تخيل أن تستيقظ ولا تجد حولك سوى الرمادي الباهت، وأنك تعيش في عالم خال من الألوان، لا الزمرد الأخضر، ولا حتى أزرق ولا أحمر؛ هذا أمر يصعب تخيله بعد أن عاش البشر قرونًا بين الألوان الطبيعة المبهجة؛ تلك الألوان التي لم يكتف الإنسان بمشاهدتها في الطبيعة وأراد أن يمتلكها في منزله، وملابسه وكل مقتنياته الشخصية، ولكل شخص لون مفضل يريد أن يجده متوافرًا في المنتجات التي يستخدمها؛ قداحة حمراء، رداء أخضر، أريكة زرقاء وغيرها من الألوان الرائعة.

انتشرت الألوان الاصطناعية في العالم وكثرت الألوان وأصبحت أكثر بهجة ولكن في المقابل كان لها خطورة تهدد حياة الإنسان، وفي هذا التقرير نحكي لكم قصة ألوان مبهجة للغاية كادت أن تتسبب في مقتلنا عبر التاريخ.

سر اللون الأزرق.. كيف تطور وعي الإنسان به وكيف أثر على الفن؟

الرصاصي الأبيض.. سر «مغص الرسامين»

الكثير من اللوحات الأوروبية التي تعد بمثابة تراث عالمي الآن؛ تدين بالفضل لواحد من أهم الألوان التي لم تخل منها «بالتة» فنان منذ ما يقرب من 2500 عام؛ وهو اللون الرصاصي الأبيض والذي يعد من الألوان الأوائل التي شرع البشر في تصنيعها.

في ذاك الوقت اكتشف الأوروبيون طريقة لصناعة هذا اللون الذي يمنح الرسامين القدرة على مزجه والحصول على تدريجات مختلفة من الألوان؛ فأهمية هذا اللون لم تكمن في لونه المجرد، ولكن في الاحتمالات اللانهائية التي تنتج عن دمجه بالألوان الأخرى، وقدرته على منح أبعاد وعمق للوحة الفنية بالإضافة إلى استخدامه في الكتابة. وتلك الطريقة كانت تعتمد على مزج مادة الرصاص بالخل المركز وتجفيفه للحصول على بودرة اللون التي تصنع فيما بعد وفقًا للاستخدام المطلوب، وتلك الوصفة ذُكرت في كتابات المؤلف الروماني بليني.

وعُرف عن الحضارة الرومانية قدرتها على تصنيع هذا اللون من بين ألوان أخرى، وهذا لأن تصنيع وبيع الألوان كان من أهم ركائز التجارة لدى الإمبراطورية الرومانية، وفي الحفريات التي اكتشفت مؤخرًا في مدينة بومباي؛ وجد علماء الآثار بقايا علب ألوان كاملة كانت في واحد من المحلات التجارية؛ جاهزة للبيع منذ ذاك الوقت وقبل أن يغرق بركان فيزوف المدينة بأكملها بحممه.

لوحة الخلق لمايكل أنجلو

على الرغم مما قدمه هذا اللون من إنجازات لدى البشر سواء في الأعمال الفنية لدى الأوروبيين على سبيل المثال، أو في مستحضرات التجميل في الحضارة المصرية القديمة والرومانية أيضًا؛ فقد كان له أضرار تهدد حياة من يستخدمه، وهذا بعد أن اكتشف البشر أن تصنيع اللون الرصاصي الأبيض بتلك الطريقة يترك بين طياته موادًا سامة يمكن أن تصل للإنسان عن طريق الشم واللمس أو التذوق عن طريق الخطأ وتسبب له ما يُعرف باسم «تسمم الرصاص» أو «مغص الرسامين»، وأعراض المرض تتجسد في الصداع، وآلام البطن والمفاصل وتشنج العضلات، وفقدان الوزن، بالإضافة إلى ارتفاع ضغط الدم، وإذا أصيب الأطفال بهذا التسمم قد يعانون من تأخر في النمو.

في الواقع، اللوحات القديمة التي تراها لرسامين عالميين من الماضي مثل جويا ومايكل أنجلو؛ وصلت إليك بعد ساعات من العمل والألم الجسدي الذي اختبره هؤلاء الفنانين بسبب استخدامهم اللون الرصاصي الأبيض. 

في العام 1713 لاحظ الطبيب الإيطالي برناردينوس رامازيني مجموعة من الأعراض الجسدية الغامضة التي تنتاب الرسامين فقط، وذكر في مؤلفاته وصفًا لتلك الأعراض قائلًا: «العديد من الرسامين الذين أعرفهم، لا يتمتعون بصحة جيدة، وإذا نظرنا جيدًا إلى لونهم الشاحب وتقلباتهم المزاجية الخطيرة؛ فلا يجب أن نتجاهل الطبيعة السامة الخطيرة للأصباغ التي يعملون بها».

