كشفت آخر إحصائيات «المنظمة العالمية للذهب» عن امتلاك الجزائر احتياطي من الذهب يقدّر بـ 173.6 طن؛ وضعها في المرتبة الأولى إفريقيَا والثالثة عربيًا في قائمة الدول التي لديها أكبر احتياطي من الذهب؛ غير أنّ تباث إحتياطي الجزائر من الذهب رغم عمليات التنقيب والإنتاج السنوية أثار الارتياب عند الجزائرين عن مصير ذلك الإنتاج.

وأمام هذا الجدل حول مصير انتاج الجزائر السنوي من الذهب، تضاعفت في السنوات الاخير عمليات التنقيب غير الشرعية في الصحراء الجزائرية ما يهدد الإقتصاد الجزائري بالضرر؛ في هذا التقرير نسلط الضوء عن إنتاج الذهب بالجزائر وعمليات التنقيب غير الشرعية، ونستطلع -رفقة الخبراء- الأسباب المؤدية إلى عدم نمو احتياطي الجزائر من الذهب خلال الفترة الماضية.

«سجن العقرب الجزائري».. سجن الحراش من مُعتَقلٍ للثوار إلى نُزل رجال النظام

ثروة الذهب في الجزائر.. 10 سنوات من الاحتياطي الثابت

يُراوح احتياطي الجزائر من الذهب مكانه منذ سنة 2009، فعلى الرغم من عمليات التنقيب والإنتاج التي تقوم بها الجزائر سنويًا في مناجم الذهب بالجنوب، لكنّ احتياطها بقي في مستوى واحد؛ فقد كشفت الأرقام الأخيرة الصادرة عن «المجلس العالمي للذهب» أن احتياطي الجزائر من الذهب بقي دون تغيير عند 173.60 طن في الربع الثاني من عام 2019، وهو الرقم الذي مازالت تحافظ عليه الجزائر منذ مطلع الألفية الحالية رغم ارتفاع احتياطها من الصرف في الفترة من 2008 حتى 2014.

وخلال السنوات الأخيرة بدأ احتياطي الجزائر من الذهب في الإنخفاض؛ فبعد أن بلغ أعلى مستوى له في النصف الثاني من سنة 2017؛ عند مستوى 173.64 طن؛ شهد احتياطي الذهب بالجزائر انخفاض هذه السنة إلى مستوى 173.60 طن وهو ادنى مستوى له.

الجزائر أكبر إحتياطي ذهب في افريقيا

كما تسبب انخفاض القيمة النقدية المحولة للذهب بين عامي 2009 و 2019 في خسارة مخزون الذهب الجزائري لأكثر من 2.5 مليار دولار من قيمته النقدية بعدما كانت قيمته عام 2009 تقدر بحوالي 9.75 مليار دولار في 28 يوليو (تموز) الجاري، فقد بلغت أوقية الذهب 1494 دولارًا. وهذا يعطي في المتوسط لسهم الذهب في الجزائر، غير المدرج في احتياطيات النقد الأجنبي، حوالي 7 مليارات دولار وهي نسبة تمثل 7.21 % من احتياطيات النقد الأجنبي التي بلغت 80 مليار دولار في شهر فبراير (شباط) الماضي.

وعن الأسباب المحتملة لانخفاض احتياطي الجزائر يوضح الدكتور بوحفص الرواني أستاذ علم الإقتصاد بجامعة غارداية في حديثه مع «ساسة بوست» أنّ« إحتياطي الجزائر من الذهب ليس له تأثير على إحتياطات الأجنبية والذي يقدر بنسبة 6.4% من مجموع الاحتياطات ضمن ميزان المدفوعات والتي من المفروض أن تكون غطاء للإصدار النقدي كما أن الجزائر كغيرها من الدول أصبحت متخوفة من اتفاقية «البنك المركزي الذهبية (CBGA)» الموقعة في واشنطن في 26 سبتمبر (أيلول) 1999 تحت إشراف «صندوق النقد الدولي» و«المجلس العالمي للذهب»».

وعن العلاقة بين تراجع إحتياطي الصرف وتراجع احتياطي الذهب بالجزائر يعتبر  الرواني أنّ «تراجع احتياطي الصرف ليس له علاقة بالذهب بحكم أن معامل تأثير الذهب النقدي على إحتياطي الصرف لا يتجاوز 7% في العشر سنوات الأخيرة وإنما يعود إلى تذبذب أسعار النفط وضعف الصادرات خارج قطاع المحروقات».

