قبل أيام، وخلال حضوره مؤتمرًا من تنظيم «الوكالة الدولية لطاقة الذرية» في المغرب، في الفترة من 2 سبتمبر (أيلول) وحتى السادس من الشهر ذاته؛ توفي العالم النووي المصري أبو بكر رمضان لأسباب غامضة. ذلك العالم الذي أشرف على رسائل الدكتوراة النووية والإشعاعية، وبذل جهودًا علمية في أفريقيا وأوروبا بشأن الطاقة الذرية، ودرس الآثار المحتملة للمفاعلات النووية «بوشهر» في إيران، و«ديمونة» في إسرائيل. خبر وفاة العالم النووي، لم يغب عن الصحافة الإسرائيلية التي تناولت الأمر، فماذا نعرف عنه؟ وما الملابسات المحتملة لوفاته المفاجئة؟

سكتة قلبية أم تسمم؟ الغموض يغلف سبب وفاة العالم المصري

في أثناء حضوره مؤتمرًا علميًا بفندق في منطقة أكدال السياحية، في مدينة مراكش الغربية خلال الشهر الجاري، حول التلوث النووي في المناطق الساحلية، توفي العالم المصري، الذي نشر مساء الأربعاء الماضي عبر صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، صورًا تظهر مشاركته في أحد الاجتماعات وكتب عليها: «الاجتماع النهائي للتنسيق البحثي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بشأن دراسة الاتجاهات الزمنية للتلوث في مناطق ساحلية مختارة».

لم يكن رمضان يدرك حينذاك أن الاجتماع سيكون الأخير في حياته، وأن هذا المنشور الأخير للعالم المصري، وثّق آخر مشاركاته في المؤتمرات العلمية.

تباينت الروايات بشأن السبب الحقيقي وراء وفاته، فمن بين الصور التي نشرها رمضان، صورة ظهر فيها وهو يحتسي عصير برتقال، ما دفع صحفًا دولية من بينها «روسيا اليوم» للتشكيك في أنه مات مسمومًا من العصير الذي أصابه بمغص شديد، أسفر عن وفاته. وذكرت مصادر طبية أن عينات من دمه أُخذت لأحد المختبرات الطبية بالدار البيضاء؛ لمعرفة ما إذا كانت الوفاة ناجمة عن تسمم. فيما أشارت مصادر طبية لموقع «الجريدة 24» المغربي، إلى أن سبب وفاة رمضان ناجم عن تناوله عقاقير طبية أثرت في وضعه الصحي.

سبب آخر ظهر إلى السطح، وهو وفاة رمضان نتيجة سكتة قلبية تعرض لها بشكل مفاجئ، وهو ما رجَحه أشرف إبراهيم السفير المصري في المغرب، والذي مال إلى أن وفاة رمضان كانت «طبيعية»، حاكيًا تفاصيل اللحظات الأخيرة من عمر العالم المصري: «شعر رمضان خلال حضوره أحد الاجتماعات بالتعب وغادره، ليصعد إلى غرفته في الفندق، ويبدو أنه عندما شعر بالتعب الشديد فتح باب غرفته بالفندق، ومرّ أحد الأشخاص بالفندق فوجده على السرير (فاكك هدومه)، وهو يردد (مفيش أكسجين، مفيش أكسجين)، فنقله طبيب الفندق إلى المستشفى»، حيث لفظ رمضان أنفاسه الأخيرة، بعدما فشلت محاولات الأطباء في إنعاش قلبه.

ومع غموض أسباب الوفاة أمرت النيابة العامة في المغرب، بإيداع جثة رمضان في مشرحة مراكش، من أجل إخضاعها للتشريح الطبي لمعرفة الأسباب الحقيقية وراء الوفاة، قبل إنهاء الإجراءات الإدارية وتسليمه إلى عائلته، بنقل جثمانه من المغرب إلى مصر، مساء الاثنين أو صباح الثلاثاء، بحسب إبراهيم الذي شدد على أن تقرير المستشفى والتقرير المبدئي للطبيب  الشرعي أظهرا أن رمضان توفي إثر تعرضه لأزمة قلبية حادة.

أبو بكر رمضان.. قيمة علمية نووية في الشرق والغرب

إعلاميًّا تظل المعلومات المنشورة حول رمضان ضئيلة في وسائل الإعلام، سواء عربيًا أم عالميًّا، فيبدو أن الرجل كان مُنصَبًّّا على حياته العملية والعلمية، بعيدًا عن الهالة الإعلامية، حتى انتشر اسمه مع وفاته دون معلومات كثيرة عنه، مع أن المعلومات التي تمكنّا من الوصول إليها بشأنه أظهرت أن الرجل يمثل قيمة علمية نووية معتبرة، ليس فقط في مصر، إنما في الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا.

