في شارع ضيق متواضع بجوار سينما ديانا بالقاهرة، وفي تمام الساعة العاشرة صباحًا من كل سبت، وبعد أن ينسق صبي كل مقهى المقاعد و«الترابيزات»؛ يتوافد الرجال حاملو الحقائب على تلك المقاهي المتشابكة، من كل صوب في مصر ما بين المحلة والشرقية والإسكندرية.

كل حقيبة على أكتافهم تحوي ذكريات من الماضي، ومشاهد عن أزمنة رأيناها في الصور والتلفاز فقط، ولكن هُنا -على «مقهى ديانا»- يمكنك أن تلمس التاريخ بيديك، وتشم رائحته وتشتريه أيضًا.

ولكن قبل أن تذهب إلى هذا المكان، الذي يعد واحدًا من أهم تجمعات رجال «الأنتيكا» في القاهرة؛ عليك أن تتعرف إليه، وتفهم قواعده وطرق التعامل بين البائع والمشتري فيه؛ ولذلك ذهب «ساسة بوست» في جولة بهذا المجتمع الصغير المغلق، الذي لا يعرفه سوى زواره القلائل؛ حتى ينقل لك صورة حية من أصغر مساحة بيع وشراء أنتيكا بالقاهرة «مقهى ديانا».

قد تظن أن تلك القصة لا تهم سوى محبي «الأنتيكا»، ولكن حقيقة الأمر أن كل شخص بداخله حنين للماضي؛ يجد قطعة على هذا المقهى تأسر قلبه.

توقَّفن عن الغناء.. «ساسة بوست» يرصد حكايات نساء صعيد مصر في موسم حصاد القمح

«ديانا» ليست لمحبي الأنتيكا فقط

هل أنت محب للقصص المصورة؟ إذن تعال هُنا بالمقهى الأول وقابل «نابليون الأستاذ»، الذي يحمل في يده جهازًا صغيرًا مكونًا من مقبض لليد، وعدسة صغيرة، وزر أبيض عليك أن تضغط عليه طويلًا وتنظر من خلال العدسة، وتشاهد قصصًا مصورة لـ«باتمان» بالأبيض والأسود تُشغل وراء بعضها، وكأنك تشاهد فيلمًا بدائيًّا صامتًا. دقيقتان فقط من النظر في تلك العدسة؛ تفصلك عن العالم وتعود بالزمن للوراء، كل هذا مقابل 75 جنيهًا فقط.

هل أنت محب للأدوات المنزلية؟ «ديانا» لن تخذلك أيضًا وتمنحك مجموعة من الأدوات المنزلية مثل الفناجيل والأكواب القديمة، والتي قد يعود تاريخها إلى أربعينات القرن الماضي، وإذا كنت تحب أن تضع على سفرتك قطعة من التاريخ تزين بها منزلك؛ فعليك زيارة عم محمد وبضاعته التي يجلس بجوارها في المقهى الأخير بهذا التجمع.

مجموعة من الأدوات المنزلية «الأنتيكا» على مقهى ديانا

أيًّا كانت هوايتك أو اهتماماتك في الحياة؛ تجد في «مقهى ديانا» ما يرضي هذا الاهتمام، ويمنحك قطعة مميزة منه، ولكن يجب أن تكون على دراية كاملة بطبيعة التعاملات المادية في هذا المكان، فالسعر الأول ليس السعر الأخير، وعلى عكس مزادات الأنتيكا المتعارف عليها التي تبدأ بسعر وتتصاعد لسعر أعلى وفقًا لإقبال المشاركين في المزاد، يختلف الأمر في «مقهى ديانا»، ويأتي «الفِصال» ليحل محل المزايدة.

والقطعة التي عُرضت عليك بـ150 جنيهًا على سبيل المثال؛ إذا كنت مخضرمًا في شراء الأنتيكا، يمكنك أن تحصل عليها بـ50 جنيهًا فقط، كما أخبر «ساسة بوست» باسم وجيه، واحد من الزبائن المستديمين في المقهى.

الجهة اليمني من تجمع بائعي الأنتيكا على «مقهى ديانا»

أربعة مقاهي متجاورة، يُطلق عليها كلها «مقهى ديانا»، تُباع البضائع على هذه المقاهي بطريقتين، إما بالاتفاق المُسبق بين البائع والشاري من خلال إحدى مجموعات موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، والتي يعرض من خلالها البائع صور بضاعته، ويبدأ المهتمون بالبضاعة المزايدة عليها بالتعليقات، والسعر الأخير المكتوب في الوقت الذي يحدده عارض الصورة، يُغلق المزاد، ويتقابل الشاري والبائع على «مقهى ديانا» يوم السبت للتسليم والاستلام.

