الحركة الثقافية التي انطلقت في إيطاليا في القرن الرابع عشر، وانتقلت إلى بقية أوروبا وشملتها بحلول القرن السادس عشر، عرفت باسم «عصر النهضة»، وفيها تطورت الحياة الفكرية الأوروبية؛ على مستويات عديدة منها الأدب والفن والموسيقى، ونالت السياسة والدين نصيبها من هذه الحركة، وفي أوج مهدها في إيطاليا ترأس الكنيسة الكاثوليكية؛ المنصب المعروف حاليًا ببابا الفاتيكان، رجل مثير للجدل يدعى ألكسندر السادس. 

أقصر الطرق إلى الكرسي البابوي

رودريك دي بورجا هذا هو اسم البابا ألكسندر السادس، المولود في مدينة فالنسيا الإسبانية يوم رأس السنة الميلادية عام 1431، وكان خاله ألفونسو دي بورجا كاردينال، لذا قرر والداه في وقت مبكر من حياته؛ أن ينضم إلى خاله في الكنيسة الكاثوليكية، وكان الكاهن الكاثوليكي في هذا الوقت يحظى باحترام وتقدير الجميع بغض النظر عن سلوكه الشخصي.

Embed from Getty Images

ألكسندر السادس

درس القانون لمدة عام في جامعة بولونيا عام 1456، وبمجرد وصول خاله ألفونسو دي بورجا إلى منصب الكرسي البابوي، حاملًا اسم كاليستوس الثالث؛ جعل البابا الجديد رودريك دي بورجا الشاب كاردينال في عمر 25 عامًا، ومنحه العديد من ممتلكات الكنيسة، وفي عام 1457 رقى البابا ابن أخته دي بورجا إلى منصب نائب رئيس الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، وهو المنصب الذي جمع من خلاله النفوذ والثروة.

بعد وفاة البابا إنوسنتيوس الثامن عام 1492، جرت الانتخابات البابوية، وكانت هناك شائعات آنذاك أن دي بورجا نجح في شراء أكبر عدد من الأصوات وأنه دفع رشاوى لمنافسيه وسددها بعد الانتخابات؛ وأقر أحد الكهنة في الكنيسة آنذاك أن حملة دي بورجا كانت مكلفة، وانتهت الانتخابات بفوز دي بورجا عام 1492 في انتخابات الكرسي البابوي، ليصبح البابا رقم 214 للكنيسة الكاثوليكية، وحمل اسم ألكسندر السادس.

عشيقات وأطفال غير شرعيين

لا يمكن الجزم بعدد الأطفال الذين ولدوا للبابا ألكسندر السادس، فالرجل تخلى عن الحياة الكهنوتية التي كان من المفترض أن يكون عليها، وزُعم أنه أنجب ما يصل إلى تسعة أطفال غير شرعيين، لكن المؤكد أنه كان لديه أربعة أطفال غير شرعيين من عشيقته المفضلة فانوتزا دي كاتاني.

اعترف البابا ألكسندر صراحةً بأبنائه من عشيقته ، فانوتزا دي كاتاني، ثم انجرف لاحقًا إلى عشيقة جديدة وهي جوليا فارنيز، واحدة من أجمل النساء في ذلك الوقت، وكانت متزوجة من أورسينو أورسيني؛ ووالدته ابنة عم البابا ألكسندر السادس، والتي باركت علاقة زوجة ابنها بالبابا؛ لتضمن لابنها مكانة داخل الفاتيكان، وقيل أيضًا أن هذه العلاقة سهلت وصول أخي جوليا إلى لقب الكاردينال والذي أصبح البابا بولس الثالث لاحقًا، وفي نهاية المطاف أنجبت جوليا طفلة سميت لورا، وغير معروف بدقة إن كان والدها أورسيني أم البابا ألكسندر السادس، وقيل أن جوليا صرحت بأنها ابنة البابا، مما دعا أن يلقبها الناس بـ«عاهرة البابا».

بيانكا؛ عشيقة أخرى للبابا ألكسندر السادس، وكانت زوجة دوق مانتوفا، ودخل البابا معها في علاقة، لكنها تأزمت نفسيًا؛ بعد أن أجبرت على الإجهاض عام 1499، وغير معروف سبب الإجبار على الإجهاض، لكن البابا ألكسندر السادس قرر إرسالها إلى أحد الأديرة لتصبح راهبة، وعلى أمل أن تعالج من مرضها، لكنها اختارت الانتحار بدلاً من ذلك.

