كان وليام إدي واحدًا من العديد من المسيحيين المخلصين الذين عملوا في قطاع النفط -خصوصًا شركة أرامكو- وساعدوا في بناء تحالف محوري في سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. في مقال نشرته مجلة «ذا نيو ريببلك» الأمريكية، يتناول دارين دوشوك، أستاذ التاريخ المشارك في جامعة نوتر دام ومؤلف كتاب «المبارك بالنفط: كيف صنعت المسيحية والنفط أمريكا المعاصرة»، رحلة إدي في المملكة العربية السعودية والمنظمة التي أسسها داخل شركة أرامكو.

يشير الكاتب إلى أنه في 14 فبراير (شباط) من عام 1945، عبر الملك السعودي عبد العزيز آل سعود، ومعه مستشاروه ومبعوث الولايات المتحدة وليام إدي، الممر من المدمرة البحرية يو إس إس مورفي إلى الطراد يو إس إس كوينسي، لعقد أول لقاء على الإطلاق بين ملكٍ سعودي ورئيس أمريكي. وأثناء تناولهما الغداء والقهوة التي صبها الملك عبد العزيز بنفسه للرئيس فرانكلين روزفلت، عقد الرجلين اتفاقًا.

ويبدو أن الملك عبد العزيز كان يؤمن بأنهما أشبه بتوأمين؛ إذ إن عمريهما متقارب وتثقلهما مسؤوليات وأوجه عجز متشابهة (كان الرئيس مُصابًا بشلل الأطفال وعاجزًا من الخصر إلى أسفل جسمه، وكذا كان الملك إثر جراح الحرب)، وقد وطد ذلك علاقتهما. أهدى روزفلت الملك عبد العزيز كرسيًا متحركًا مثل كرسيه، وقد تباهى به الملك لاحقًا، قائلًا  «هذا الكرسي هو أغلى مقتنياتي. إنه هدية أعز أصدقائي، الرئيس روزفلت، رحمه الله».

Embed from Getty Images

حقبة إدي

بحسب دوشوك، حظي إدي –وهو ابن كنيسة تبشيرية- في أعقاب هذه الاتفاقية التاريخية بمساعدة الرئيس ليصير حكمًا على أحلام الدولتين في التطور الاقتصادي فيما بعد الحرب.

وفي الأعوام التالية، وقف هو ومعاونوه، الذين اختارهم بنفسه، في قلب العلاقة السعودية الأمريكية المزدهرة، وكذلك في قطاع النفط الذي كان يزداد عالميةً؛ لتشكل هذه العلاقة -وفقًا للكاتب- فصلًا حيويًا خلال مدة زادت عن قرن اتسمت بالنشاط النفطي القائم على العقائد الدينية، الذي شكّل الاقتصاد الأمريكي والسياسة الخارجية.

كان وليام إدي ثمرة التبشير في بيروت. إذ يروي دوشوك أن أجداده ووالديه كانوا ممن سعوا إلى تحويل الشرق الأوسط إلى المسيحية، من خلال مجلس المفوضين الأمريكيين للبعثات الأجنبية. وبعد أن ترعرع في سوريا والتحق بعدها بجامعة برنستون ليتخرج فيها ثم يحصل على درجة الدكتوراه –ولم تقطع هذه المسيرة إلا الحرب العالمية الأولى- قبل إدي وظيفة تدريس في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، حيث راجع ما يعرفه عن العالم الإسلامي.

غير أنه في الثلاثينيات، حسبما أورد الكاتب، وفي خضم معاناته لتأسيس عائلة في القاهرة، رجع إلى الولايات المتحدة، ووافق في نهاية المطاف على تولي رئاسة كليات هوبرت ووليام سميث، وهي مدرسة أسقفية واقعة في شمال ولاية نيويورك.

وبينما تجمع قدماء الحرب من أنحاء أوروبا خلف الأبواب المُغلقة، التقى إدي بفرانسيس ساير، مساعد وزير الخارجية الأمريكي، وآخرين من أجل «تبادل النقاش الصريح» على حد قول ساير، «فيما إذا كانت أي من الخطط تبدو عملية وممكنة لجعل مسيحيتنا أكثر قوة وهيمنة في عالمنا الحالي»؛ إذ كان الهدف المشترك هو محاربة الحكم الشمولي بالقيم الدينية.

