في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 نشر «صندوق النقد الدولي» بيانًا على موقعه الرسمي يعلن فيه عن موافقة المجلس التنفيذي للصندوق على إقراض مصر 12 مليار دولار لدعم برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي وضعته السلطات المصرية، ذكر البيان أن البرنامج يدعم جهود استعادة استقرار الاقتصاد المصري وتشجيع النمو من خلال تصحيح الاختلالات الخارجية واستعادة التنافسية، ووضع عجز الموازنة والدين العام على مسار تنازلي، وخلق فرص العمل مع توفير الحماية لمحدودي الدخل.

ومن المفترض أن تكون هذه العناصر هي الأهداف الرئيسة، لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري المدعوم من الصندوق، لكن مع اقتراب نهاية البرنامج، وقرب استلام مصر لآخر شرائح القرض، هل تحققت هذه الأهداف؟ ربما لا تكون إجابة هذا السؤال بالسهولة التي يتخيلها البعض؛ فقياس نجاح البرنامج من عدمه يحتاج إلى نظرة شاملة على كل قطاعات الاقتصاد، بالإضافة إلى أن بعض الآثار لا يمكن تقييمها في الأجل القصير.

خلال السطور القادمة سنناقش 15 مؤشرًا اقتصاديًا تتناول أهم قطاعات الاقتصاد، لكنها بالطبع لا تتناول الجواب كاملًا؛ إذ إن هناك بعض التأثيرات الناتجة عن برنامج الإصلاح الاقتصادي غير قابلة للقياس، أو لا تتوفر لها بيانات رسمية أو غير رسمية يمكن الاعتماد عليها، وبشكلٍ عام يرى الصندوق أن البرنامج أحرز تقدمًا كبيرًا، فهل بالفعل حقق البرنامج الأهداف المرجوة منه؟

لكن في البداية يمكن الإشارة إلى أن ملخص البرنامج الاقتصادي المعلن يتلخص في معالجة جوانب الضعف الاقتصادية الكلية، من خلال أربع ركائز أساسية، وهي تعديل في السياسات، بما في ذلك تحرير نظام الصرف، وتشجيع الاستثمار والصادرات، وانتهاج سياسة نقدية تهدف إلى احتواء التضخم، والقيام بإجراءات للتقشف المالي تضمن وضع الدين العام على مسار مستدام.

بالإضافة إلى تقوية شبكة الأمان الاجتماعي عن طريق زيادة الإنفاق على دعم السلع الغذائية والتحويلات النقدية، وإجراء إصلاحات هيكلية واسعة النطاق تدفع زيادة فرص العمل للشباب والنساء، وكذلك الحصول على تمويل خارجي جديد لسد الفجوة التمويلية.

بشكلٍ عام يعتبر البرنامج مصدر جدل واسع، بالإضافة إلى وجود تضارب واضح بين تقييم الحكومة والمنظمات الدولية والمؤسسات المالية لمدى إنجاز البرنامج، وبين الرأي العام والظروف المعيشية التي تعيشها المواطن المصري منذ تطبيق هذا البرنامج، وهذه الفجوة تجعل محاولات الحكم على مدى نجاح البرنامج في النهاية منقسمة دائمًا إلى جانبين: سلبي وإيجابي، بمعنى أنه يجب الإقرار أن النتيجة النهائية للبرنامج ليست شرًا مطلقًا، ولا خيرًا مطلقًا، وخلال مناقشة كل مؤشر سنذكر التأثير، سواء كان سلبيًا أم إيجابيًا.

1- النمو الاقتصادي – إيجابي

يعد هدف تشجيع النمو أحد أهم أهداف برنامج الإصلاح الاقتصادي، وفي الواقع يمكن القول إن نمو الناتج المحلي الإجمالي (النمو الاقتصادي) كنسبة مجردة هو أهم المؤشرات التي استفادت من الإصلاح. ففي 2015 كان معدل النمو نحو 4.37%، ثم هبط المعدل إلى 4.35% في 2016، وهو العام الذي بدأ فيه تنفيذ البرنامج، بينما سجل تراجعًا طفيفًا في عام 2017 إلى 4.18%، وعاد مرة أخرى للصعود في 2018 محققًا قفزة كبيرة ليصل إلى 5.31%.

