أجرت وزارة «الإسكان والتنمية الحضرية» بالولايات المتحدة دراسة على 4600 عائلة فقيرة، معظمهم من الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية، للإجابة على سؤال حير علماء الاجتماع وصانعي السياسات لعقود من الزمن: هل يؤدي إبعاد الناس عن الرفاهية وغيرها من أشكال المساعدة الاجتماعية إلى تغيير سِياقهم الاجتماعي؟

فضلًا عن ذلك: هل يمكن للعيش في الأحياء الفقيرة أن يغير من بيولوجيا الجسم، وهل يملك الفقر القدرة على الوصول إلى الحمض النووي وتعديل الجينات؟ نتناول في السطور التالية تأثير العيش في الأحياء الفقيرة على المستوى العضوي، والنفسي، وما فوق الجينات، عند البشر.

«الانتقال إلى الفُرص».. هل يؤدي بُعد الناس عن الرفاهية إلى تغير سِياقهم الاجتماعي؟

في عام 1994 قسمت «الإسكان والتنمية الحضرية» بالولايات المتحدة عينة عشوائية من 4600 عائلة فقيرة غالبيتها ذات أصول أفريقية، تسكن مناطق متفرقة في مُدُن بالتيمور، وبوسطن، وشيكاغو، ولوس أنجلوس، ونيويورك، لثلاث مجموعات. وتلقت إحدى المجموعات قسائم سكنية تهدف إلى مساعدتهم على الانتقال إلى أحياء أقل فقرًا، وتلقت المجموعة الثانية قسائم سكينة حرة دون قيود جغرافية، في حين لم تتلق المجموعة الأخيرة أي قسائم على الإطلاق.

صُممت هذه الدراسة التي أُطلق عليها «الانتقال إلى الفُرص»، والتي تُعد التجربة الاجتماعية الأكثر طموحًا التي أجرتها وزارة «الإسكان والتنمية الحضرية» بالولايات المتحدة، وواحدة من الأكثر إثارة للدهشة؛ للإجابة على سؤال: هل يؤدي إبعاد الناس عن الرفاهية وغيرها من أشكال المساعدة الاجتماعية إلى تغيير سِياقهم الاجتماعي؟

Embed from Getty Images

وبعد أكثر من عقد من الزمن، وجد الباحثون أن الوضع لم يتغير كثيرًا؛ إذ لم ينتقل كثير من الناس الذين عُرضت عليهم قسائم السكن إلى أي مكان. مع ذلك وجد أن الأشخاص الذين انتقلوا إلى أحياء أفضل، لم تتغير أنماط حياتهم اليومية أو عاداتهم الغذائية. بالإضافة إلى ذلك لم يُظهر أطفالهم أي تحسن في مستويات القراءة أو مادة الرياضيات؛ ما يعني أن الانتقال إلى أحياء سكنية أفضل لم يجعل الناس أكثر اكتفاء ذاتيًا من الناحية الاقتصادية، وهو السؤال الذي صممت الدراسة للإجابة عنه.

ومع استمرار التجربة، بدأ الباحثون في مواجهة نتائج فاجأتهم، عندما وجد أن الأشخاص الذين انتقلوا من الأحياء الفقيرة كانوا أكثر صحة. وبمقارنة الفوارق بين الأشخاص الذين حصلوا على قسائم، والأشخاص الذين لم يحصلوا عليها، اتضح أن الأشخاص الذين حصلوا على قسائم للانتقال إلى الأحياء الأقل فقرًا، انخفضت لديهم معدلات السمنة ومرض السكري من النوع الثاني أقل بكثير من الأشخاص الذين لم يتلقوا القسائم.

يقول روبرت ويتاكر، طبيب الأطفال وخبير الصحة العامة بجامعة «تمبل»، تعليقا على الدراسة: «كان السبب في اختلاف معدلات مرض السكري والسمنة: القسائم، والانتقال إلى الأحياء الأقل فقرًا. ومن المدهش أن يرجع هذا الاختلاف إلى خطوة الانتقال».