فرمضان شغل قبل سبع سنوات منصب رئيس «الشبكة القومية للرصد الإشعاعي»، التابعة لهيئة «الرقابة النووية والإشعاعية» المصرية، وبعد ذلك عمل أستاذًا متفرغًا بهيئة «الرقابة النووية الإشعاعية»، وكان يناقش الرسائل العلمية النووية، ويعمل في اللجان المانحة لدرجات الدكتوراه والماجيستير للباحثين المصريين في مجالات حساسة، مثل: الفيزياء النووية، والكيمياء الإشعاعية، والكيمياء العضوية، والأسر البيئي للمنشآت النووية في مصر.

وخلال العامين الماضيين، لم يكتفِ رمضان بمنح الدرجات العليمة للباحثين المصريين، ولكنه مضى قدمًا في تنظيم تدريبات بشأن إدارة الأزمات والكوارث النووية والحد من مخاطرها، والأمان والسلامة المهنية، وأسس التخطيط، والاستعداد لمواجهة الحوادث النووية والطوارئ الإشعاعية، من خلال مركز التدريب التابع لهيئة الطاقة الذرية.

وخارج مصر، ساهم رمضان بعلمه وخبرته شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا، ومع أن المغرب كانت وجهته العلمية الأخيرة، فإنها لم تكن الوحيدة، فسبقتها تونس، حيث حضر رمضان اجتماع «الهيئة العربية للطاقة الذرية» في 2018.

العالم النووي المصري

العالم المصري رمضان أبو بكر (مشار إليه بالسهم الأحمر) أثناء وجوده مع «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» بموناكو في فرنسا

وفي العام نفسه، تخطى رمضان البحر المتوسط ليحضر اجتماعًا لخبراء «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» بموناكو في فرنسا؛ لدراسة الاتجاهات الحديثة وتطوير النماذج الرياضية فى حماية الشواطئ الساحلية من التلوث النووي، بعدما انتقل في 2017، إلى جارتها إيطاليا ضمن بعثة لخبراء «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، في معهد أبحاث «Elettra Sincrotrone Trieste» الإيطالي.

وفي نهاية 2017، ذهب رمضان جنوبًا لحضور سلسة اجتماعات في مدغشقر للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بشأن استخدام التقنيات النووية فى دراسة انتشار الملوثات فى البيئة البحرية، وهو اجتماع رفيع المستوى، حضرته وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي بدولة مدغشقر، وخبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وممثلو 24 دولة، وفي العام نفسه، ذهب رمضان إلى نيجيريا مع بعثة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتقديم دعم مالي لجامعة «بورت هاركورت» النيجيرية.

عارض مبارك وتحدث إعلام إسرائيلي عن وفاته

سبق وأن حضر رمضان في اجتماعات رسمية مع وزراء البيئة العرب سنة 2014، وفي العام التالي شارك العالم المصري إلى جانب خبراء نوويين، في دراسة عن الآثار المحتملة للمفاعلات النووية «بوشهر» في إيران، و«ديمونة» في إسرائيل، ولذلك لم يغب خبر وفاته عن الإعلام الإسرائيلي؛ إذ نشرت صحيفة «I24» الإسرائيلية خبر وفاته، مستهلةً الخبر بدراسته للآثار المحتملة للمفاعلات النووية في إيران وإسرائيل، ولفتت إلى غموض ظروف وفاته، وفتح الشرطة والنيابة العامة المغربيتين تحقيقات لكشف أسباب الوفاة.

وسياسيًّا، نادرًا ما أظهر رمضان آراء سياسية، مع تركيزه الدائم على الجوانب العلمية، ولكن يبدو أنه كان مؤيدًا لثورة 25 يناير ومعارضًا لنظام الرئيس المخلوع حسني مبارك؛ فخلال منشور له على مواقع التواصل الاجتماعي حث رمضان المصريين على المشاركة في تصويت يستهدف تجميد أموال مسؤولي نظام مبارك في أوروبا، واصفًا إياهم بـ«العصابة المباركية»  عندما كتب: «لنحاول أن نجمع رأيًا عامًا للضغط؛ لإرجاع أموال الشعب المصرى المكافح التي استولت عليها العصابة المباركية وضختها إلى أوروبا».

استعانت برجل هتلر المفضل.. 5 مشاريع عربية واعدة أجهضتها إسرائيل بالسلاح!