يشير دوشوك إلى أن إدي عمل مبعوثًا للولايات المتحدة في المملكة العربية السعودية تحت حكم روزفلت، وكان قد ساعد خلال تلك المدة في الترتيب للقاء المصيري على متن الحاملة كوينسي، وتلا ذلك عمله لعامين مساعدًا خاصًا لوزير الخارجية في شؤون البحث والاستخبارات، وذلك قبل أن يعود إلى السعودية بصفته مستشارًا لشركة النفط العربية الأمريكية (أرامكو).

فقد أسهم سخطه على الدعم المتزايد للدولة اليهودية من جانب البيت الأبيض إسهامًا كبيرًا في اتخاذه هذا القرار. لكن فرصة استعادة تواصله بمملكة الملك عبد العزيز كانت الإغراء الأكبر.

وعندما عينت أرامكو إدي، كان الغرض مباشرة توسيعًا ضخمًا لعملياتها بقيمة 500 مليون دولار. أوضح دوشوك أن الشركة عينت في هذه المرحلة ما يقرب من 20 ألف عامل، كان منهم 4 آلاف أمريكي من عمال الحفر والمهندسين والمديرين الذي ساعدوا في الإشراف على 13 ألف عامل سعودي و3 آلاف عامل آخر من الهند وبلدان أخرى في الشرق الأوسط.

ولحاجتها إلى سفراء مثل إدي يربطون هذه الإمبراطورية مترامية الأطراف ببعضها بحسٍ من المسؤولية، جمعت أرامكو فيلقًا من أصحاب الرؤى. ولم تكن مسؤولية إدي ورفاقه مجرد إحاطة أرامكو بأكذوبة الرأسمالية المستنيرة، بل كذلك تحفيز العمليات الميدانية التي لها طابع التبادل الثقافي والمسكوني.

Embed from Getty Images

دور بارز لمنظمة العلاقات الحكومية

وسرعان ما اتسعت المنظمة التي أسسها إدي ورجاله داخل أرامكو لتنفيذ هذه المهمة، بشكلٍ لم يشهده قطاع النفط العالمي من قبل. إذ أطلقت عليها أرامكو «منظمة العلاقات الحكومية». ولما كانت مصممة لتكون وكالة متعددة العلاقات ذات قاعدة مركزية في قطاع النفط السعودي وقنوات الاتصال التي تصل إلى واشنطن، تحولت سريعًا إلى جنةٍ للخبراء الشغوفين بالثقافة العربية الذين رأوا شركة النفط أفضل مُتنفس لطموحاتهم.

كان ديفيد دودج، الذي انضم إلى أرامكو عام 1949، ابن بيارد دودج، رئيس الجامعة الأمريكية في بيروت، وقد حصل على تدريب للخريجين في الدراسات الشرقية من جامعة برينستون.

ويذكر الكاتب أن دودج الابن وإدي والآخرين الذين انضموا لهما في«منظمة العلاقات الحكومية»، تحدثوا اللغة العربية بطلاقة وكانوا على دراية جيدة بالعادات المحلية، ولديهم التزام بنوعٍ من النزعة الدولية التي نبعت من إيمانهم الخاص، بل وكانوا متلهفين لأن يستبدلوا بحياتهم المهنية في واشنطن مهمة غير مضمونة (ولكن أكثر ربحًا)، رأوا في أرامكو الوسيلة التي ستمكنهم من تحويل وطنهم بالتبني. وفي وقتٍ قصير، شغلوا جميع الوظائف المهمة التي استحدثتها المنظمة لأقسامها المستقلة في الأبحاث والترجمة، وكذلك في الحكومة والشؤون المحلية.

يفيد دوشوك بأن ثلاثة من رفاق ديفيد دودج تحملوا العبء الأثقل في عملية بناء الجسور: هم توم بارجر؛ الذي كان مسؤولًا عن المفاوضات بين الشركة وقادة السعودية، وجورج رينتز؛ الذي عمل في قسم الشؤون العربية واعتبرته أرامكو باحثًا خبيرًا باستطاعته الاضطلاع بالأبحاث وتقديم الإرشادات وخدمات الترجمة، ووليام موليجان؛ الذراع اليمنى لرينتز.