وإما الطريقة المعتادة بالعرض والطلب، فيجلس البائع أمام واحدة من تلك المقاهي وأمامه منضدة مرصوص عليها بضاعته، ويمر الشاري يعاين البضاعة ويبدأ «الفِصال».

«عندما يخطو الكبار.. نحن الصغار نتبعهم».. لماذا ديانا؟

من بين كل المقاهي الموجودة في منطقة وسط القاهرة، لماذا اختار بائعو الأنتيكا تلك النقطة بالذات؟

في البداية، ومنذ ما يزيد على 40 عامًا، لم تكن «مقهى ديانا» هي ملتقى تلك التجارة، بل كان مقهى قديم أمام تمثال إبراهيم باشا بميدان الأوبرا هو مكان التجمع للتجار، ولكن بعد غلق هذا المقهى؛ اختار كبار تجار الأنتيكا من مرتادي المقهى القديمة؛ «مقهى ديانا» لتكون مكانهم الجديد.

 «عندما يخطو الكبار؛ نحن الصغار نتبعهم».

هكذا وضح نابليون الأستاذ لـ«ساسة بوست» سبب انتقالهم لديانا، ونابليون الذي يعمل في بيع الأنتيكا وشرائها منذ ما يقرب من 15 عامًا؛ يرى نفسه مجرد مبتدئ، فهناك من له خبرة تزيد عن 40 عامًا في هذا المجال.

عم محمد أحد تجار الأنتيكا المُخضرمين يجلس أمام بضاعته في مقهى ديانا

يرحب مُلاك المقاهي بالتجار والمشترين أيضًا ولكن بمقابل، فكل تاجر أنتيكا عليه تأجير «ترابيزة» يوم السبت مقابل 10 جنيهات، أو 20 جنيهًا غير متضمنين المشروبات، وهذا وفقًا لحجم الترابيزة والمدة التي ينوي التاجر عرض بضاعته فيها.

ومع قدوم المشترين لا تجد في المقاهي موطئ قدم خالٍ، وربما لا تجد شخصًا جالسًا ليس له علاقة بالأنتيكا، ويبدو أن رواد تلك المقاهي يتجنبون يوم السبت، لإدراكهم خصوصية هذا اليوم وطقوسه المعتادة منذ 10 سنوات.

من هواة لمحترفين.. «الحجز مع الواجب»

معظم التجار على هذا المقهى، كانوا مجرد هواة ومحبين للأنتيكا، واحد منهم من اهتم بالجمع والاقتناء لفترة طويلة، حتى تطور الأمر وأصبح واحدًا من هؤلاء التجار الذين كان يسعى لبضاعتهم، ويزورهم كل سبت للاستلام.

يخبر محمد جلهوم «ساسة بوست» أنه منذ أكثر من ثلاث سنوات اعتاد السفر من الشرقية وزيارة هذا المقهى لحبه للعملات والرغبة في اقتنائها، ومع الوقت أسره هذا العالم، ووجد فيه فرصة جيدة للتجارة، خاصة بعد الخبرة التي اكتسبها من التعامل مع هؤلاء التجار أثناء الشراء منهم.

محمد جلهوم أمام بضاعته داخل مقهى ديانا

عندما بدأ جلهوم تجارته، كانت البضاعة تتضمن العملات فقط؛ لكونها البضاعة التي اكتسب عنها أكبر قدر من الخبرة، ولكن مع الوقت توسعت تجارته إلى أنواع أخرى من الأنتيكا، مثل الأحجار الكريمة، والنظارات، وساعات اليد، وكاميرات التصوير أيضًا، مؤكدًا لـ«ساسة بوست» أن مجموعات موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، والتي تعد بمثابة مزاد علني افتراضي؛ كان لها دور كبير في تعليمه تلك المهنة، من خلال مراقبة المزادات وسلوك التجار والمشترين.

مركز فاقوس بمحافظة الشرقية، يعد واحدًا من أهم مصادر بضاعة جلهوم، حيث تجمعه علاقات بأصحاب المنازل القديمة في عدة قرى أخرى، وبعض بائعي «الروبابيكيا». موضحًا لـ«ساسة بوست» أن بعض الناس يتخلون عن أشياء غاية في الأهمية، ولها قيمة كبيرة، ولكنهم لا يدركون ذلك، وحتى يجد جلهوم البضاعة التي تستحق الاقتناء والتجهيز للعرض؛ يتطلب الأمر مجهودًا كبيرًا ودقة في البحث بين تلك البضاعة المكدسة.

