في مطلع ثلاثينيات القرن العشرين، وتحديدًا الفترة التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانية، شرع الجيش الإمبراطوري الياباني في السيطرة على آسيا، وسعى لتوفير الرفاهية إلى جنوده، فأسس منازل مخصصة للخدمات الجنسية لجنوده، وأطلق عليها «محطات الراحة».

التقرير التالي يحكي قصة «محطات الراحة»، وما ارتكبه الجيش الياباني من فظائع في ثلاثينيات القرن الماضي.

الجيش الياباني.. حارِب واحصل على النساء

غير معروف بالضبط تاريخ أولى «محطات الراحة» التي صنعها الجيش الياباني، لكن من المؤكد أنه بدأ في ثلاثينيات القرن العشرين، بعدما سعى الملازم الياباني أوكامورا ياسوجي، إلى إيجاد حل لحالات الاغتصاب التي أبلغت عنها القوات اليابانية، فطلب من القيادة إرسال نساء لجنوده في مدينة شنغهاي الصينية. ومن المرجح أن أولى «محطات الراحة» كانت في مدينة شنغهاي، وكانت النساء حينها من اليابانيات المشتغلات بالجنس، لذا أسميت المنازل بـ«محطات الراحة» تعبيرًا عن العلاقات الجنسية، وأطلق وصف «امرأة للراحة» على اليابانيات الأوليات المشاركات في هذا الأمر تطوعًا.

أنشئت هذه المحطات بالقرب من الثكنات العسكرية، وسيلة للترفيه عن جنود القوات اليابانية، وحين وسع الجيش أراضيه، وزادت الحاجة إلى عدد أكبر من النساء؛ لجأ الجيش إلى طرق مختلفة لضم النساء من المناطق المحتلة مثل كوريا، والصين، والفلبين؛ بينما شارك عدد أقل من النساء من أصل أوروبي. إذ أعلن الجيش الياباني عن فرص عمل تشمل الطهي والغسيل والتمريض، ثم أخذوا المتقدمات إلى «محطات الراحة»، بالإضافة إلى لجوء الجيش لخطف العديد من النساء من المناطق المحتلة؛ ليسدوا حاجات الجنود الجنسية في «محطات الراحة».

لم تستطع النساء الهرب أو الخروج من تلك المحطات، فكانت النساء محتجزات داخلها، وأحيانًا في معسكرات مسورة، وكان الجيش إذا تحرك في أنحاء المنطقة خلال الحرب، يأخذ النساء جنبا إلى جنب مع الجنود، وغالبًا ما نُقل العديد من النساء بعيدًا عن وطنهن.

الاستيلاء على نانجينغ.. حرب عسكرية أم مغامرة جنسية؟

كانت مدينة نانجينغ العاصمة الصينية حتى منتصف القرن العشرين تقريبًا، واحدة من أكثر المدن والمراكز الصناعية ازدهارًا في الصين، وكانت محط أنظار الجيش الياباني مع دخوله الأراضي الصينية، لذا قرر الاستيلاء عليها في أواخر عام 1937، وبمجرد اقتحام الجيش الياباني للمدينة صنع مذبحة راح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين والجنود، بالإضافة إلى عمليات الاغتصاب الوحشية والجماعية للنساء، وقدر البعض عدد المغتصبات في المدينة من 20 إلى 80 ألف امرأة صينية.

Embed from Getty Images

واحدة من شهود العيان على حالات الاغتصاب الجماعي؛ كانت الراهبة والمدرسة الأمريكية ميني فاوترين، والتي كانت في مدينة نانجينغ الصينية أثناء الغزو؛ وروت في مذكراتها عن عمليات الاغتصاب؛ قائلة: «ما لا يقل عن ألف حالة في الليلة والكثير منها في النهار، وفي حالة المقاومة أو أي شيء يبدو وكأنه رفض، تتلقى المرأة طعنة أو رصاصة. الناس هستيريون، النساء يحملن كل صباح، وبعد الظهر، وفي المساء، ويبدو أن الجيش الياباني برمته حر يذهب ويأتي كما يشاء، ويفعل ما يشاء».

روعت عمليات الاغتصاب الجماعي في مدينة نانجينغ العالم، وكان الإمبراطور الياباني هيروهيتو آنذاك، مهتمًا بصورة اليابان، لذا أمر الجيش الياباني بتوسيع «محطات الراحة»، في محاولة لمنع وقوع المزيد من عمليات الاغتصاب الوحشية في العلن، وحصرها في منشآت الجيش العسكرية، وأيضًا للحد من الأمراض المنقولة جنسيًّا.

«الجنس أفيون الشعوب».. 5 من أغرب الممارسات الجنسية عبر التاريخ

هكذا عاشت النساء في «العبودية الجنسية»

رغم التوسع في إنشاء «محطات الراحة»؛ فإن هذا لم يمنع العاملات في محطات الراحة من العمل ليل نهار لإرضاء الجنود جنسيًّا. كان الأمر إجباريًّا، لذا وصف بـ«العبودية الجنسية»، وكانت بعض النساء لا تجد وقتًا للنوم أحيانًا، وأخبرت إحدى الناجيات أنها أجبرت على خدمة من 30 إلى 40 رجلًا يوميًّا، بينما ذكرت أخرى أنها كانت تخدم من 10 إلى 20 رجلًا يوميًّا.