الاضطرابات العقلية سببها التطور البشري.. أي مستقبل ينتظر الأجيال القادمة؟

«الحِمل الخفي».. كيف يمكن أن يُعيد التعرض المستمر للكورتيزول تشكيل الدماغ؟

يوجد بالفعل اختلافات في معدلات الإصابة بمرض السكري والسمنة في الأجناس العرقية المختلفة بالولايات المتحدة، على سبيل المثال: إن الأمريكيين السود وذوي الأصول الإسبانية أكثر عرضة للإصابة بالسمنة المفرطة بنسبة 45%، وما يقرب من 50% بمرض السكري من النوع الثاني أكثر من الأمريكيين البيض. ولطالما أُلقي باللوم في هذه الاختلافات على النظام الغذائي، والحصول على الرعاية الصحية، وعدم وجود متاجر بقالة جيدة في أفقر أحياء أمريكا التي يسكنها السود وذوي الأصول الإسبانية، كذلك جرى الاشتباه في أن الجينات تلعب دورًا.

لكن دراسة وزارة «الإسكان والتنمية الحضرية»، والأبحاث اللاحقة لها، أظهرت أن شيئًا ما يؤثر سلبًا على صحة الأشخاص الذين يعيشون في الأحياء الفقيرة أكثر من العرق، أو السلوك الفردي، أو الوراثة، ألا وهو الإجهاد. وبدا أن التعرض للضغوط الناتجة عن التمييز العرقي، يُسهم في تدهور الصحة العقلية والبدنية بين الأقليات العرقية.

عندما انتقل المشاركون في الدراسة إلى أحياء منخفضة الفقر، أبلغوا عن شعورهم بأمان أكثر واكتئاب وقلق أقل، بمعنى آخر أصبحوا أقل توترًا. تقول ريبيكا حسون، مديرة «مختبر أبحاث التفاوتات في الطفولة» بجامعة «ميشيغان»: «بطريقة ما تخترق ظروف بيئتنا الاجتماعية الجسد البشري؛ وتتسبب في حدوث سلسلة من التفاعلات في الجسم». وبما أن الأقليات العرقية تتعرض لكمّ أكبر من الضغوط، فهل يرتبط ذلك بارتفاع مخاطر الإصابة بالسكري؟

لفهم الطريقة التي يؤثر بها التوتر على الصحة، من المهم معرفة الدور الكبير الذي يلعبه هرمون الكورتيزول. في حالات الطوارئ، يوفر الكورتيزول الطاقة لأجهزة الجسم. تقول ريبيكا: «توفر استجابة أجهزة الجسم لهرمون الكورتيزول الطاقة للعضلات، حتى نتمكن من القتال أو الهرب في المواقف الطارئة. وعادة ما يكون ذلك استجابة لضغط جسدي، مثل مواجهة دب يطاردك». وفي محاولة الهروب من الدب، يحرق الجسم نسبة السكر في الدم التي ساعد الكورتيزول في إفرازها؛ الأمر الذي يمكنك من النجاة من الموقف متعبًا، ولكن بأمان، إذا تمكنت من الفرار في أفضل الأحوال.

وبالمثل يفرز الكورتيزول في مواقف التي يتعرض فيها المرء للتوتر وتتزايد فيها الضغوطات، مثل التأخر على العمل أو المدرسة، وعدم القدرة على سداد أقساطك، أو الشعور بالتمييز الجائر بسبب لون بشرتك، وغيرها من المواقف التي لا تشكل تهديدات جسدية فورية؛ فلسنا بحاجة لمواجهة دب حتى يفرز الكورتيزول، بل يكفي إدراك الإجهاد وحده لإطلاق فيضان من الهرمون.

ويستجيب الدماغ لتلك المواقف عبر إرسال إشارة إلى الغدد الكظرية لإطلاق الكورتيزول. تقول حسون: «تظل مستويات الطاقة الناتجة عن إفراز الكورتيزول عالية في الجسم حتى تتمكن من الهرب. ولكن إذا لم تقم بذلك، أو أنك لا تستطيع، تصبح بهذا في حالة تأهب قصوى دائمة، سواء كنت مدركًا لهذا أم لا».

وعلى حد علمنا، فإن البشر فقط هم الذين يقلقون طوال الوقت؛ مما يبقي مستويات التوتر مرتفعة. وبمرور الوقت، يمكن أن يصبح الضرر عميقًا. يقول بروس ماكوين، عالم الأعصاب بجامعة «روكفلر»، الذي صاغ مصطلح «الحِمل الخفي» لوصف عبء الإجهاد المزمن: «إن أجهزة الجسم نفسها التي تساعدنا على التكيف والتعامل في حالات الخطر، يمكن أن تسبب لنا مشاكل عندما يجري إساءة استخدامها أو تنظيمها».