ظل اللون الرصاصي الأبيض هو اللون الأكثر استخدامًا لدى الرسامين حتى نهاية القرن التاسع عشر، عندما وجدت بدائل لهذا اللون الذي كاد أن يقتل مستخدميه، ولكن تلك البدائل لم تكن مماثلة لهذا اللون المميز، ولذلك البعض يستخدم هذا اللون حتى الآن ولكن مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة لسلامته.

الرصاص الأحمر.. «بورتريهات» الفيوم

أثناء انتشار اللون الرصاصي الأبيض في أنحاء أوروبا، بالصدفة البحتة سقط هذا اللون في النار؛ فمنح البشر لونًا جديدًا وهو الرصاصي الأحمر.

 

يعرف هذا اللون أيضًا باسم «مينيوم»، وكان لمصر القديمة الريادة في استخدام هذا اللون في «بورتريهات» الفيوم الجنائزية والتي وصفت يكونها أقدم لوحات تصوير الوجه البشري لما قدمته من ريادة في تصوير الوجه من الأمام وليس الـ«بروفايل» كما اعتاد الفنان المصري القديم، ما جعل لها مدرسة خاصة خرجت عن المألوف والمعروف في الفن المصري القديم.

وعثر على تلك اللوحات بمحافظة الفيوم في مصر، بجوار مومياوات تعود إلى العصور الرومانية، وتجسد بعض الأشخاص الذين عاشوا منذ أكثر من 2000 عام، وتميزت الوجوه بين المصري والروماني، واختلفت الملابس وتسريحات الشعر لتظهر التنوع الثقافي الذي حظيت به تلك المنطقة قديمًا.

شاهد مجموعة من «بورتريهات» الفيوم الجنائزية

اللون الرصاصي الأحمر من أكثر المعالم المميزة لتلك اللوحات، ولكنه أيضًا كان يشكل نفس الخطر الذي سببه اللون الرصاصي الأبيض وهو مرض تسمم الرصاص.

الأصفر النابولي.. جريمة مشتركة

استخدام الألوان المصنوعة بالرصاص مثل الرصاص الأحمر والأبيض؛ قادرين على قتل الإنسان بعد فترة من استخدامه وكأنه يموت بالبطيء، ولكن حينما تضع مع الرصاص العنصر الكيميائي الأنتيمون تحصل على اللون الأصفر النابولي؛ ولكنك أيضًا تحصل على جريمة مشتركة بين العنصرين.

الأنتيمون هو معدن فضي لامع، ويندرج تحت بند أشباه الفلزات في الجدول الدوري لترتيب العناصر الكيميائية، ويتميز هذا المعدن وأشكاله المركبة بالسمية الشديدة، ولذلك التعامل مع هذا اللون كان يعرض صاحبه للقيء الشديد والإسهال ونزيف الدماء وتهيج الأمعاء، بالإضافة إلى احتباس البول والتشويش وعدم التركيز وأحيانًا الهلوسة، أضِف إلى تلك الأعراض تسمم الرصاص المذكور من قبل؛ لتدرك مدى خطورة استخدام هذا اللون قديمًا.

يتجلى اللون الأصفر النابولي في اللوحة السابقة للرسام الإيطالي سلفادور دالي والتي رسمها في العام 1945 تحت عنوان «الصلب»، في ذاك الوقت كانت بدائل اللون الأصفر النابولي الآمنة ظهرت في أوروبا ولم يعد هناك تعامل مباشر بين الفنانين وهذا اللون القاتل.

الزمرد الأخضر.. سفاح الجمال 

في العام 1814 طوّرت ألمانيا لونًا اصطناعيًا جديدًا من درجات اللون الأخضر، وكان اللون مشرقًا ولافتًا للأنظار ناشرًا للبهجة وأطلق على هذا اللون الزمرد الأخضر نظرًا لسطوعه الشديد، وقد أعجبت النساء في أوروبا بهذا اللون خاصة إنجلترا خلال العصر الفيكتوري، حتى أشيع قول إنجليزي يصف مدى هوس إنجلترا في ذاك الوقت بالزمرد الأخضر بأن «إنجلترا تستحم بـ(الزمرد الأخضر)». ومن بعد انتشار اللون بين ملابس النساء وإكسسواراتهن؛ شق الزمرد الأخضر طريقه إلى الجدران والسجاجيد وديكورات المنزل.

ولكن هذا اللون المميز كانت له طريقة خطيرة جدًا وشديدة السمية في تحضيره لأنه كان يمزج بالزرنيخ، والذي وضحنا فيما سبق خطورة التعرض للتسمم الناتج عنه، وتأثيره السلبي على صحة البشر، ولذلك في هذا العصر الفيكتوري وجدت المرأة التي اقتنت العديد من الملابس الخضراء؛ شعرها يتساقط، وجلدها تهاجمه القروح والجلطات، وإن استمر الأمر دون علاج قد يؤدي إلى فشل وظائف الكبد والوفاة، وهذا ما تعرض له بالفعل الكثير من الأطفال الذين تواجدوا في حضانات مدهونة بهذا اللون، ليكون اللون الأخضر المحبب للنفس والذي نرمز به للسلام الآن، هو واحد من أهم السفاحين في العصر الفيكتوري.