كيف يفسر الاقتصاد صعود عملة الجزائر رغم التوترات السياسية؟

أين يذهب الإنتاج الإضافي للجزائر من الذهب إذًا؟

في سنة 2009؛ كان احتياطي الجزائر من الذهب في حدود 173.6 طن، مع توقعات أن يبلغ مستوى الإنتاج ثلاثة أطنان سنويًا، غير أنّ «المنظمة العالمية للذهب» في إحصاءاتها السنوية أكدت أنّ مخزون الجزائر من الذهب بقي تابثًا منذ 10سنوات، ليطرح الجزائريون التساؤل: أين ذهب الإنتاج الإضافي لمناجم الذهب الجزائرية طيلة هذه المدّة؟.

وفي حديثه مع «ساسة بوست»، يرجع الخبير الاقتصادي كمال الدين ديب سبب بقاء مستوى إحتياطي الذهب عند مستوى واحد منذ أزيد من عقدٍ من الزمن إلى أن ضعف الإنتاج الذي انتقل من أكثر من طن سنة 2009 إلى 286 كلغ السنة الماضية وهو تراجع كبير يصل لأكثر من560 كلغ، وأضاف ديب أنّ «هناك سبب آخر لضعف الإنتاج وهو العجز المالي و الهيكلي لـ«شركة تعدين الذهب (ENOR)» والذي وفقًا لوزير الصناعة السابق يوسف يوسفي بلغ 400 مليون دينار بنهاية العام المنصرم».

من جهته حمّل الصحفي والخبير الإقتصادي إبراهيم خاطر نظام بوتفليقة المسؤولية عن نهب إنتاج الجزائر من الذهب مؤكدًا أنّ «احتياطيات الذهب قد انضمت إلى مصير «صندوق التضامن»، وإنتاج مناجم الذهب في جنوب الجزائر يبيع في الأسواق الموازية ويبيع في السلع المهربة».

وجديرٌ بالذكر أنّ «الشركة الجزائرية لاستغلال مناجم الذهب» تعدّ اليوم منتج الذهب الوحيد في البلاد، وهي شركة مملوكة بالكامل للدولة بعد أن كانت «شركة التعدين الأسترالية» تمتلك في السابق حصة الأغلبية، التي استحوذت عليها في الفترة من سنة 2005 إلى سنة 2006، لكنها باعت 52% من أسهمها في الشركة إلى الحكومة في عام 2011، في حين اكتفت «الشركة الاسترالية» بإستكشاف الذهب في أربعة مناطق على الأقل جنوب البلاد.

ويعتقد الكثيرون أنّ ثروات الجزائر الباطنية هي النفط والغاز فقط؛ غير أنّ ما يزخر به باطن الجزائر من ثروات معدنية يجعلها من أغنى الدول في العالم؛ حيث تشير التقديرات الرسمية إلى أن الاحتياطيات المؤكدة للجزائر من المعدن الأصفر هي في حدود 100 طن، في حين تقدر الإمكانات الإجمالية بأكثر من 200 طن حسب الرئيس والمدير التنفيذي لـ «الشركة الوطنية لمعالجة الذهب والتعدين».

وتعتمد الجزائر في إنتاجها للذهب على المناجم المنتشرة بمنطقة الأهقار التي طالما يرتبط إسمها بالمعدن الأصفر؛ حيث يبلغ حجم الاحتياطيات الجيولوجية في منجم «أمس ميسا» الواقع على بعد 400 كلم من ولاية تمنراست حوالي 3.38 مليون طن بمتوسط ​​درجة 18 غ/طن، أمّا منجم تيراك فتبلغ الاحتياطيات الجيولوجية به 730 ألف طن بمتوسط ​​درجة 18 غ/طن، في حين أن احتياطيات تيريرين الواقعة على بعد 450 كم شرق تمنراست تصل إلى حوالي ألف 100 طن بمتوسط ​​درجة 17 غ/طن وأخيراً منجم  أبيجاي» حيث تقدر الاحتياطيات بحوالي 3 ملايين طن بدرجة 3.59 غ/طن.