علاوة على ذلك، قد يؤدي التعرض المستمر للكورتيزول إلى إعادة تركيب الدماغ، على سبيل المثال، تتقلص القشرة المخية قبل الجبهية، وتتضخم اللوزة الدماغية، التي تنظم العواطف مثل الخوف والسرور. كذلك، يمكن أن يزيد الكورتيزول على المدى الطويل من خطر الإصابة بالاكتئاب والأمراض العقلية.

ويمكن أن تفسر تلك التأثيرات الفسيولوجية للكورتيزول وجود روابط قوية بين الإجهاد وأمراض التمثيل الغذائي مثل النوع الثاني من السكري، والسمنة، وأمراض القلب. وتضيف ريبيكا: «حتى إذا لم تكن ممن يفرطون في تناول الطعام عند التعرض للضغوطات، فهناك صلة مباشرة بين هرمون الكورتيزول وخطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني والسمنة».

وعلمًا بأن التوتر المزمن يُصيب الأفراد بالمرض، يُصبح السود واللاتينيون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض من البيض؛ لأنهم أكثر تعرضًا للتوتر نظرًا؛ لأنه من المحتمل أن يكونوا أكثر فقرًا، ويتعرضون لضغوط الفقر المزمنة، والكورتيزول بكل آثاره السلبية.

مترجم: الضغط العصبي يأكل دماغك.. حرفيًا!

 

الاكتئاب والقلق والإدمان.. أبرز مخاطر الفقر النفسية على المراهقين

غالبًا ما يُفترض وجود الكثير من المشكلات في الأحياء المحرومة، لكن الأحياء الأكثر ثراءً يظهر بها ارتفاع في معدلات المشكلات السلوكية أيضًا. ومن هنا يبرز التساؤل حول ما إذا كان الوضع الاقتصادي لعائلات المراهقين، مقارنة بالحي الذي يعيشون فيه، يرتبط بسلوكهم الإشكالي ظاهريًا وباطنيًا.

أشارت إحدى الدراسات إلى أن العيش في فقر يمكن أن يتسبب في حدوث تغييرات في الحمض النووي للأفراد؛ بصورة تجعلهم أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب، والقلق، وربما تعاطي المخدرات. وقد وجد الباحثون في الولايات المتحدة أن المراهقين الذين ينشأون في بيئات محرومة، تحدث لهم تغييرات في الجين الذي يزيد من نشاط جزء الدماغ المسؤول عن الاستجابة في حالات القتال، أو الفرار، ونوبات الذعر.

ويرتبط هذا النشاط المتزايد في منطقة اللوزة في الدماغ بزيادة خطر الإصابة بالاكتئاب. ولاحظ الباحثون أيضًا انخفاض مستويات السيروتونين المعروف بهرمون السعادة، لدى من يعيشون في حالات اجتماعية واقتصادية متدنية.

على الجانب الآخر، أظهرت نتائج دراسة أخرى أجريت على مجموعة من المراهقين، أن الانتقال إلى حي أكثر ثراء كان مرتبطًا بزيادة مستويات الاكتئاب، والرهاب الاجتماعي، والعدوان، والخلافات مع الآباء والأمهات. وأشار الباحثون إلى ضرورة استكمال الأبحاث المستقبلية، ومواصلة التحقيق في دور وضع الأفراد في الحي الذي يعيشون فيه؛ حتى لا يجري تعميم تأثيرات المعيشة في الأحياء على الأفراد.

ولا يقتصر الأمر على المراهقين، يتأثر كبار السن أيضًا بمستويات أعلى طبقًا لظروف الحي الذي يعيشون فيه، إذ عادة ما يمضون عقودًا في مجتمعاتهم، يتوارثون ذكريات أجدادهم ومخاوفهم. علاوة على ذلك يعانون من نقاط ضعف عديدة في الصحة البدنية، والعقلية مقارنة بالبالغين الأصغر سنًا، وهم الأكثر عرضة للاعتماد على موارد المجتمع مصدرًا للدعم الاجتماعي.

