«أدعو شبابنا وشاباتنا للتسجيل في برنامج الإمارات لرواد الفضاء عبر مركز محمد بن راشد للفضاء. سيتم اختيار الأفضل والأقدر والأكثر كفاءة ليكونوا سفراءنا للفضاء. وأؤكد أن كل شاب وشابة لهم دور في مستقبل الإمارات.. على أرضها أو في سمائها أو عبر فضاء كونها الفسيح».

بهذه التغريدة المنشورة على حساب محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع وحاكم إمارة دبي، يوم 6 ديسمبر (كانون الأول) 2017، دشنت الإمارات «برنامج رواد الفضاء» بهدف «تدريب وإعداد فريق من رواد الفضاء الإماراتيين، وإرسالهم إلى الفضاء للقيام بمهام علمية مختلفة».

التقرير التالي، يسلط الضوء على برنامج الفضاء الإماراتي، وهل الغرض منه طرق هذا المجال العلمي، أم أنه مجرد دعاية سياسية؟

احترس من فيزا الإمارات.. تأشيرة «دولة السعادة» قد تأخذك إلى المعتقل

«أوج الطموح الإماراتي».. التاسع إسلاميًّا والثالث عربيًّا

تقدم أكثر من 4 آلاف شخص للبرنامج السابق ذكره، وبعد مجموعة من المقابلات الشخصية والفحوص الطبية والنفسية، وقع الاختيار على الطيار العسكري هزاع المنصوري، ورديفه سلطان النيادي، اللذين وصفهما الشيخ محمد بن راشد بأنهما يمثلان «أوج الطموح الإماراتي».

تُوِّجَت هذه الجهود بتوقيع الإمارات، ممثلة في مركز محمد بن راشد للفضاء، وجمهورية روسيا الاتحادية، ممثلة في وكالة الفضاء الروسية «روسكوسموس»، اتفاقية تعاون لإرسال أول رائد فضاء إماراتي للمشاركة في الأبحاث العلمية، ضمن بعثة فضاء روسية، إلى محطة الفضاء الدولية، على متن مركبة «سويوز إم إس» الفضائية.

وفي 25 سبتمبر (أيلول) الجاري، انطلق الإماراتي هزاع المنصوري (35 عامًا) إلى محطة الفضاء الدولية، بصحبة الأمريكية جيسيكا مير، والروسي أوليج سكريبوشكا، في مهمة مدتها ثمانية أيام، ليصبح أول رائد فضاء عربي يزور المحطة، وتاسع رائد فضاء مسلم، وثالث عربي يذهب إلى الفضاء، بعد السعودي سلطان بن سلمان آل سعود (1985)، والسوري محمد فارس (1987).

مرفقات دعائية وطوابع بريدية.. احتفالية إماراتية في الأرض والفضاء

المرفقات الدعائية التي اصطحبها هزاع المنصوري معه إلى الفضاء، قد تسلط الضوء على الهدف الحقيقي من وراء هذه الرحلة؛ علم الإمارات، وصورة للقاء الشيخ زايد برواد الفضاء من رحلة أبوللو، ونسخة من كتاب «قصتي» للشيخ محمد بن راشد. ولن تكتفي الإمارات بهذه الرحلة؛ بل تخطط لإرسال رحلة غير مأهولة إلى المريخ عام 2021؛ لتتزامن مع الذكرى 50 لقيام الدولة.

وعلى المدى الطويل، أعلنت دولة الإمارات عن رغبتها في إنشاء مستعمرة على سطح المريخ بحلول عام 2117. واستعدادًا لهذا الحلم، كشفت النقاب في سبتمبر 2017 عن مشروع «مدينة المريخ العلمية»، بتكلفة تبلغ 136 مليون دولار، على أرض تبلغ مساحتها 17700 متر مربع تقريبًا، لتكون أكبر مدينة فضائية تُبنَى على الأرض، وتوفر محاكاة عملية صالحة للتطبيق على كوكب المريخ.

ومثلما أحاطت الولايات المتحدة إنجازها التاريخي بالصعود إلى القمر بـ«حملة دعائية كبرى»، تحاول الإمارات محاكاة المسيرة ذاتها بتغطية إعلامية مكثفة على مدار الساعة. ويلفت أستاذ التاريخ، يورج ماتييس ديتيرمان، مؤلف كتاب «علم الفضاء والعالم العربي» إلى أن تزامن تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971 مع برنامج الفضاء الأمريكي «أبوللو» ألهم القادة الإماراتيين.