ويتوقع «صندوق النقد الدولي» أن ينمو الاقتصاد المصري إلى 5.5% هذا العام و5.9% في 2020. ووفق الأرقام المذكورة؛ فبرنامج الإصلاح الاقتصادي كان له أثر إيجابي على معدل النمو، خاصة أن معدل النمو لم يصل إلى مستوى 5% منذ 2010، إذ سجل معدلات ضعيفة جدًا خلال سنوات 2011 و2012 و2013، ولم يتجاوز معدل النمو مستوى 3%، لكن رغم هذه الإيجابية يرى الاقتصاديون أن قياس نمو الناتج المحلي الإجمالي لا يجب أن يتوقف عند معدل النمو فقط، ولكن الأهم من ذلك هو نمو نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي.

وبحسب ما تظهر بيانات «البنك الدولي» فإن  نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي تراجع خلال آخر ثلاث سنوات، فبعد أن كان 3360 دولار في 2015 تراجع إلى 2800 دولار في 2018، وهو ما يكشف عن خلل في معدل النمو، فهذا النمو لم يزد من نصيب المواطن المصري، لكن ربما مع استدامة النمو قد يختلف الوضع.

2- عجز الموازنة – إيجابي

في شهر مارس (آذار) 2016 نشرت وزارة المالية المصرية تقريرًا على موقعها الرسمي بعنوان «برنامج الحكومة الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي»»، وضعت فيه الوزارة عجز الموازنة في المرتبة الثامنة من التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري في تلك الفترة. ففي العام المالي 2014-2015 بلغ العجز الكلي بدون المنح نحو 12.5%، مقارنة مع 16.5% في العام المالي 2013-2014، فهذا العجز كان يعبر عن وجود فجوة تمويلية كبيرة خلال تلك الفترة.

بيانات الموازنة المصرية قبل وبعد الإصلاح الاقتصادي

وفي العام المالي 2015-2016 سجل نحو 12.7%، ولكن بعد ذلك اتجه العجز إلى التراجع بقوة ليسجل 11.4%، ثم 9.8%، ثم 8.4%، وذلك خلال الثلاث سنوات المالية الماضية، في إشارة إلى نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي في تقليص عجز الموازنة بقوة، أي أن تأثيره على العجز إيجابيًا، لكن يجدر الإشارة إلى أن هذا الانخفاض جاء مدعومًا بزيادة الضرائب وخفض الدعم، وبالتالي زيادة الإيرادات العامة وخفض المصروفات العامة.

3- الدين العام (داخلي/خارجي) – سلبي

يشير تقرير وزارة المالية حول برنامج الحكومة الاقتصادي مع «صندوق النقد الدولي»، إلى أن ارتفاع الدين العام هو تاسع التحديات التي يهتم البرنامج بعلاجها، وذلك بسبب القفزات المتتالية في الديون الخارجية والداخلية منذ 2010 وحتى 2016، ومن المفترض أن خفض معدل زيادة هذه الديون أحد أولويات البرنامج.

بيانات الدين الحكومي قبل وبعد الإصلاح الاقتصادي

وكما يوضح الرسم البياني السابق الذي يرصد تطور الدين المحلي والخارجي، فقد شهدت الديون زيادة كبيرة من 2010 إلى 2015، تصل إلى أكثر من الضعف، لكن منذ 2015 تضاعفت معدلات زيادة نمو الديون. فبحسب آخر البيانات المتوفرة، كشف «البنك المركزي المصري» عن ارتفاع إجمالي الدين العام المحلي للبلاد 20.25% على أساس سنوي إلى 4.108 تريليون جنيه في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2018، وذلك مقارنة مع 2.084 تريليون جنيه في 2015.