كان للرجال الثلاثة خبرة في الجامعة وفي أيام الحرب في المنطقة، ويؤكد الكاتب على أنهم كانوا كذلك مسيحيين مخلصين. وبينما كان رينتز من البروتستانت التقليديين، بدا أن الكاثوليكيين موليجان وبارجر يزدادان ورعًا خلال مكوثهما في السعودية. وقد صار الدين، وهو جوهر حياتهم الشخصية بالفعل، عملهم المهني في مدينة الظهران، في ظل الاضطلاع بمهمة ربط الإسلام بالمسيحية؛ وربط مسلمي الشرق الأوسط بمهمة شركة النفط الغربية في «نشر التحضر».

وفي أعلى مستوى لواجهة الشركة، سعوا إلى إكساء مهمة أرامكو بأسرها عباءة الاحترام المشترك للقدسية. وقد عملوا بدأبٍ أكاديميين متخصصين في الدراسات الإسلامية، ونشروا وقدموا منحًا دراسية أصلية وكتبوا سيرًا ذاتية تروق لأكبر الجامعات حول العالم؛ وكل ذلك سعيًا لتعزيز سمعة أرامكو بوصفها مركزًا للتبادل الثقافي واللاهوتي.

Embed from Getty Images

أرامكو قلعة لعالمية المعتقد

يشير الكاتب إلى أنهم عملوا شمامسة للنوايا الحسنة لدى الملك السعودي. وكانت أكثر مهامهم إلحاحًا ممثلة في تخفيف الضغط الموضوع على كاهل أرامكو من جانب الثيوقراطية المسلمة التي كانت ضرورياتها للحياة اليومية –التي تطبقها «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»- متشددة.

وعلى الرغم من السماح ببعض السلوكيات الغربية المتحررة داخل مجمعات أرامكو (كتناول المشروبات الكحولية)، لم يكن أمام مغتربي أرامكو في العموم إلا أن يتصرفوا مثل أقرانهم المسلمين. وكانت رسالة موليجان ورينتز هي: لماذا لا يفعلون ذلك بعقلية مراعية (بل وجميلة)؟ وهي الأسس التي يقول دوشوك إنهم مرروها من خلال المواد التعليمية التي ساعدوا في وضعها، والتي اطّلع عليها العاملون في أرامكو قبل توجههم إلى الشرق الأوسط.

فعل أفراد فريق إدي ما في وسعهم لدعم الموقف السياسي للملك. ومن أجل مساعدته في درء الانتقادات الموجهة له من الأصوليين الذي عارضوا الاستحقاقات التي قدمها إلى شركة غربية، استغل سفراء أرامكو أقلامهم للتبشير بكونه القائد المبارك الذي سيقود مجتمعه نحو الثراء والرفاهية دون التضحية بالتقاليد أو الإيمان.

ويشير الكاتب إلى أن رجال أرامكو المعنيين بالعلاقات الحكومية أثبتوا مهارتهم العالية في ترويج الأخبار المقنعة، وإن كانت محرفة، التي قالها وليام إدي إلى أصحاب النفوذ في واشنطن وغيرها. ولم يقتصر الأمر على إخفائهم الأبعاد الاستغلالية لغزو شركة أرامكو المجتمع السعودي، لكنهم كذلك تجاهلوا بعض التصدعات في النظام كانت قد بدأت في الظهور في عمليات الشركة في الوقت نفسه.

إذ كانت هذه الخلافات الأساسية ومعها المخاوف الأولية للملك عبد العزيز وضع إسرائيلي- بمثابة اختبار لحماسة إدي وشركائه لدور أرامكو البناء في الشرق الأوسط.

Embed from Getty Images

خطة حالمة لم يكتب لها النجاح

يذكر دوشوك أنه في عام 1953، وفي خضم تصاعد حدة التوترات بسبب إسرائيل، صارت الأوضاع الجيوسياسية في الشرق الأوسط في وضع حرج. وفي أوائل ذلك العام، تولى دوايت أيزنهاور رئاسة الولايات المتحدة، واعدًا بسياسةٍ أمريكية جديدة في المنطقة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، كان موت الملك عبد العزيز نهايةً لحقبة الاكتشافات النفطية والدبلوماسية السياسية التي ساعد إدي في الإشراف عليها.