كانت المحطات مفتوحة لفترات طويلة من الساعة التاسعة صباحًا، وحتى وقت متأخر من المساء، أما عطلة النساء فكانت مرة واحدة كل شهر، ونادرًا ما كانت تصل إلى يومين في الشهر، بينما كان هناك محطات تعمل دون عطلة، ولم يكن الخروج من «محطات الراحة» ممكنًا إلا بإذن من الجيش، وفي أطر معينة حتى لا تهرب النساء.

البحث عن الانتحار.. طوق النجاة الوحيد

كانت الفتاة الكورية تشونج أوك سون، والتي كانت تبلغ من العمر 13 عامًا آنذاك؛ تستعد لإعداد وجبة الغذاء لوالديها، حين اختطفت على أيدي القوات اليابانية، واغتصبت مرارًا، قبل أن تنقل إلى إحدى «محطات الراحة»، ووجدت نفسها بين 400 فتاة كورية، وعليهن أن يخدمن 5 آلاف جندي، علاوة على المعاملة الوحشية التي لاقتها الفتيات. تروي تشونغ أوك سون في شهادتها: «في كل مرة احتججت فيها، ضربت أو كمم فمي، وأحدهم هدد بإشعال عود ثقاب في أجزائي الخاصة حتى أطعته، وكنت أنزف دائمًا».

Embed from Getty Images

لم يكن الإجبار على الجنس هو أقصى شيء نالته النساء في «محطات الراحة»، المعاملة الوحشية كانت حاضرة أيضًا في المحطات، ووفقًا لشهادة الناجيات فإن إحدى الفتيات التي كانت معها أصيبت بمرض تناسلي؛ نتيجة الاغتصاب، ونتج عن ذلك إصابة 50 جنديًّا يابانيًّا، ومن أجل منع انتشار المرض، أعدمت الفتاة الكورية بوضع قطعة حديد ساخنة في عضوها التناسلي. وتروي الناجية هوانج سو جون عن فتاة أخرى، قالت: «جاءت فتاة جديدة في المقصورة بجواري، وحاولت أن تقاوم الرجال وأصابت أحدهم في ذراعه، وعوقبت بنقلها إلى الفناء وأمامنا جميعًا، قطع رأسها بالسيف، ثم قُطع جسدها إلى قطع صغيرة».

أما باك كومجو، وهي فتاة كورية كانت تبلغ من العمر 17 عامًا آنذاك، فقد جندها مسئولون كوريون للعمل في مصنع في اليابان، وبدلًا من إرسالها إلى المصنع، وجدت نفسها في إحدى «محطات الراحة» داخل الصين، وروت كومجو، والتي نجت بعد ذلك، عن انتحار نساء داخل «محطات الراحة»، عبر سرقة أدوية معينة من الجنود، وتناول جرعات كبيرة منها، تقول كومجو: «كان هناك نساء شنقوا أنفسهم بالملابس داخل المرحاض، ونظرًا إلى وجود أشخاص حاولوا الانتحار بما لديهم من خيوط الصوف، حاولنا إخفاء الخيوط عن بعضنا».

النهاية.. حتى الاعتذار كان صعبًا

قدر عدد النساء اللاتي أجبرن على تقديم الخدمات الجنسية في الجيش الياباني من 200 إلى 300 ألف امرأة، بينما يقدر البعض بحوالي 400 ألف، وتتضارب أيضًا التقديرات في عدد الناجيات من «محطات الراحة»، ويرجح الكثير أن ثلثهن مِتْنَ قبل إطلاق سراحهن، وتروي الناجية لي أوك سيون عن ليلة استسلام اليابان وانسحاب الجنود اليابانيين واستعادة حريتها، قالت: «لم أكن أعرف إلى أين يجب أن أذهب، لم يكن لدي نقود، كنت بلا مأوى واضطررت إلى النوم في الشوارع».

Embed from Getty Images

فضلت أغلبية نساء «محطات الراحة»؛ عقب استعادة حريتهن إخفاء ما جرى لهن، والعديد منهن لم يعدن إلى موطنهن الأصلي، وعادت أخريات في أواخر التسعينيات، وظلت قضيتهن سرًّا حتى ثمانينيات القرن العشرين، وكشف الأمر بالكامل في عام 1992، حين عثر على وثائق وقت الحرب تُثبت إدارة القوات اليابانية لـ«محطات الراحة»؛ أما الناجيات فظهرن شيئًا فشيئًا ليقصصن ما حدث لهن، والعديد منهن تقدم بدعاوى قضائية ضد الحكومة اليابانية.

في عام 2015 قدمت الحكومة اليابانية أخيرًا اعتذارًا رسميًّا لما حدث في «محطات الراحة»، وبالإضافة إلى ذلك؛ ساهمت اليابان بمبلغ مليار ين ياباني لإنشاء مؤسسة لمساعدة الناجيات الباقيات على قيد الحياة، واحتفظت كوريا الجنوبية بالعديد من التماثيل في الميادين لإحياء ذكرى فتيات «محطات الراحة»، منها نصب موجود أمام السفارة اليابانية في العاصمة الكورية سيول.

غمروهن بالقنابل ثم بالحب! قصص اليابانيات المتزوجات جنود أمريكان بعد 1945