جسم الأب يتغير في فترة الحمل! ماذا تعرف عن «بيولوجيا الآباء»؟

كيف يستهدف الفقر ما فوق الجينات ويزيد نسب الإصابة بالأمراض الوراثية؟

في السنوات الأخيرة، أظهرت الدراسات أن التغييرات التي تحدث على مستوى الجينات، لا تتأثر فقط بالبيئة والتفاعلات الاجتماعية، ولكن هذه التغييرات فوق الجينية يمكن توريثها بعد ذلك إلى الأجيال التالية. وقد وصف فريق من علماء جامعة «ديوك» بالولايات المتحدة الأمريكية في ورقة بحثية نُشرت في مجلة «Molecular Psychiatry»، كيف يمكن أن يساعد ذلك في تفسير سبب ظهور الاكتئاب في بعض الأسر الأكثر فقرًا.

أوضح الباحثون أن الفقر والحرمان مرتبط بمجموعة من النتائج السلبية، التي تشمل ضعف الصحة العامة، وزيادة خطر الإصابة بأمراض عقلية مثل الاكتئاب، والقلق، والإدمان. وأضاف الباحثون أيضًا أن الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتدني قد يؤدي إلى تلك المخاطر من خلال مجموعة متنوعة من الآليات، مثل: التعرض لمستويات أعلى من الضغوط الإدراكية والموضوعية، إلى جانب المخاطر البيئية التراكمية مثل تردي نوعية السكن، والتلوث الضوضائي، والتعرض للعنف.

وقالت الدكتورة جونا شوارتز، الباحثة الرئيسة في الدراسة، أن نتائج دراستهم أظهرت كيف تؤثر تلك الأنواع من المشاكل على جينات الأشخاص المعنيين. وأضافت: «يعد هذا أحد أوائل الأبحاث التي توضح كيف يمكن للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتدنية، أن تؤدي إلى تغييرات في الطريقة التي يحدث بها التعبير عن الجينات. ويتضح ذلك من خلال ظهور أعراض الاكتئاب المستقبلية على المخ. فضلًا عن ذلك، تظهر المتاعب اليومية الصغيرة التي يتعرض لها ساكنو الأحياء الفقيرة جلية في التغييرات، التي تتراكم وتؤثر على نمو الأطفال».

Embed from Getty Images

توصل الفريق إلى نتائجه عبر دراسة التغيرات التي تحدث في جين معين، يدعى «SLC6A4» ، في 132 من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 11 و15 على مدى عامين. وجد الباحثون أن الأشخاص القادمين من بيئات فقيرة، تراكمت لديهم كميات أكبر من علامة كيميائية على الجين أو بالقرب منه؛ جعلت اللوزة الدماغية لديهم أكثر استجابة لصور الوجوه المخيفة، التي كانت تظهر خلال التجربة، في الوقت الذي كان يجري فيه تصوير أدمغتهم بالرنين المغناطيسي.

وعلَّق البروفيسور دوجلاس ويليامسون، مؤلف مشارك في الدراسة، بأن أكبر عامل خطورة مؤدي للإصابة بالاكتئاب أوضحته النتائج، هو وجود تاريخ مرضي للإصابة بالاكتئاب في عائلة الفرد. وأضاف: «توضح أبحاثنا إحدى الآليات التي يمكن أن تظهر من خلالها هذه المخاطر العائلية، أو التعبير عنها جينيًا في مجموعة معينة من الأفراد الأكثر عرضة للإصابة خلال فترة المراهقة».

أيضًا أضاف أحمد الحريري، أستاذ علم النفس وعلوم الأعصاب بجامعة «ديوك»: «مع دخول أولئك المراهقين مرحلة الشباب، سيواجهون المزيد من المشاكل مع الاكتئاب، أو القلق، وربما تعاطي المخدرات. ويعد الاستمرار في مراقبة الجينوم الخاص بهم، ونشاط أدمغتهم، واستخدام ذلك في التنبؤ بصحتهم النسبية في وقت مبكر من حياتهم، أمرًا مهمًا ومثيرًا للغاية بالنسبة لنا في الدراسة».

«جدلية العِرق والذكاء».. هل تنتقل القدرات الذهنية عبر الجينات؟