«طموح زايد».. هل أصبح الحلم حقيقة بعد 55 عامًا؟

كان الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم قد أصدر طوابع بريدية في عام 1964 «تكريمًا لرجال الفضاء»، وبعد 55 عامًا، «تحوَّل ذاك الطموح الآن إلى حقيقة، واقتربت الإمارات من تحقيق هدفها المتمثل في أن تصبح رائدة في صناعة الفضاء»، على حد قول المدير التنفيذي لمجموعة بريد الامارات، عبد الله محمد الأشرم. بعدما كانت الإمارات تحتفي في الماضي بإنجازات الآخرين، ها هي اليوم تصدر مجموعة من ستة طوابع بريدية تذكارية احتفالًا بأول رحلة فضائية إماراتية إلى الفضاء.

هزاع المنصوري مع باقي أفراد الرحلة

يمكن قراءة شعار «طموح زايد» في كل مكان، سواء داخل المقرات الرسمية الفضائية الإماراتية، أم على الملصقات الاحتفالية والطوابع التذكارية. ورغم أن المنصوري لا يحظى بوقت فراغٍ كافٍ لانشغاله في إجراء التجارب على متن المحطة الفضائية الدولية، فإنه حرص خلال تواصله مع الطلاب الإماراتيين على تأكيد استقطاعه وقتًا لقراءة كتابه المفضل: «قصتي» للشيخ محمد بن راشد، مكررًا امتنانه للقيادة السياسية التي أتاحت له فرصة تحقيق حلمه الذي يرافقه منذ كان طفلًا، بالانطلاق من مسقط رأسه في صحراء ليوا إلى الفضاء.

هزاع المنصوري.. «رائد فضاء» أم «مشارك» في رحلة فضائية؟

ولأن دولة الإمارات لم يكن لديها أي رواد فضاء قبل عامين فقط، تساءلت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» ضمنيًّا عن «المبلغ الذي دفعته الإمارات لموسكو» نظير إتاحة الفرصة أمام الطيار المقاتل السابق للذهاب إلى الفضاء. وكانت «نيويورك تايمز» أكثر صراحةً في تقصِّي «السعر الذي لم يُفصح عنه علنًا» للتعاقد الذي أبرمته الإمارات مع روسيا.

 وقالت الصحيفة الأمريكية في تغطية أعدها كينيث تشانج: «دون أن تمتلك صواريخ أو مركبة فضائية خاصة بها، اشترى مركز محمد بن راشد للفضاء في دبي مقعدًا من وكالة الفضاء الروسية على متن المركبة «سيوز»، بالطريقة ذاتها التي اشترى بها سائحو الفضاء الأثرياء مقاعد على الرحلات المتوجهة إلى المحطة الفضائية. لهذا السبب تشير «وكالة ناسا» إلى السيد هزاع المنصوري بوصفه «مشاركًا في رحلات الفضاء» وليس رائد فضاء محترف.

وليس سرًّا أن روسيا تتقاضى 75 مليون دولار من «وكالة ناسا» مقابل إرسال رائد واحد على متن مركباتها إلى المحطة الفضائية الدولية. وبمبلغ أقل يبلغ 58 مليون دولار يمكن للسائح العادي القيام برحلة إلى الفضاء على متن إحدى الرحلات التي تنظمها شركات خاصة، مثل «Space X» و«Boeing». أما إذا كان السائح يرغب في الوصول فقط إلى حدود طبقة الأتموسفير التي تفصل الأرض عن الفضاء الخارجي، فإن شركة «Virgin Galactic» يمكنها توفير مقعد على متن مركبتها مقابل 250 ألف دولار فقط لا أكثر.

مهرجان تحطيم الأسعار.. رحلات سياحية إلى الفضاء

تحطيمًا للأسعار، فتحت وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» الباب أمام السائح العادي لقضاء ليلةٍ في محطة الفضاء الدولية مقابل 35 ألف دولار، بدءًا من العام القادم. وأعلنت أنها ستسمح لرواد الفضاء من القطاع الخاص بالسفر إلى المحطة الدولية لمدة 30 يومًا على متن مركبات فضائية أمريكية. وقال المدير المالي للمحطة، جيف ديويت، في نيويورك: «ناسا ستفتح أبوابها للأنشطة التجارية والتسويق، وهو مجال لم نقتحمه من قبل».

وهذا السباق ليس جديدًا؛ فقد أعلن إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «سبيسن إكسبلوريشن تكنولوجيز»، قبل عامين اعتزام الشركة إرسال سائحين اثنين في رحلة حول القمر، على متن سفينة فضاء يجري تصنيعها لحساب رواد فضاء إدارة الطيران والفضاء الأمريكية (ناسا)، وصاروخًا لم يختبر طيرانه بعد.