بعض بائعي الأنتيكا على مقهى ديانا، لا يفضل التعامل مع بائعي الروبابيكيا، لأن هذا الأمر يعني نقصًا في الربح، ويفضلون التعامل المباشر مع سكان المنازل الذين يودون التخلص من «كراكيب» ورثوها عن أجدادهم، ولم تعد لها قيمة لديهم، ولكنها قد تساوي المئات بل الآلاف لمحبي الأنتيكا.

ويخبر عم محمد «ساسة بوست» أن أفضل البضائع التي يمكن الحصول عليها؛ تأتي من المنازل القديمة في الإسكندرية، حيث كان يعيش الكثير من الأجانب الذين غادروا البلد أو توفوا وتركوا منازلهم عامرة بما يراه البعض «خردة»، بينما تراه العين الخبيرة كنزًا حقيقيًّا يمكن تحويله إلى مال وفير مع الوقت.

أحد بائعي مقهى ديانا يعمل في بيع الأنتيكا منذ 30 عامًا

«الحجز مع الواجب» هي جملة يعرفها جيدًا كل تجار الأنتيكا الموجودين في ديانا، ويستخدمونها في التعليقات على مجموعات «فيسبوك» عندما يعرض أحدهم بضاعة شحيحة لدى الآخر، فيكتب له هذا التعليق ومعناه أن صاحب البضاعة يجب أن «يعمل الواجب» مع زميله ويمنحه القطعة بثمن أقل من المباع للشاري العادي، ولذلك قد يكون زميل التاجر الذي يجلس جواره على المقهى هو نفسه مصدر بضاعته، في حالة توفر «الزبون» لدى البائع الذي لا تتوفر البضاعة لديه.

«الزبائن أيضًا أنواع» كما يخبرنا باسم وجيه، الذي يعد من الزبائن المحترفين، والذي يجمع الأنتيكا منذ سن المراهقة وحتى وصل إلى العقد الرابع من عمره، وتلك النوعية من المشترين يصعب على التجار خداعهم في أسعار البضاعة.

يؤكد باسم أن الأمر تطلب منه الكثير من الوقت، والأموال المهدورة حتى يدرك الثمن الحقيقي للقطعة التي يود اقتناءها، وعلى الرغم من اقتنائه مجموعة كبيرة من الأنتيكا، والتي تتنوع ما بين العملات والمقتنيات النازية، فهو لا يفكر في تحويل نشاطه من هاوٍ لمحترف، فكل قطعة يمتلكها هي قطعة عزيزة على قلبه لا يستطيع الاستغناء عنها، حتى وإن ربح من بيعها مبالغ طائلة.

مجموعة من العملات النادرة على مقهى ديانا

عندما تعلن الشمس موعد رحيلها، ويتهيأ الزبائن بجمع ما اشتروه وطلب الحساب من «صبي» القهوة، يبدأ التجار في جمع بضاعتهم في الحقائب مرة أخرى، ويرحلون واحدًا تلو الآخر وفقًا لميعاد القطار الخاص بهم، والذي ينقلهم إلى محافظاتهم، حيث عملهم الأساسي. فهذا موظف، أو مدرس خط عربي، أو حتى مالك لتجارته الخاصة مثل نابليون الأستاذ، والذي يملك «سوبر ماركت» صغير في محافظته – المحلة- والذي أطلق عليه أصدقاؤه في الجيش هذا الاسم؛ نظرًا إلى تشابه ملامحه مع ملامح نابليون بونابرت.

خلال الأسبوع الذي يلي وصولهم إلى منازلهم، يبدأ التجار في سباق المزادات مرة أخرى على مجموعات «فيسبوك»؛ استعدادًا ليوم السبت المقبل، طامحين في بيع أكبر كمية ممكنة من البضائع على «الإنترنت»؛ فربما لا يكونون في حاجة لتأجير طاولة والانتظار من أجل «زبون» على استعداد للدفع، وقتها فقط يسافر التاجر ومعه البضاعة المطلوبة من الإنترنت، ويكون «مقهى ديانا» مجرد مكان للتسليم والاستلام.

الطربوش الأحمر.. حكايات بنكهة الاستقلال وأحلام الصناعة العربية المقهورة