يُوصف الشخص بالهستيري عادةً، عندما يبرز انفعالات مبالغًا فيها، وخارجة عن السيطرة، وإذا كنتِ امرأة فمن المؤكد أنكِ قد وُصفتِ بالهستيريّة مرة واحدة في حياتك على الأقل، أيًّا كان السبب، سواء شكوى من ألم عضوي، أو نفسي، أو حتى مشكلة عاطفية.

ولهستيريا النساء المزعومة تاريخ طويل، يندرج تحت بند «صناعة المرض»، في أزمنة أقل نسوية كان الرحم حينها مصدرًا لكل الشرور، أو هكذا كان يُعتقد؛ وتعود كلمة «هستيريا» إلى مصطلح إغريقي هو «hystra» ويعني الرحم، فتعني الهستيريا حرفيًّا مرض الرحم، والهستيريا هي مثال صارخ لكيف يمكن أن تخترع مرضًا، وتنشره، وتلصقه بالنساء، وتستخدمه للسيطرة على سلوكهن.

بطريركيّة الطب.. كيف عانت النساء من التمييز في المجال الطبي؟

كيف صُنعت الهستيريا؟

هناك قاعدة شهيرة في الطب تقول «عندما لا تعرف السبب، أعط المريض كورتيزون» وعلى المنوال نفسه كان الأطباء يشخصون النساء بـالهستيريا، فعندما لا يُعرف السبب الحقيقي لما تشعر به المريضة، كان التشخيص هو الهستيريا، وهناك آثار مكتوبة ترجع إلى القدماء المصريين، يصفون فيها حالة تشبه الهستيريا.

وخلال 4 آلاف عام، كان يُنظر إلى الهستيريا من منظورين؛ علمي، وأيضًا شيطاني، فالطبيب البارز توماس سيندهام في منتصف القرن السابع عشر وأواخره، اعتقد أن كثيرًا من النساء مصابة بـالهستيريا، مما جعله يعتقد أنه ثاني أكثر مرض انتشارًا في وقته، والذي كان يرجح أن سببه «حركة أرواح الحيوانات»، وقد عد الطبيب النفسي الشهير سيجموند فرويد الهستيريا مرضًا يصيب النساء فقط.

Embed from Getty Images

نحن الآن في القرن التاسع عشر في وقت كان فيه الطب مهنة للذكور فقط، وانتشر حينها أيضًا الفهم الخاطئ لبعض الأعراض التي تعاني منها النساء، فكانت الهستيريا مرضًا جامعًا لكثير من الأعراض المرضية وغير المرضية، وقد أطلق الإغريق والرومان على معظم الأعراض النسائية اسم هستيريا، وأولها شعور النساء بالاستثارة الجنسية.

أيضًا شُخصت الأعراض الفصامية، والنفسجسمانية، واضطرابات التحويل بالهستيريا، ولأن جهاز رسم المخ أو «ECG» لم يكن قد اختُرع بعد، فكانت النساء اللواتي يعانين من الصرع، يُشخصن بـالهستيريا، فإذا كنتِ مصابة بألم، أو بشلل، أو تشنجات، أو قلق فقد خصص لكِ الأطباء والفلاسفة مرضًا فريدًا لكِ وحدك.

«مرض في الرأس»

تعد الهستيريا دليلًا دامغًا على تأثير تسيد الذكورية على الطب، والخطأ في التشخيص، والاستمرار فيه لسنوات، فقد استُخدمت كلمة هستيريا لوصف شكاوى النساء الصحية، وآلامهم، فيما رأى فرويد مرضهم بأنه «مرض في الرأس»، أي لأسباب نفسية، نتيجة صدمات سابقة.

وقد رأى الفلاسفة أن منبع كثير من آلام المرأة النفسية، والعضوية سببها الرحم، فالرحم يحزن عندما لا ينجب، ورأى أبوقراط نفسه أن الرحم يتنقل خارج الجسد، مسببًا مشاكل صحية، وكان حل الرحم المنتقل هو الزواج. وانتقال الرحم يرتبط بأسطورة يونانية عن «بنادورا» أول امرأة بشرية، خلقها هيفايستوس بناءً على تعليمات زيوس، وقد بُني طب النساء الإغريقي على أسطورة بنادورا، والتي كان يُخفي جمالها الشر الموجود بداخلها، والذي يحتويه الرحم.

ولأن أجساد النساء كانت «سيئة بيولوجيًّا» رأى أرسطو أنهن غير مناسبات لدراسة الفلسفة، وفي اليونان القديمة استُخدمت الهستيريا ذريعة لابتعاد النساء عن المناصب السياسية، لهيستيرتهن الدائمة، ولأنها تضعف من أي مجهود، خاصةً المجهود الذهني، لذا يجب إقصاؤها عن ساحة العمل.