بينما سجل الدين الخارجي للبلاد 96.612 مليار دولار في نهاية ديسمبر 2018، مقارنة مع 48.1 مليار دولار في 2015، وهو ما يشير إلى أن ثمة تأثيرًا سلبيًا لبرنامج الإصلاح الاقتصادي على هذا المؤشر. بينما أمام مصر جدول سداد ديون خارجية صعب للعامين القادمين، وتسعى لتمديد آجال استحقاق ديونها والاقتراض بفائدة أقل، بالإضافة إلى أن أضرار الديون لا تظهر في الأجل القصير، فهي بمثابة ترحيل للأعباء إلى الأجيال القادمة، لذلك فالأثر السلبي للقروض ممتد للأجيال القادمة.

4- سعر الصرف – سلبي

يمكن اعتبار سعر صرف الجنيه المصري محور برنامج الإصلاح، إذ قرر المركزي المصري تحرير في 3 نوفمبر 2016، وذلك قبل موافقة «صندوق النقد الدولي» على منح مصر القرض، وقبل التعويم كان سعر صرف الجنيه نحو 8.88 جنيه للدولار، بينما استقر في يوليو (تموز) الجاري عند 16.66 جنيه للدولار، وبالرغم من أن هذا السعر هو ضعف السعر قبل بداية برنامج الإصلاح، إلا أنه أقل من مستوى الجنيه القياسي الذي سجله في ديسمبر 2016 وذلك عندما صعد إلى 19.51 جنيه للدولار.

وتوضح الأرقام أن سعر الصرف تأثر سلبًا من تطبيق مصر لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، لكن المركزي تمكن من القضاء على السوق السوداء وهذا الهدف يعتبره بعض الاقتصاديين الأهم رغم فقدان العملة الكثير من قيمتها.

5- الميزان التجاري (الصادرات/الواردات) – سلبي

وضعت وزارة المالية عجز الميزان التجاري في المرتبة العاشرة من التحديات التي تواجه مصر قبل بداية الإصلاح الاقتصادي، إذ وصلت قيمة العجز إلى نحو 39 مليار دولار في العام المالي 2014-2015، والعجز في الميزان التجاري ناتج عن الفارق بين الصادرات والواردات، ومن المفترض أن تراجع سعر صرف الجنيه كان يدعم الصادرات المصرية، إذ تعول الحكومة على خطوة تحرير سعر صرف الجنيه، في تحسين تنافسية منتجاتها إلى الخارج، وتستهدف زيادة الصادرات إلى 34 مليار دولار سنويًا بحلول 2020، ولكن كانت النتائج أقل كثيرًا من المتوقع.

بيانات عجز الميزان التجاري قبل وبعد الإصلاح الاقتصادي

ففي 2016 بلغت الصادرات المصرية 20.4 مليار دولار، فيما صعدت إلى 22.4 مليار دولار في 2017، بينما سجلت الواردات 66.3 مليار دولار في 2016، و56.8 مليار دولار في 2017، أي أن قيمة العجز تراوحت بين 46 مليار دولار و34 مليار دولار وهو ما يكشف عن عدم وجود أي تحسن يذكر، بل على العكس تفاقم العجز في 2016.

وفي 2018 بدأ عجز الميزان التجاري في التراجع مدعومًا بزيادة طفيفة في الصادرات وتراجع ملحوظ في الواردات، ووصل إلى تسجيل أول فائض له منذ خمس سنوات في الربع الرابع من عام 2017-2018، إلا أن أداء الصادرات في الربع الأول من 2018-2019 كان مخيبًا للآمال وتراجعت بنسبة 9%، مقارنة بالفترة نفسها من العام المالي الماضي، بينما استمرت زيادة الواردات؛ وهو ما دفع العجز للزيادة بنحو 94% خلال ثلاثة أشهر، بحسب بيانات «البنك المركزي المصري»، حول أداء ميزان المدفوعات خلال الفترة يوليو (تموز) – مارس من السنة المالية 2018-2019.