استجاب إدي لذلك الوضع بتكوين جماعات ضغط جديدة. وفي خطابٍ ألقاه في كلية الحرب البحرية الأمريكية في رود آيلاند، حذر إدي من السماح بحدوث انشقاقٍ بين الأمريكيين والمسلمين. ورأى الاحتمال الواقعي لقيام انتفاضة دينية في فلسطين بقيادة الإخوان المسلمين، وهي الجماعة التي ساعد إدي وكالة المخابرات المركزية في تكوين صورة لها.

وذكر دوشوك ما ظنه إدي احتمالًا أخيرًا، وهو المفاضلة بين عرض يقدمه ثلاثة ملايين مسلم مدججين بالسلاح إلى الولايات المتحدة: «إما صديقًا قويًا أو عدوًا خطرًا». قال إدي: «لا يزال الخيار بأيدينا، وإذا أخطأنا الاختيار، فليرحم الرب أرواحنا عندها».

شدّد إدي على محاسن استمرار الالتزام نحو المسلمين العرب ومفهوم المسكونية الذي يُمارس في شركة أرامكو. وأشار إلى أن مملكة أرامكو هي نموذج مصغر للكيفية التي يمكن للولايات المتحدة والسعودية، والشرق الأوسط بالتبعية، أن يرتبطوا معًا بها، من حيث الاشتراك في اعتناق ديانة سماوية.

واستنادًا إلى هذه الركيزة الإيمانية من قوة العقيدة الثابتة في غمار الظروف المتغيرة، يمكن أن يتقارب الأمريكيون مع إخوانهم في الشرق الأوسط. وفي خطابٍ وجهه إلى الشرق الأوسط من واشنطن، دعا الأمريكيين إلى «إدراك الائتلاف الأخلاقي بين المسيحية والإسلام».

يفيد دوشوك بأنه بعد مدة قصيرة من تولي دوايت آيزنهاور الرئاسة، سعى إلى تكوين إجماعٍ سياسي مبني على قيم يهودية مسيحية مشتركة. وكان رؤيته دعوة إلى جميع الأمريكيين البروتستانت والكاثوليك واليهود لتأسيس «وطن واحد تحت حكم الرب»؛ وجمهورية يسكنها «أهل الكتاب» (الإنجيل والتوراة والقرآن) ويدعمها التوحيد، وهو ما قد ينشر الحرية الدينية والقيم الديمقراطية في أنحاء العالم ويوقف الآثار الزاحفة للشيوعية الإلحادية.

ولما كان المستعربون، من أمثال إدي ورجال العلاقات الحكومية في أرامكو، يستحثونه على السير في هذا السبيل، حاول الرئيس إحراز تطور أكثر شجاعة؛ وهو تحويل أمريكا التي ينادي بها ذات الديانات الثلاثة، إلى أمريكا رباعية الدين. إذ أمل أيزشنهاور أن ينضم المسلمون في الوطن وخارجه إلى البروتستانت والكاثوليك واليهود، في تحالف إيماني لمحاربة الخطر الأحمر (الشيوعي) وتغيير العالم.

وعلى الرغم من أن أمله هذا لن يرقى إلى «التحالف الأخلاقي» الذي دعا له إدي وزملاؤه في أرامكو وتداعى سريعًا في مواجهة الدعم الأمريكي المتزايد لإسرائيل، كانت ما نودي بها استراتيجية من شأنها تقوية العلاقات بين واشنطن والرياض، والاضطلاع دور كبير في هيكل التحالف القائم حاليًا. ويرى دوشوك أنها استراتيجية كانت ستبقى، حتى وإن لم تكن بالشكل الذي تخيله إدي لعقود، لتؤدي دورًا كبيرًا في هيكل التحالف القائم حاليًا.

«ستراتفور»: المناخ العلماني الجديد في السعودية.. كيف سيشكل تهديدًا لآل سعود؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».