المصدر رسمة لهنري فوسيل بعنوان «الكابوس»

وصفات علاج فاشلة

لم يترك الأطباء النساء المصابات بالهيستريا لمصيرهن المظلم، بل وصفوا لهن علاجات مثل الأعشاب، والماء البارد، ولأنهم كانوا يعتقدون أن للأمر علاقة وطيدة بالحرمان الجنسي، فكانوا يصفون للنساء هزازًا جنسيًّا، أو ينصحوهن بركوب الخيل، وفي هذا السياق ينبغي معرفة أنه لم يكن محبذًا أن تقوم النساء بالاستمناء؛ لأن في ذلك خطرًا على صحتهن، لكن وصفاتهم بالطبع كانت فاشلة، لفشلهم في الأساس في التشخيص، فكانوا يستخدمون حلًّا آخر فاشلًا بالضرورة هو وضع هؤلاء النساء في مصحات عقلية.

أحد علاجات النسوة الهستيريات كان الراحة الإجبارية، ولكن في ما يشبه السجن الانفرادي، كانت توضع في غرفة وتُترك لأسابيع، غير مسموح لها بالقراءة أو الكتابة، أو فعل أي شيء سوى تناول الدهون، والالتزام بالمساج.

وقد استخدم جان مارتن شاركو طبيب الأعصاب الفرنسي التنويم في علاج «النساء الهستيريات»، أما النساء اللواتي كن يعانين من «الشبق الجنسي» فكان الأطباء في العصر الفيكتوري ينصحوهن باستثارة أعضائهن الجنسية يدويًّا، وهو ما لم يكن مطروحًا، وهذه الفكرة التي يُعتقد أنه بُني عليها صناعة الهزاز الجنسي، فيما تنكر أبحاث أخرى هذه الفكرة، وترى أن النساء الشبقات كن يُعالَجن بإزالة المبايض.

حتى الآن ما زال الكثير من الأطباء يعتقدن أن النساء تميل إلى المبالغة والتهويل في الشعور بالألم، أما هؤلاء اللواتي يعانين من مشاكل عصبية لم يتبين أسبابها بوضوح، فيميل الأطباء إلى اتهامهن بالهيستيرية. وبعد عقود من تقدم الطب، ومشاركة النساء في العمل الطبي، زال غموض الأمراض النسائية شيئًا فشيئًا، لم يكن الأمر سيئًا بالكامل، فقد لعب هذا المرض النسائي الغامض دورًا في تطوير التحليل النفسي، فقد كان له تأثير قوي في العلاج الكلامي، الذي ما يزال يستخدم حتى الآن.

لكن ماذا يضير في الاتهام بالهستيريا؟

عدم فهم الأطباء لطبيعة جسد المرأة، وللدورة الشهرية جعلهم يستغرقون سنوات قبل معرفة المرض الحقيقي، والاستخفاف بآلام النساء يؤدي بالطبع إلى تفاقمها؛ فمثلًا أمراض مثل الفيبروماليجيا، متلازمة الإرهاق المزمن، وحتى الباركينسونزم يستغرق أحيانًا وقتًا طويلًا في تشخيصها بالنسبة للنساء، ومن ثَم في العلاج.

Embed from Getty Images

تذكر الناشطة جينفر ريتشارد أن المرأة لا يجري التعامل مع معاناتها النفسية كما يجب، على العكس تُتهم بتهمة مُعلبة، وجاهزة، ونمطية هي الهستيريا، وتضيف أنها كانت تعاني من مرض الوسواس القهري، والاكتئاب، لكن شكواها كانت تُقابل بالتشكك، وأن ما تَمرّ به من أعراض، هو شيء شائع بين النساء، في أوقات معينة من الشهر، ويُقصد بها الدورة الشهرية، وتعقب جينفر على ذلك بأنه تشخيص خاطئ واستخفاف بآلام الدورة الشهرية في الوقت نفسه، أي معاناة مزدوجة.

خرجت الهستيريا من «الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية»، أو «DSM-3» في الثمانينات، لكنها ما زالت قابعة في ذهن بعض الأطباء تشخيصًا فوريًّا للنساء، فربما على الأطباء أن يتخلصوا من انحيازهم المسبق واكتساب مهارات سمعية، وربما على الذين يسلكون هذا النهج أن يعرفوا أن هذا الألم الذي تشعر به المرأة نابع من مصدر خطر حقيقي، وليس نابعًا من أدمغتهن، قبل أن يفقدن حياتهن.

هل شاهدت «Bird box»؟ ليس خيالًا فحالات الـ«هيستيريا الجماعية» حدثت بالفعل من قبل!