6- السياحة – إيجابي

استفادت السياحة المصرية بشكل كبير من برنامج الإصلاح الاقتصادي خاصة بعد التراجع الكبير في سعر الصرف الذي كان بمثابة نقطة داعمة للسياحة المصرية التي مرت بأوضاع قاسية في 2015 بشكل خاص، كان أبرزها حادث مقتل سائحين مكسيكيين في الواحات في سبتمبر (أيلول) وتحذيرات بعض الدول من السفر عبر سيناء وحادث سقوط طائرة ركاب روسية في أكتوبر (تشرين الأول)، لكن رغم ذلك بلغت الإيرادات في ذلك العام نحو 6.1 مليار دولار.

مؤشرات السياحة قبل وبعد الإصلاح الاقتصادي

لكن الانهيار الحقيقي لإيرادات مصر من السياحة، كان في 2016، عندما سجلت 3.4 مليار دولار بما يقل بنحو 44.3% مقارنة عن مستواها في 2015، واستعادت السياحة عافيتها في 2017، لتصعد الإيرادات بنحو 123.5% إلى 7.6 مليار دولار، ثم إلى 11.4 مليار دولار في 2018.

وجدير بالذكر أن أرقام إيرادات السياحة وأعداد السائحين المذكورة عبارة عن تصريحات لمسوؤلين بالحكومة دون الكشف عن هويتهم، إذ لا تعلن وزارة السياحة المصرية، عن أرقام الإيرادات السياحية أو أعداد السائحين في العامين الأخيرين بدعوى أنها أرقام أمن قومي، لكن بشكل عام يمكن القول أن السياحة في طريقها لحصد فوائد الإصلاح الاقتصادي ويمكن اعتبارها ضمن المؤشرات التي تأثر إيجابيًا بالبرنامج.

7- الاحتياطي النقدي – إيجابي

يضع «صندوق النقد الدولي» الاحتياطي النقدي في مكانة خاصة، إذ اعتبر الصندوق وصول الاحتياطيات في يونيو (حزيران) 2016 ما يعادل حوالي ثلاثة أشهر من الواردات المتوقعة بمثابة خطر يهدد الاقتصادي المصري، لذلك كان رفع قيمة الاحتياطي النقدي لمصر أحد أبرز أولويات برنامج الإصلاح الاقتصادي.

الاحتياطي االنقدي قبل وبعد الإصلاح الاقتصادي

وكما يوضح الرسم البياني السابق فقد وصلت قيمة الاحتياطيات إلى نحو 16.5 مليار دولار في يناير 2016، إلا أنه مع سياسة «البنك المركزي» بعد الإصلاح الاقتصادي والتخلي عن العطاءات الأسبوعية لدعم الجنيه قبل التعويم، واصل  الاحتياطي قفزاته حتى وصل إلى 44.351 مليار دولار في يونيو الماضي، وهو أعلى مستوياته على الإطلاق، لكن رغم إيجابية هذا الرقم، إلا أن الصعود الكبير بالدين الخارجي كان سببًا رئيسًا في وصول الاحتياطي إلى هذه القيمة.

8- تحويلات المصريين العاملين بالخارج – إيجابي

تعتمد مصر بشكل رئيس على تحويلات المصريين العاملين بالخارج، إذ يتم التعامل معها باعتبارها مصدرًا أساسيًا من مصادر النقد الأجنبي، إلا أن السوق السوداء كان لها تأثير مباشر على هذا المصدر، وبحسب «البنك المركزي المصري» فإن صافي التحويلات الخاصة من المصريين العاملين بالخارج كان قد تراجع إلى 16.8 مليار دولار في العام المالي 2015/2016، مقابل 19.2 مليار دولار 2014/2015.