وعن حجم الذهب الخام غير المستخرج من صحراء تمنراست كشف دوغ بيركنز، المدير التنفيذي لـ«شركة مناجم الذهب الجزائرية» عن غنى الجزائر بثرواتها قائلاً: «طوال حياتي المهنية، لم أر أبداً مجالًا واعدًا مثل منجمي تيراك وامس ميسا. إنها فرصة لا تأتي سوى مرة واحدة في العمر» وهذا عند وصفه النتائج الأولى للأبحاث التي أجرتها الشركة الجزائرية الأسترالية في منطقة أمس ميسا، الواقعة على بعد 460 كم غرب تمنراست في أقصى الجنوب الجزائري.

وأضاف دوغ بيركنز: «يمكن أن ينتج عن الإيداع ما بين 200 ألف و 300 ألف أونصة من الذهب سنويًا في فترة ما بين ثلاث إلى خمس سنوات القادمة. حيث يقدر الإنتاج المتوقع للودائع بحوالي 8 آلاف أوقية في الشهر، مما سيتيح إنتاجًا إجماليًا يبلغ 100 ألف أوقية سنويًا» .

200 طم القيمة المتوقعة لمخزون الجزائر من الذهب

وكانت وزارة الصناعة والمناجم الجزائرية كشفت نهاية العام الماضي على لسان وزيرها السابق، يوسف يوسفي، بأن الحكومة الجزائرية دخلت في مفاوضات متقدمة مع مجموعة من الشركات الأجنبية لإستغلال مناجم الذهب في ولاية تمنراست وذلك من أجل اختيار الشريك المناسب قبل الانطلاق في استخراج واستغلال هذه الثروة من المعدن النفيس، ضمن خطةٍ وضعتها الحكومة الجزائرية لخلق الثروة بعد سقوط أسعار الذهب الأسود.

وكشف الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد في جامعة بسكرة كمال الدين ديب في حديثه مع «ساسة بوست» أنّ «الجزائر تمتلك مخزون كبير من الذهب قدره المختصين بـ200 طن، قادر على خلق ثروة صافية بقيمة 10 مليارات دولار؛ غير انّ تدني نسبة الإنتاج السنوي المصرّح بها وهي في حدود طنين اثنين سنويًا جعل الجزائر تتكبد خسائر كبيرة، فأطنان الذهب غير المستخرجة والمستفاد منها والتي في غالب إذا استمرت سياسة الحكومة في عدم التركيز على قطاع الذهب بالبلاد سيجعل تلك المقومات الباطنية عرضةً للنهب من طرف المنقبين غير الشرعيين».

وأضاف ديب أن «هناك عشرات المناطق التي تزخر بمقومات باطنية ثمينة غير الذهب لم تستغل بعد؛ ونحن مازلنا منذ 2008 إلى اليوم مع منجم أمس ميسا وتيراك ولم نستطع إستخراج كميات الذهب الكبيرة في هذين المنجمين» .

التنقيب غير الشرعي عن الذهب يهدد اقتصاد الجزائر

تحول البحث والتنقيب عن الذهب في أقاصي الصحراء الجزائرية إلى أمر أشبه بأفلام المغامرات يتحدى من خلالها آلاف المغامرين من أبناء المنطقة والقادمين من ولايات الشمال ودول الجوار؛ قساوة الصحراء وملاحقات الأمن الجزائري من أجل الظفر ببعض الغرامات من الذهب تقفز بهم إلى عالم الثراء؛ وتنسيهم شبح الفقر الذي زادت إجراءات الحكومة التقشفية من نسبته خلال الفترة الأخيرة.

وعلى الرغم من مضاعفة قوات الأمن الجزائرية من إجراءاتها لوقف نهب الذهب الذي يعدّ من بين أهم الثروات العديدة التي تزخر بها البلاد ولم تستغل بعد، خاصة بعد زيادة الإقبال على التنقيب غير القانوني من قبل عصابات أفريقية؛ غير أن ذلك لم يمكن من إيقاف التنقيب والبحث غير الشرعي عن المعدن الأصفر.

(«بلال. ب.» شاب ثلاثيني من ولاية تبسة؛ يمتلك سيارة وفيلا فاخرتين، يروي لـ«ساسة بوست» قصة ثرائه السريعة بالقو : «كنت عاملًا بسيطًا في شركة للغاز من ولاية غارداية حصلت على عقدٍ من شركة «سوناطراك»؛ فأنتقلنا للعمل في منطقة عين أميناس، أثناء اشتغالي كسائق لألة حفر عثرت على مكان به الذهب، بحيث كنت يوميًا أعثر على صخور ذهبية تصل إلى نصف كيلوغرام».

