يستمر عدد المدخنين في الارتفاع، حتى وصل في وقتنا الراهن إلى 1.1 مليار شخص تقريبًا، وتتزايد شهرة شركات التبغ عالميًّا، ليس فقط من خلال اختراع أنواع شتّى من السجائر، بل عبر ممارسات إنسانية في المجتمعات الفقيرة، رغم ثبوت ضرر التدخين.

وفي هذا التقرير الذي نشره موقع «ذا كونفرزيشن»، تناقش الباحثة جينيفر فانج ظاهرة تورط شركات التبغ في العمل الخيري والمجتمعي، في الصين وبعض الدول الأخرى.

تستهل الباحثة تقريرها بطرح عدة تساؤلات على القارئ، مثل: هل يمكن أن ترسل طفلك إلى مدرسة تحمل اسم إحدى العلامات التجارية للسجائر؟ ماذا لو كانت هذه المدرسة واحدةً من أصل مدرستين فقط في منطقتك السكنية، وتتمتع ببنيةٍ تحتية أفضل حالًا؟

وماذا لو أنّ المدرسة وضعت شعارًا ملهمًا، مثل «العبقرية هي نتاج العمل الجاد، التبغ يساعدك على التفوق»، على لوحةٍ أو على جدرانها، أو وضعت العلامة الدعائية لشركة التبغ على بنائها؟ هل يعنيك أن تكون المدرسة من إنشاء شركةٍ للتبغ؟

ترى جينيفر أنّ الأمر يضاهي قصص الرعب بالنسبة لها، بصفتها شخصًا يعمل في البحث العلمي حول مكافحة التبغ، والأكثر رعبًا بحسب جينفير، رغم كل ذلك، أنّ ما وصفته سلفًا ليس افتراضًا، بل واقعًا للكثير من قاطني الصين الشعبية.

وأشار التقرير إلى أن حالة الصدمة وعدم التصديق التي مرّت بها جينيفير، حين اكتشفت أول مرة ما يُسمى بـ«مدارس التبغ»، هي ما دفعها إلى دراسة هذه القضية، إذ عملت مع بعضٍ من زملائها الصينيين من «كلية بكين للطب الاتحادي»؛ من أجل توثيق التصوّر الصيني العام عن تلك المدارس لأول مرة.

لذا؛ زارت الباحثة – بصحبة زملائها- قريةً صغيرة تقع في مقاطعة يونان، وأجرت مقابلةً مع مسؤولٍ حكومي، ومديري المدارس، والمدرسين، والطلاب، وأولياء الأمور من ثلاث مدارس محلية – ترعى إحداها شركة تبغٍ محلية- بالإضافة إلى مقابلتهم أشخاصًا مؤيدين لمكافحة التبغ في العاصمة بكين.

لماذا المدارس؟

ذكر التقرير أن صناعة التبغ الصينية هي مؤسسةٌ تجارية قوية مملوكة للدولة؛ إذ يُدير الفرعَ التجاري المسمى بـ«شركة التبغ الوطنية الصينية» (CNTC) ذراعٌ حكومية، وهي «إدارة احتكار التبغ الحكومية».

وأشار التقرير أيضًا إلى أن الشركة تُعَدُّ أضخم شركةٍ لصناعة التبغ عالميًّا، إذ تنتج 40% من الإمداد العالمي للسجائر. كما تحتكر الشركة السوق داخل الصين بإمداد ما يزيد على 300 مليون مدخن صيني بالسجائر، لكنّها غير معروفةٍ فعليًّا خارج الصين.

أنواع مختلفة من منتجات التبغ الصينية

ووفقًا لهذه الحقائق، تتمتُّع الشركة بسلطةٍ سياسية ومالية كبيرة، وبصفتها مؤسسةً مملوكة للدولة، ذكرت جينيفر أنه من المتوقع سيرها على الخطوط السياسية للحكومة بعنايةٍ شديدة، ودعمها أولويات بعينها، مثل الحد من الفقر.

وأوضحت جينيفر أن «مشروع الأمل» الخاص بالحكومة الصينية، يستهدف تنمية الريف، وتوفير التعليم من خلال ما تصفه باسم مدارس «الأمل» الابتدائية، ومن أجل دعم هذه المبادرة الحكومية بفاعلية من خلال مشاريع المسؤولية المجتمعية لتلك الشركات، ما تزال الشركة تبني عددًا هائلًا من المدارس.

ولاحقًا، وجدت جينيفر وزملاؤها أن ما تروج له شركات التبغ، مثل شركة «هونجتا»، بوصفه مسؤوليةً مجتمعية للشركة؛ يُؤدّي دور نوعٍ من الدعاية غير المباشرة لها.

وتعتقد جينيفر أنه من الصعب توقع أعدادٍ دقيقة، لكن التقارير تلمح إلى وجود ما يزيد على مائة مدرسة ترعاها شركات التبغ، وتحمل أسماء تلك الشركات أو علاماتها التجارية – مثل مدرسة تبغ سيشوان- الأمل الابتدائية أو مدرسة ينجكيسونج- الأمل الابتدائية.

وذكرت جينيفر تحديدًا أن هذا النوع من مدارس التبغ قد بُنيت بعد زلزال سيشوان المدمر عام 2008. وأضافت أنه على الرغم من ذلك، لم تتوقف صناعة التبغ عند هذا الحد؛ إذ تتبرع الشركة الراعية للمدرسة غالبية الوقت بالإمدادات، والمعدات، ومخزون المكتبات المدرسية، لدرجة أنها توفر منحًا طلابية، ومكافآت للمعلمين، في بعض الحالات.