وجاءت هذه الأرقام بسبب امتناع عدد كبير من المصريين بالخارج عن تحويل الأموال إلى الداخل المصري عبر الجهات الرسمية، لبيعها في السوق السوداء، لكن مع تحرير سعر الصرف تغير هذا الأمر، إذ ارتفعت التحويلات إلى 21.9 مليار دولار خلال العام المالي 2016-2017، ثم إلى 26.5 مليار دولار، في 2017-2018، بينما مع هبوط سعر الدولار في السوق الرسمي مع بداية 2019 سجلت التحويلات تراجعًا ملحوظًا.

فبحسب آخر بيانات «البنك المركزي» تراجعت تحويلات العاملين بالخارج خلال الشهور التسعة الأولى من العام المالي 2018 – 2019 لتبلغ نحو 18.21 مليار دولار، مقابل تحويلات بلغت 19.39 مليار دولار خلال الفترة ذاتها من العام المالي السابق له، لكن بشكلٍ عام يمكن اعتبار التحويلات أحد المؤشرات الاقتصادية التي استفادت من برنامج الإصلاح الاقتصادي.

9- الاستثمار الأجنبي المباشر – سلبي

ينظر إلى الاستثمار الأجنبي المباشر باعتباره أهم المؤشرات الاقتصادية التي تشير إلى سلامة الاقتصاد الوطني وتوقعات مستقبل أفضل ونمو قوي، إذ يعتبر الاقتصاديون هذا النمو من الاستثمار هو أهم أنواع الاستثمارات التي يجب أن تسعى الدولة لجذبها، ويهدف برنامج الإصلاح إلى دفع هذا الرقم للزيادة، من خلال تحسين مناخ الأعمال، إذ أقرت السلطات المصرية قوانين جديدة للتراخيص الصناعية والاستثمار والشركات والإفلاس من أجل هذا الغرض.

بيانات الاستثمار الأجنبي قبل وبعد الإصلاح الاقتصادي

ومنذ بداية البرنامج تواصل الحكومة الإعلان في كل مناسبة عن أنها تعمل على تهيئة المناخ الجاذب للاستثمار، وإنها تضع حل مشاكل المستثمرين وإزالة المعوقات التي تقف في طريقهم على رأس الأولويات، إلا أن صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى البلاد تراجع بعض أشهر قليلة من التوصل لاتفاق مع «صندوق النقد الدولي»، إذ تراجع بنسبة 17.8% في مارس 2016.

وكانت الحكومة تُعوّل على تحرير سعر صرف الجنيه في جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية، لكن لم يحدث تحسن يذكر خلال سنوات الإصلاح. ووفق أخر البيانات المعلنة، فأنه خلال الفترة  من يوليو إلى مارس من السنة المالية 2018-2019، هبط الاستثمار الأجنبي المباشر بالقطاع غير النفطي في مصر لأدنى مستوى منذ 2014، إذ بلغ حوالي 400 مليون دولار في الربع الأول، انخفاضا من 950 مليون دولار في الربع الأخير من 2018، و720 مليون دولار في الربع الأول من 2018، وهو ما يشير إلى عدم استفادة هذا المؤشر من برنامج الإصلاح، بل على العكس كان التأثر سلبيًا.

10- استثمارات الأجانب في أذون الخزانة – إيجابي

على عكس الاستثمارات المباشرة، شهدت استثمارات الأجانب في أذون الخزانة طفرة ملحوظة خلال أخر ثلاث سنوات، وهي الاستثمارات التي تسمى بالأموال الساخنة، إذ يبحث عنها المستثمرون للاستفادة من أسعار الفائدة المرتفعة، ففي يوليو 2017، كشف نائب وزير المالية المصري للسياسات المالية، أحمد كوجك، عن قفزة كبيرة في هذا النوع من الاستثمارات، إذ سجلت 9.8 مليار دولار في العام المالي 2016/2017 مقابل 1.1 مليار دولار في العام المالي السابق عليه.