ويضيف بلال أنّ مناطق الجنوب صارت في السنوات الأخيرة محجًا للمنقبين عن الذهب، ويضيف مازحًا «من أراد الثراء الفاحش والسريع فلن أنصحه إلّا بالبحث عن الذهب في صحراء عين أميناس» .

صحراء الطاسيلي تزخر بالذهب

الصحراء الجزائرية

من جهته يؤكد موسى الأنصاري أحد المنقبين عن الذهب في المنطقة في حديثه مع «ساسة بوست» أنّ المناطق التي تنشط بها مهنة التنقيب عن الذهب هي تاسيلي أزجر، والمواقع القريبة من منجم الذهب في أمس ماسة وتيراك ويضيف موسى أن عمليات التنقيب هذه بدأت تشهد تزايدًا منذ خمسة سنوات بسبب الشائعات التي كانت تطلق على المنطقة بأنها غنية بالمعادن النفيسة.

وعن الشروط الواجب توفرها في المنقب عن الذهب كشف موسى أن «عملية التنقيب تركزت على شرطين مهمين، وهما حيازة خريطة كدليل عن أماكن محتملة للذهب، وحيازة آلات الكشف عن المعادن».

ويلعب الحظ دورًا كبيرًا في التنقيب إذ يشير الشاب العشريني «محمد. غ» في حديثه مع «ساسة بوست» إلى أنه «لكي تنجح جهودك في التنقيب عن الذهب عليك أن تكون محظوظًا، بدايةً من نجاتك من نصب من يبيعون الخرائط التي لطالما تكون مسرّبة عند أجهزة الأمن وأن تكون محظوظًا في أنّ الأماكن التي بها الذهب لم يسبقك إليها قوات «الجيش الشعبي الوطني» التي تغلق مثل تلك المناطق».

وتعمل قوات الجيش والأمن الجزائرية على مواجهة عمليات التنقيب من خلال الدوريات المكثفة التي يشنها الأمن بحثًا عن المنقبين، وفي هذا الصدد يشير وليد دغاري، أحد سكان منطقة التاسيلي في حديثه مع «ساسة بوست» إلى أن «الجيش الجزائري في مواجهة يومية مع الباحثين عن الذهب؛ وأن قيادة الجيش تعتبر الصحراء منطقة عسكرية يمنع التنقل فيها إلا بعد الحصول على إذن من السلطات، بسبب الوضع الأمني المضطرب في دول الجوار»، مضيفًا أنّ قوات الأمن تعتقل دوريًا عصابات إفريقية تعمل في مجال التنقيب عن الذهب.

وتعمل السلطات الجزائرية على الحدّ من عمليات التنقيب السري عن الذهب بعد ما أصبح حسب الخبراء يشكل تهديدًا الإقتصاد الوطني من خلال ضرب احتياط الذهب من جهة واستنزاف الثروات من جهة أخرى، وذلك من خلال تكفل الجيش الجزائري بمواجهة التنقيب في الصحراء، عن طريق عملياته العسكرية التي استطاع بها مطلع هذه السنة إعتقال العشرات من المنقبين و حجز أجهزة كشف عن المعادن، وعشرات الأطنان من حجارة الذهب.

وتتراوح الأحكام الصادرة بحق المتهمين في قضايا البحث والتنقيب عن الذهب في الجزائر بالسجن لفترة تتراوح ما بين ستة أشهر إلى سنتين، وتوجه لهم تهم بمباشرة نشاط مهني خاضع لتنظيم خاص دون إذن من السلطات، والتعدي على الثروة الوطنية، وحيازة مواد يخضع إدخالها للتراب الوطني الجزائري لقانون خاص في إشارة إلى آليات التنقيب.

بدوره شدّد الدكتور رواني بوحفص أستاذ الإقتصاد بجامعة غارداية في حديثه مع «ساسة بوست» على ضرورة وضع السلطات الجزائرية لقوانين وتشريعات أكثر صرامة للحد من التنقيب غير الشرعي عن الموارد النفيسة، مقترحًا متابعة دورية من طرف الحكومة بالإضافةً إلى ضرورة تأسيس شركة وطنية متخصصة في التنقيب عن الذهب وجعله من أمور السيادة الوطنية.

«يلزمك الأكتاف لكي توظّف».. كيف تفاقم «المحسوبية» مشكلة البطالة في الجزائر؟