فإذا كنت بلغت 18 عامًا، وتتمتع بصحة جيدة، يمكنك التوجه إلى إحدى مكاتب شركات «فيرجن جالاكتين» أو «سبيس أدفنشرز» أو «إكسكاليبور» لتحجز لنفسك مقعدًا إلى الفضاء، أو حتى إتمام الحجز عبر الإنترنت، لكنكَ على الأرجح ستكون واعيًا بحقيقة أن هذه الرحلة لن تخلع عليكَ لقب «رائد فضاء».

مليارات الدولارات.. لتحقيق حلم عمره ثلاثة عقود

هذه التكلفة ليست باهظة بالنسبة لدولةٍ تجاوزت استثماراتها في تقنيات الفضاء 5.4 مليار دولار، منذ تأسيس «وكالة الإمارات للفضاء» بموجب مرسوم بقانون اتحادي عام 2014، لتصبح مظلة «للأنشطة والمشاريع والبرامج ذات العلاقة بالفضاء الخارجي، الذي يعلو الغلاف الجوي للأرض». ورغم أنها تتبع مجلس الوزراء، فإنها تتمتع بـ«شخصية اعتبارية مستقلة، وتتمتع بالاستقلال المالي والإداري، وبالأهلية القانونية اللازمة لمباشرة جميع الأعمال والتصرفات التي تكفل تحقيق أغراضها».

وتؤكد الإمارات أن اهتمامها بعلوم الفضاء والفلك «ليس وليد اللحظة»، بل يرجع إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما التقى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بفريق وكالة «ناسا» المسؤول عن رحلة أبولو إلى القمر. ويحتفي الإماراتيون بهذا اللقاء لدرجة أنهم يعتبرونه «الحافز» الذي وجه اهتمام بلادهم صوب الفضاء قبل ثلاثة عقود، ما أدى إلى ولادة قطاع وطني للفضاء مع تأسيس «شركة الثريا للاتصالات» في أبريل (نيسان) 1997، وشركة «ياه سات» للاتصالات الفضائية بعد 10 سنوات في عام 2007. فيما دشنت قبلها بعام «مؤسسة الإمارات للعلوم والتقنية المتقدمة» في فبراير 2006، قبل دمجها مع «مركز محمد بن راشد للفضاء» في أبريل 2015.

وفي عام 2014، تأسست «وكالة الإمارات للفضاء» بموجب مرسوم بقانون اتحادي، بهدف تطوير قطاع الفضاء في الدولة عبر «إقامة الشراكات والبرامج الأكاديمية والاستثمارات في مشاريع الأبحاث والتطوير والمبادرات التجارية، ودفع عجلة أبحاث علوم الفضاء واستكشافه».

الجانب «الشرير» لصورة الإمارات «الساحرة»

بيدَ أن هذه الرحلة الهوليودية إلى الفضاء، لا تستطيع إخفاء ما وصفته منظمة العفو الدولية بـ«الجانب الشرير» للصورة «الساحرة» التي تحاول الإمارات تصديرها. مثلما لم تستطع وزارة السعادة التي أنشئت في عام 2016، أن تبدد «مناخ الخوف الذي يسود البلاد منذ عام 2011»، أو تطمئن الناشطين الذين يتعرضون «للمضايقة والاعتقال وفي بعض الحالات للتعذيب في الحجز».

على جانب آخر، يمكن القول بأن هذه الضجة الإعلامية لا يمكن أن تخفي مشكلات هيكلية طالت حتى النظام القضائي، الذي تعده منظمة العفو الدولية «ليس مستقلًا ولا محايدًا»، ومثلما لا يملك هزاع المنصوري سوى الإشادة مرارًا وتكرارًا بكتاب «قصتي» الذي يمجِّد مسيرة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، «لا تملك المحاكم أكثر من مجرد ختم قرارات السلطة التنفيذية في الإمارات».

وحتى لو احتلت الإمارات المرتبة الأولى عربيًّا في مؤشر السعادة العالمي 2017، واحتل مواطنوها المرتبة 21 على مستوى العالم بوصفهم أسعد شعوب الأرض، فإن هذه الأرقام لا تستطيع إخفاء الدور الذي لعبته الدولة الخليجية وما تزال، في إتعاس ملايين الأسر بطول المنطقة وعرضها، عبر التدخلات المباشرة وغير المباشرة، على كافة المستويات الاقتصادية والسياسية، وحتى العسكرية.

بعيدًا عن القنبلة النووية.. إلى أين وصل حلم إيران لغزو الفضاء؟