ونمت استثمارات الأجانب في أذون الخزانة بقوة بعد تحرير سعر الصرف ورفع معدلات الفائدة، إذ واصلت النمو لتصل إلى نحو 20 مليار دولار بنهاية 2017، ثم 23.1 مليار دولار بنهاية مارس 2018، لكنها تراجعت إلى 17.5 مليار دولار المسجل في نهاية يونيو 2018، ثم إلى 13.1 مليار دولار بنهاية يناير 2019، إلا أنه ورغم هذا الهبوط يظل هذا البنك من أهم المستفيدين من برنامج الإصلاح الاقتصادي.

11- التضخم – سلبي

مرت أسعار التضخم في مصر بقفزات كبيرة وصلت بمعدل زيادة الأسعار في بعض الأشهر فوق معدل 30%، وهذا التضخم كان نتيجة أساسية لإجراءات الحكومة التي تبناها برنامج الإصلاح، وذلك من زيادة أسعار الركود وتحرير سعر الصرف، وزيادة الضرائب ومضاعفة الجمارك، وبعيدًا عن رصد معدل التضخم خلال الأشهر يمكن القول: «إن برنامج الإصلاح الاقتصادي دفع التضخم لأعلى مستوى في تاريخ البلاد».

التضخم التجاري في آخر 12 شهر من الإصلاح الاقتصادي

البنك المركزي المصري

فبحسب بيانات «البنك الدولي» فإن التضخم المسجل في 2017 هو الأعلى منذ 1960، وهو أول عام يوفر فيه البنك بيانات عن التضخم في مصر، لكن بعد القفزة الكبيرة في التضخم خلال 2017، استقر التضخم بشكل كبير خلال 2018، ووصل إلى نحو 12% خلال ديسمبر (كانون الأول) 2018، بينما عاد للصعود مرة أخرى ليصل إلى 14.3% في فبراير (شباط) الماضي، وتراجع مؤخرًا وتحديدًا في يونيو الماضي، بينما يتوقع ارتفاع مرة أخرى بعد رفع أسعار الوقود مؤخرًا.

وتشير الأرقام إلى وصول التضخم إلى القمة، ثم التراجع مرة أخرى، وهذا لا يدل إلى تحسن حقيقي في الأسعار، ولكن هذا الأمر يرجع إلى اختلاف سنة الأساس وطبيعة حساب التضخم في مصر، وللتفاصيل عن هذا الأمر يمكنك متابعة تقرير: «لكي لا تخدعك الأرقام.. لماذا ينخفض التضخم وترتفع الأسعار في نفس الوقت؟»، وعمومًا يمكن اعتبار التضخم باعتباره أحد المؤشرات الاقتصادية التي تأثرت سلبًا ببرنامج الإصلاح الاقتصادي.

12- الضرائب – إيجابي

تعتبر الضرائب المصدر الرئيس للإيرادات المصرية، وكانت أحد البنود الرئيسة في برنامج الإصلاح، إذ عملت الحكومة المصرية على إبرام اتفاقيات مع «صندوق النقد الدولي» لرفع الكفاءة الضريبية وتحويل العمل الضريبي بكامله للنظام المميكن، بحيث يكون الحصر الضريبي ليس على الطبيعة فقط، بالإضافة إلى فرض أنواع جديدة من الضرائب أبرزها ضريبة القيمة المضافة.

وشهدت حصيلة الضرائب خلال العام المالي الأول في الإصلاح الاقتصادي (2016-2017) ارتفعًا وصل إلى 462 مليار جنيه مقارنة بنحو 352 مليار جنيه العام خلال العام المالي 2015-2016 بمعدل نمو 31%، وهو ما يشير إلى قفزة كبيرة بحصيلة الضرائب، بينما شهدت 2018 ارتفاعًا ملحوظًا كذلك، ففي آخر ستة أشهر من العام الماضي زادت  حصيلة ضريبة الدخل على المرتبات المحلية، بنسبة قدرها 36.9% عن المحقق خلال الفترة نفسها في عام 2017.

