استمر حكم المسلمين العرب في الأندلس قرونًا من الزمن، نقلوا خلالها ثقافتهم وعلومهم ومظاهر حضارتهم إلى أوروبا، ورغم سقوط تلك الحضارة منذ أمد بعيد إلا أن بعض معارفها ما زالت حاضرة، إذ تستخدم مدينة إسبانية إحدى تقنياتها القديمة لتحميها من الفيضانات، وتخزن مياه الأمطار.

في هذا التقرير، يسلط ستيفن بيرجن، الكاتب بصحيفة «الجارديان» البريطانية، الضوء على إحدى التقنيات التي تعلمها أبناء إسبانيا من العرب، وساعدتهم في العصر الحديث على مواجهة الفيضانات الجارفة في مدينة لقنت الإسبانية (تنطق أليكانتي بالإسبانية)، لتحل مشكلة عانت منها المدينة حتى وقت قريب، بتكلفة تضاهي ربع تكلفة الحل التقليدي.

 هل كان الوجود الإسلامي سبب تأخر إسبانيا عن بقية الدول الأوروبية؟

بحسب الصحيفة البريطانية، لا تمطر السماء في لقنت عادةً، ولكن الأرض تفيض بالمياه حين يحدث ذلك؛ إذ تمضي على المدينة الواقعة جنوبي شرق إسبانيا شهور طويلة بدون أمطار، ولكن حين تصل الأمطار فإنها تأتي جارفةً وتجلب معها فيضانات مدمرة وقاتلة في بعض الأحيان.

ويمكن القول إنها كانت تفعل ذلك، في الماضي على الأقل. ففي سان خوان، المنطقة المنخفضة من المدينة، شيدت المدينة منتزهًا جديدًا متطوِرًا، ويؤدي منتزه «لا ماريال» دور المنطقة الترفيهية والمحمية الطبيعية النموذجية -لكن الغرض الرئيسي من تشييده هو تخزين وإعادة تدوير مياه الأمطار بحسب ما أورده التقرير.

الجُب.. يحمي من الفيضانات ويخزن مياه الأمطار

وعمليًّا، يمثل المنتزه خزانًا أرضيًّا (جُبًّا)، وهي تقنية طورها السكان العرب في إسبانيا قبل عدة قرون، ويجري بمقتضاها جمع المياه وتخزينها في نوعٍ من الصهاريج أسفل أحد المباني. ويؤدي «لا ماريال» دورًا مشابهًا، ولكن في الهواء الطلق. ثم يجري تحويل المياه إلى محطة معالجة مياه قريبة، حيث يمكن استخدامه لاحقًا لتنظيف الشوارع والحدائق المائية، بحسب التقرير.

يقول جورجي أولكينا، أستاذ الجغرافيا التحليلية بجامعة أليكانتي: «أجبرتنا الحاجة إلى إدارةٍ مستدامة على استعادة ممارسات الأجداد، ويمكن القول إن مرافق تخزين مياه الأمطار في لقنت وبرشلونة هي أجباب القرن الحادي والعشرين الجديدة».

فيديو يعرض مراحل إنشاء المنتزه وطريقة استخدامه وقت الأمطار

وأورد تقرير الصحيفة البريطانية أنه على مدار ثمانية قرون، صار حكام إسبانيا من العرب أساتذةً بارعين في إدارة وحفظ المياه، وفقدت الكثير من تلك المعارف حين طُردوا جماعيًا من البلاد أوائل القرن السابع عشر.

ويستخدم المنتزه نفس مبادئ الجُب بحسب «الجارديان»؛ إذ أوضحت أميليا نافارو، مديرة التنمية المستدامة لدى سلطات المياه في لقنت: «حين تعجز خزانات التجميع عن احتواء مياه الأمطار شديدة الغزارة، يجري تحويل مياه الأمطار الفائضة إلى المنتزه؛ إذ يمتلك المنتزه سعةً لاحتواء مياه 18 حمام سباحة أولمبي، لكنه لم يمتلئ بأكثر من 30% من سعته حتى الآن»، حتى في أعقاب اختباره الكبير الأول عام 2017، حين كانت الأمطار غزيرةً بدرجةٍ غير مسبوقة.

واحة خضراء بين المباني بربع تكلفة الحل التقليدي

وأفاد التقرير أن المنتزه يتميز بمناظره الطبيعية التي تضم النباتات المتوسطية وتسكنه الطيور المقيمة والمهاجرة والمخلوقات الصغيرة، وهي تنمية ملائمة بالنظر إلى أن ماريال هي الترجمة الإسبانية لكلمة «المرج» العربية التي تعني الأرض الساحلية الرطبة.

