بوست» للأسماء التي دخلت المدرسة والأسماء التي تتابع قضائيًَا اليوم، وجدنا  أكثر من 45 إطارًا من خرجي المدرسة متابعين بقضايا فساد، يتواجد نصفهم في السجن الاحتياطي من المرجح أن تترتفع الأرقام أكثر في حالة فتح قضايا ضد الولاة وفتح قضيتي «سونطراك» والخليفة. 

لكن على الجانب الآخر وزير العدل الحالي بلقاسم زغماتي أحد الإطارات المتخرّجة من المدرسة الوطنية للإدارة هو قائد الحملة ضد الفساد؛ والمتورط فيها بعض من زملائه في المدرسة.

«سجن العقرب الجزائري».. سجن الحراش من مُعتَقلٍ للثوار إلى نُزل رجال النظام