وارتفعت حصيلة الضريبة العقارية بنسبة 102%، وحصيلة الضرائب على المهن الحرة بنسبة 47%، وحصيلة الضريبة على أرباح الشركات بنسبة 26.2%، وحصيلة ضريبة القيمة المضافة على السلع والخدمات بنسبة 21%، بينما تشير بيانات وزارة المالية المصرية عن العام المالي الماضي إلى ارتفاع الإيرادات الضريبية خلال الفترة من يوليو إلى أبريل (نيسان) إلى 550.3 مليار جنيه، بينما يستهدف مشروع الموازنة الحالية تحصيل ضرائب بقيمة 856.6 مليار جنيه.

وتوضح البيانات أن الضرائب أحد المؤشرات الاقتصادية التي استفادت من برنامج الإصلاح، إذ نمت حصيلة البلاد من الضرائب بقوة خلال الفترة الأخيرة، إلا أن الاقتصاديين يرون أن معظم الزيادة بالضرائب جاءت من خلال الضرائب غير المباشرة وهي النوع الذي يتحمله الطبقات الفقيرة وأصحاب الدخول الثابتة، وهي أيضًا تساهم في زيادة معدل التضخم، ورغم الاستفادة الكبيرة من الزيادة في الحصيلة فإن هذه الجوانب تؤثر سلبًا على الطبقة المتوسطة بشكل مباشر.

13- الدعم – سلبي

كانت أهم الانتقادات التي وجهها صندوق النقد إلى مصر هو زيادة الدعم، سواء دعم الوقود أو الكهرباء والغاز، وكذلك دعم السلع التموينية، ولكن الحديث عن الدعم هنا لا يتعلق بالقيمة المطلقة التي شهدت ارتفاعًا من 198.7 مليار جنيه في العام المالي 2014-2015، إلى 327.7 مليار جنيه في العام المالي 2019-2020، بل يتعلق الأمر بنسبة الدعم مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي.

الدعم في مصر.. القصة كما لم تسمعها من قبل على الأرجح

فرغم ارتفاع قيمة الدعم، إلا أن مخصصات الدعم تشكل نحو 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي المستهدف للعام المالي الجديد، وهو رقم متواضع جدًا مقارنة بالسنوات السابقة، ويأتي ذلك في ظل السياسة التقشفية التي انتهجتها مصر خلال البرنامج الاقتصادي؛ ما يشير إلى أن الدعم كان أحد المؤشرات التي تأثرت سلبًا ببرنامج الإصلاح.

14- الطبقة المتوسطة  – سلبي

تسبب برنامج الإصلاح الاقتصادي في تآكل الطبقة المتوسطة في مصر، إذ ساهمت قرارات الحكومة في تسريع تدهور الطبقة المتوسطة في مصر، وذلك بسبب زيادة الضرائب، ورفع الدعم، وزيادة الجمارك، وزيادة أسعار خدمات النقل الحكومي والخاص، وزيادة أسعار «مترو الأنفاق»، وغيرها من الإجراءات التقشفية التي كان ضررها على الطبقة المتوسطة مضاعفًا.

وبشكل عام تدفع الطبقة المتوسطة في مصر خلال السنوات الأخيرة ضريبة كل برامج الإصلاح الاقتصادي التي تبنتها الحكومات المتعاقبة، إلا أن البرنامج الحالي كان الأكثر قسوة، إذ يفقد ضمانات حماية الطبقة المتوسطة، لذلك تتلقى هذه الطبقة النصيب الأكبر من الأضرار، بينما تتقلص هذه الطبقة تقلصًا ملحوظًا، في الوقت الذي تتمدد فيه الطبقة الفقيرة، إذ إن نسبة الفقر زادت من 16.7% في بداية الألفية إلى نحو 28% مؤخرًا وفق الأرقام الرسمية.