أعمالٌ خيرية أم دعاية؟

وجدت الباحثة أن السكان المحليين في قرية يونان يؤيدون بشدة أعمال المسؤولية المجتمعية، التي تنجزها شركات التبغ، من خلال مشروعات مثل رعاية المدارس.

وأشارت جينيفر إلى إنكار مسؤول مكتبٍ تعليمي كون تلك الرعايات من شركات التبغ تشكّل عاملًا تسويقيًّا للتدخين، إذ قال: «ترُد تلك الشركات الجَميل للمجتمع».

وصرّح مدير إحدى مدارس تبغ «الأمل الابتدائية»، لجينيفر وزملائها إبان زيارتها، بأن الغرض من الرعاية المدرسية هو «إظهار لُطف تلك الشركات واهتمامها بالمجتمع… والتبرُّع من أجل قضيةٍ عامة يُعدُّ أفضل طريقةٍ لإظهار الإحسان ومكافأة السكان المحليين».

ونفى مديرٌ آخر بسرعةٍ شديدة وجود أثرٍ لتلك الرعاية في الطلاب، قائلًا: «الرعاية ماديةٌ بحتة، ولا تُعلِّم الطلاب شرب التبغ».

استُخدم باعتباره نقودًا و«علاجًا إلهيًّا».. تاريخ التبغ قبل أن يصبح نباتًا قاتلًا

وبحسب التقرير، يشعر المعلمون الذين وظفتهم المدرسة بـ«الامتنان تجاه شركة التبغ، بسبب التحسينات التي أدخلتها على بيئتهم التعليمية والمعرفية»، كما ذكروا مرارًا صاحب الفضل على تلاميذهم.

وأعرب طلابٌ في الصف الخامس عن أمنيتهم في «الدراسة بجد، من أجل رد الجميل» للشركة، بالإضافة إلى اعتقاد الكثير بأن «شركة التبغ طيبة».

لكن جينيفر أفادت أن بعض أولياء الأمور كانوا أقل حماسة، وأبدوا تحفظهم حيال تغيير اسم المدرسة بعد رعاية شركة التبغ لها، ووصف أحدهم الأمر بـ«الدعاية المُقنّعة».

وبينما يوافق مجتمع مكافحة التبغ الصيني على أن مشروعات المسؤولية المجتمعية للشركات تُمثِّل ترويجًا للتبغ، فإن البعض كانوا أكثر تساهلًا؛ إذ استشهدوا بالسياق الصيني المحلي لوضع صناعة التبغ، وأشاروا إلى الاحتياجات المادية التي قد لا تكون الحكومة المحلية مستعدةً للوفاء بها.

لذا؛ ترى جينيفر أن أحد أولياء الأمور لخّص الموقف على أفضل وجه، حين قال إن «التبغ شيء سيئ، لكن المال سيظل مالًا».

التوجه نحو العالمية 

أشار التقرير إلى أن «مدارس التبغ» ليست أمرًا تنفرد به الصين، إذ إن دعم الصناعة للتعليم حاضرٌ في اثنتين من الدول الأخرى على الأقل.

وأوضحت جينيفر أن الشركة تُدير شركةً تابعة لها في زيمبابوي منذ عام 2005، إذ تتخصص شركة «تيان زي للتبغ» في توفير ورق التبغ، وأنشأت مدرسة ابتدائية عام 2010 في مجتمع بياتريس الزراعي، كما تتبرع بالإمدادات المدرسية والمعدات الرياضية دوريًّا.

وبينما تشير وسائل الإعلام في زيمبابوي إلى المدرسة باسم «مدرسة دونولي الابتدائية»، لكن المصادر الصينية تدعو المدرسة باسم «مدرسة التبغ الصيني ما بو- الأمل الابتدائية»، إذ أوردت التقارير أنها سميت باسم موظفٍ سابق في شركة «تيان زي للتبغ»، يدعى ما بو.

ورغم عدم إنشاء «مجموعة فينتون» – فرع الشركة في كمبوديا- أيّ مدارس، لكنها تُعَدُّ داعمًا فعليًّا للتعليم.

ففي عام 2013، وتحت مسمى الصداقة، تبرّعت «مجموعة فينتون» بالإمدادات المدرسية، والمقاعد، والكراسي لمدرسة «هن سين الابتدائية»، كما دعمت مدرسةً أخرى خلال عام 2015، والتي تقع بالقرب من مصنعها الجديد.

وأفاد التقرير بأن الشركة نشطةٌ على نحوٍ متزايد في السوق العالمي، من خلال تطبيق عدة استراتيجيات مختلفة؛ فالغاية الرئيسية هي زيادة التوسُّع في الأسواق العالمية، وإنشاء المزيد من المرافق الإنتاجية في الخارج.

وختامًا، تساءلت جينيفر عما إذا كان العالم سيصير مستعدًا للنفوذ العالمي المتزايد، الناجم عما تصفه الشركة باسم المسؤولية المجتمعية للشركات، وذلك بالتزامن مع توسُّع الشركة الشرس على المستوى العالمي.

لعبة الحرب والدولارات: جرائم إمبراطورية التبغ العالمية في أفريقيا وسوريا والعراق

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».