لوكريسيا بورجيا، هي ابنة غير شرعية للبابا ألكسندرالسادس، وإحدى بناته من عشيقته فانوتزا دي كاتاني، وهي شخصية مثيرة للجدل، فهي من أبناء البابا المفضلين، وتزوجت ثلاث مرات بأمر البابا لمواءمات سياسية، وكانت شديدة الارتباط بوالدها وشقيقها سيزار؛ والذي تورط في قتل زوجها الثاني، وقيل أن عشيقة البابا جوليا كانت تعيش مع لوكريسيا؛ حتى تسهل على البابا مغامراته الجنسية.

تُعد لوكريسيا واحدة من أشهر النساء شهرة في عصر النهضة، نظرًا لما يحيط بها من شائعات، وأبرز تلك الشائعات أن كانت على علاقة جنسية بوالدها، وشقيقها سيزار، وقيل أنها شاركت والدها وأخيها مغامراتهم الجنسية، وقيل أيضًا أنها كانت تجيد صنع السموم وأنها تخلصت من أعداء للبابا عن طريق السم، ولا يمكن الوقوف على حقيقة كونها تورطت في تلك الأفعال الجنسية، والقتل بالسم، أم إن ما قيل عنها كان مجرد شائعات.

من أكثر الأماكن استهلاكًا للنبيذ.. 9 أشياء قد لا تعرفها عن دولة الفاتيكان

حفلة جنسية في حضرة البابا

في ليلة 30 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1501، نظم البابا ألكسندرالسادس مأدبة ضخمة في القصر البابوي في روما، وكان المدعوون أعضاء من طبقة النبلاء، وكبار المسؤولين في الكنيسة الكاثوليكية، الحدث المعروف باسم «مأدبة الكستناء»، وصف أنه من أكثر الليالي إثارة في تاريخ العصور الوسطى، ووصف تارة أخرى بأنه من أكثر اللحظات فسادًا في تاريخ روما.

المأدبة لم تشمل اللحوم والنبيذ والكستناء، بل شملت أيضًا 50 من أجمل البغايا في روما، كان الجميع يأكل ويشرب، بينما تنثر الكستناء على الأرض، وفي البداية كانت البغايا ترقص، ثم تحولت المأدبة إلى حفلة جنسية في حضرة البابا، وابنه سيزار، وابنته لوكريسيا، وقيل أن البابا أعلن عن جوائز لأكثر رجل موجود أقام علاقات مع البغايا في الحفلة، ووزعت سُتر من الحرير وغيرها من المصنوعات على الرجال الفائزين؛ سلمها لهم البابا نفسه.

واحد من المراجع التي استند إليها المؤرخون لإثبات واقعة مأدبة الكستناء، كاتب فرنسي يدعى يوهان بيرشارد، وهو أحد الكهنة الكاثوليك في فترة البابا ألكسندر السادس؛ والذي كتب عن مأدبة الكستناء قائلاً: «لم يعد هناك أي جريمة أو عمل مخز لم يحدث في الأماكن العامة في روما؛ وفي منزل البابا.. أعمال رهيبة وشنيعة بما فيها الفسق ارتكبت علانية في منزله، مع عدم احترام الله أو الرجل! الاغتصاب وسفاح المحارم لا تعد ولا تحصى.. وحشود كبيرة من البغايا ترددت على قصر القديس بطرس».

البابا مثير للجدل في الحياة والموت

عام 1503 استضاف البابا ألكسندرالسادس وابنه سيزار؛ الكاردينال أدريانو كاستليزي على العشاء، ومرض البابا بعدها وكذلك سيزار، أفاق سيزار أما البابا وكان عمره تجاوز 70 عامًا، فلم يستطع أن يقاوم المرض، وتوفي، وقيل إنه تسمم عن طريق الخطأ، وكان المقصود بالتسمم الكاردينال أدريانو، بينما قيل إنه مات بسبب مرض الملاريا.

 Embed from Getty Images

الجدل حول البابا ألكسندر السادس مليء بالنظريات، وهناك من المؤرخين الدينيين من يقول إن «مأدبة الكستناء» ليست سوى قصة اخترعت باعتبارها وسيلة لإحراج الكنيسة الكاثوليكية، في حين قال آخرون أن المأدبة ليست كل شيء فالعشيقات والأطفال غير الشرعيين، والفساد الذي لحق بالبابا كان كافيًا بأن يدمر سمعة الرجل، ورغم أن العديد من المؤرخين يستبعدون عن البابا كل هذا الفساد، إلا أنه لا يزال شخصية «سيئة السمعة» في المخيال الشعبي الأوروبي.

بينهم ريتشارد «قلب الأسد».. هؤلاء الملوك أخفوا رغباتهم الجنسية المثلية