وبحسب ما تشير بيانات «البنك الدولي»، فإن عددًا أكبر من الأسر المنتمية إلى الطبقة المتوسطة وقعت في دائرة الفقر، ومن المتوقع أن تواصل هذه النسب الزيادة في ضوء السياسات الاقتصادية الحالية، فمع استمرار هذه السياسيات فإن مصير هذه الطبقة هو الانقراض.

ووفق بيانات بنك «كريدي سويس» المتخصص في تقدير الثروات، فإن الطبقة المتوسطة في مصر سجلت أكبر تراجع على مستوى العالم منذ بداية الألفية وحتى 2015، وذلك بأكثر من 48%، لينخفض عددها من 5.7 مليون شخص بالغ في عام 2000، إلى 2.9 مليون بالغ في 2017، يمثلون الآن 5% فقط من إجمالي البالغين، ويستحوذون على ربع ثروة المصريين، وذلك بالرغم من الارتفاع الكبير في عدد السكان.

ويشار إلى أن مسحًا أجراه «البنك الدولي» في 2016، كشف عن أن الطبقة المتوسطة شكلت ما يزيد على 10% من سكان مصر قبل انتفاضات الربيع العربي مباشرة، بينما تقول تقديرات حديثة إن قرابة 10% من الطبقة المتوسطة المصرية تنحدر الآن نحو الطبقة الفقيرة بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد.

15- معدلات الفائدة – سلبي

تزامن قرار تعويم الجنيه المصري مع قرار البنك المركزي برفع أسعار  الفائدة في مصر، إذ إن أسعار الفائدة من أهم ملامح برامج الإصلاح التي تبنته الحكومة بدعم النقد الدولي، وذلك لدور أسعار الفائدة في جذب استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصرية، ومواجهة معدلات التضخم المرتفعة.

فقبل نوفمبر 2016 كان معدل الفائدة في مصر، نحو 11.75% و12.75% للإيداع والإقراض لليلة واحدة على الترتيب، لكن المركزي قرر رفع هذه النسبة بواقع 300 نقطة أساس لتسجل نحو 14.75% و15.75% في 3 نوفمبر 2016، بينما اعتمد المركزي على سياسة رفع سعر الفائدة بعد ذلك وتجاوزت الفائدة معدل الـ20% لأذون الخزانة الحكومة وشهادات الاستثمار.

ورغم التراجع الكبير في معدل التضخم، أبقى «البنك المركزي»، في اجتماع لجنة السياسة النقدية في يوليو الجاري على أسعار الفائدة الرئيسة بدون تغيير، وذلك عند سعر فائدة الإيداع لليلة واحدة عند 15.75% وسعر فائدة الإقراض لليلة واحدة عند 16.75%، وهو ما فسره محللون بمحاولة من المركزي الحفاظ على معدلات استثمار الأجانب في أدوات الدين المصرية، والتوقعات بارتفاع معدل التضخم خلال الأشهر القادمة.

وتوضح الأرقام أن أسعار الفائدة ارتفعت بسبب برنامج الإصلاح الاقتصادي وهو مؤشر سلبي بسبب العلاقة العكسية التي تربط الفائدة بالاستثمار، بمعنى أن ارتفاع أسعار الفائدة يؤدي إلى تراجع الاستثمار المحلي والعكس صحيح.

ختامًا، تجدر الإشارة إلى أن هناك قطاعات أخرى تأثرت إيجابًا أو سلبًا ببرنامج الإصلاح الاقتصادي، إلا أنه لا تتوفر أرقام رسمية حاليًا، كما أن بعض القطاعات لن يظهر عليها الأثر في الأجل القصير، إذ إن آثار البرنامج ممتدة إلى ما بعد الثلاث سنوات التي جاءت بدعم «صندوق النقد الدولي»، فعلى كل حال ليس الماضي هو المهم، لكن المهم هو المستقبل.

4 دول عربية قد تختفي منها الطبقة المتوسطة قريبًا.. هل بلدك منها؟