ومنذ افتتاحه عام 2015، جرى رصد 90 نوعًا من الطيور في المنتزه، الذي تحول إلى واحةٍ وسط المباني السكنية بحسب الصحيفة البريطانية. إذ أوضحت أميليا: «أدخلنا الأسماك الآكلة لليرقات حتى تقضي على البعوض»، مضيفةً أن الماء يعالج بالأكسجين لتقليل نمو الطحالب.

وذكرت الصحيفة أنه حين تندلع العواصف، يؤدي ارتفاع منسوب المياه إلى إطلاق إنذارٍ صوتي يحذر الزوار ليطلب منهم المغادرة، ويغلق المنتزه إثر ذلك حتى يخف المطر. وبنِي «لا ماريال» في عامين بتكلفة 3.7 مليون يورو (4.10 مليون دولار)، أي ربع تكلف بناء الخزان الإسمنتي التقليدي للمدينة. وتتكلف صيانته 50 ألف يورو (55.47 ألف دولار) سنويًا فقط.

وقال ميجيل رودريجيز، مدير العمليات في منظمة «أجواس دي أليكانتي» الحكومية-الخاصة: «نحن من يدير تلك المشروعات في نهاية المطاف حتى تكون تكلفتها في المتناول. وفي النهاية، يجب أن نخفض التكاليف قدر الإمكان لأن الجمهور هو من يدفعها».

ورغم أن المنتزه يمثِل حلًا ذكيًا وزهيد التكلفة نسبيًا، لكن سلطات المياه الحضرية كانت بطيئةً عمومًا في التكيف مع أزمة المناخ بحسب ليوناردو ديل مورال، أستاذ الجغرافيا الإنسانية في جامعة أشبيلية. وأضاف ديل مورال إن مدريد وقادس وأشبيلية هي المدن الوحيدة التي أحرزت تقدمًا يذكر، بحسب التقرير.

صورة من منتزه لا مارخال

صورة من منتزه لا ماريال. المصدر: الموقع الرسمي لمدينة أليكانتي

وأشار التقرير إلى أن خطط المياه في البلاد، التي يعلن عنها كل خمس سنوات، تتوقع أن المياه المتوفرة في المستقبل القريب ستقل بنسبةٍ تتراوح بين 10% و15%. إذ أن ارتفاع درجات الحرارة، الناجم عن الاحتباس الحراري، يعني فقدان المزيد من المياه عن طريق التبخر وتنفس النباتات.

وأوضح ديل مورال: «حتى لو أمطرت السماء مثل السابق، فستكون المياه المتوفرة أقل. وهذه رسالة واضحة فحواها أن تغير المناخ له تأثير. ويجب على المدن أن تتوقع، ولا تحاول التصدي، لخطر الجفاف المتزايد».

وقال فرانسيسكو بارتوال، المدير الإداري في «أجواس دي أليكانتي»: «نحن بحاجةٍ إلى بنيةٍ تحتيةٍ جديدة، وهو أمر مكلِف للغاية. لقد حدثنا شبكة المياه لدرجة أنها صارت تعمل بـ90% من طاقتها، مما يعني أننا لا نهدر كميةً تذكر من المياه».

لكن المياه تعتبر موردًا نادرًا، بحسب التقرير، لذا تتفوق المصالح السياسية عادةً على المصالح البيئية. فرغم أن الزراعة تمثِل 3% من إجمالي الناتج المحلي، لكنها تستهلك 80% من موارد المياه -وذلك لأن المزارعين يمثلون كتلة تصويتٍ ضخمة. إذ يجري تحويل المياه من المناطق الرطبة إلى المناطق الجافة، وتقطع مئات السدود مجاري الأنهار الرئيسية القليلة في إسبانيا، مما يؤثر على المدن الكبرى.

وقال ديل مورال: «يجب أن تقلل الزراعة من استهلاكها للمياه حين يظهر خطر الجفاف، وليس حين يحدث الجفاف فعليًا، إذ سيكون الأوان قد فات حينها، لكن هذه المنطقة تثير الكثير من الجدل سياسيًا».

ويرى الموقع البريطاني أن تخزين وإعادة تدوير المياه صارا على رأس قائمة البدائل، بالطريقة التي تحدث في «لا ماريال». ومن حسن الحظ أن من شب على شيءٍ شاب عليه، في إشارة إلى احتفاظ إسبانيا بعادة العرب القديمة.

ما الذي كان يأكله أهل الأندلس؟ تراث الطبخ الأندلسي الذي صنع موائد أوروبا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».