تلك الأيام الأولى من العام 2000؛ العالم لم ينته بعد كما توقع البعض وأشيعت الأقاويل في أنحاء العالم، باستثناء تلك المجموعة الكبيرة من الجثث المحترقة أسفل كنيسة كانانجو في أوغندا. ما يُقرب من 2200 جثة معظمهم من الأطفال؛ متراصين جوار بعضهما البعض؛ في وقعة روعت أهالي مقاطعة كانونجو؛ والذين ظنوا في البداية أنها واقعة إنتحار جماعي؛ خاصة وأن الموتى من جماعة دينية كانت تروج لاقتراب نهاية العالم مع بداية الألفية الثانية، ولكن الأمر لم يستغرق كثيرًا حتى اكتشف الشرطة أنها جريمة قتل جماعية وليست انتحارًا جماعيًّا؛ تلك الحادثة التي أطلق عليها الإعلام اسم «مذبحة كانونجو»؛ وكانت وراءها امرأة واحدة؛ هي صاحبة قصة هذا التقرير: كريدونيا ميريندي.

تعرف إلى «ممثل البورنو» الذي اعتبره أصحابه نبيًا

«إنها مجنونة.. إنها قاتلة»؛ هكذا صرح ثاديوس بارونجي كبير الأطباء المسئولين عن التحقيق في مذبحة كانونجو؛ وهذا بعد أن أثبتت التحقيقات أن كريدونيا ميريندي هي المسئولة عن قتل ضحايا المذبحة بما فيهم من أطفال، وأوضحت تقارير الطب الشرعي أن بعض تلك الجثث لم يمت أثناء المحرقة؛ بل كان مقتولًا بالسم منذ شهور؛ وهو الأمر الذي أثبت ممارسة كريدونيا للقتل من قبل المذبحة.

تلك امرأة لا تتقبل الرفض، وهذا ما اتضح من روايات الشهود بعد أن ثبتت التهمة عليها، وعُرف عن تاريخها الشخصي بوادر عنف لا تمت بصلة للدين. في بداية شبابها كانت كريدونيا واقعة في غرام رجل؛ رفض الارتباط بها؛ فأشعلت النيران في منزله ولكنها لم تنجح في قتله، ومع استمرار الشرطة في التحقيق حول حياة كريدونيا؛ شكوا في كونها الفاعل وراء مقتل شقيقاتها الثلاثة بالسُم أيضًا؛ لتستحوذ في النهاية على ميراثهم.

قبل أن تكون واحدة من أعضاء الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في أوغندا وكاهنة فيها؛ امتلكت كريدونيا حانة تقدم المشروبات الكحولية، والمتعة الجنسية أيضًا؛ الأمر الذي مارسته بنفسها باعتبارها عاهرة، ولكنها فيما بعد -لسبب ما- قررت اللجوء للدين في محاولة لمحاربة شياطينها، والتي كانت دائمًا تقول عليهم أنهم «في كل مكان»، ولكن يبدو أنهم لم يتركوها حتى داخل الكنيسة، ولذلك أسست حركة انفصالية عن الكنيسة وعينت نفسها الكاهنة العليا وأطلقت عليها اسم «حركة تطبيق الوصايا العشر».

هي واثنان من الكهنة الرجال اللذين ساعدا في تأسيس الحركة الدينية الانفصالية؛ كانوا على قناعة تامة بتواصلهم مع مريم العذراء من خلال الرؤى التي تزورهم ليلًا، وتلك الرؤى أخبرتهم أن العالم قد غرق في الخطيئة ولم يعد هناك بشر كافين يتبعون الوصايا العشر للديانة المسيحية؛ الأمر الذي أغضب الله؛ وقرر معاقبة البشر بإنهاء العالم، وقد أخبرتهم مريم العذراء في واحدة من الرؤى التي أدعوا استقبالها؛ أن العالم سينتهي بحلول العام 2000، ولم يعد هناك أمل في إنقاذ باقي البشر؛ فقط أتباع الحركة الانفصالية والتي تحولت مع الوقت لعقيدة دينية غريبة ترأسها كريدونيا ميريندي؛ هم من لهم حق النجاة.

بدأت تلك العقيدة في الانتشار بأوغندا من العام 1989؛ حتى انضم لها آلاف الأتباع، والذين لم يشكوا وقتها في تنبؤات كريدونيا، ومع اقتراب العام 2000، أو نهاية العالم، لم يعد هناك فائدة من الممتلكات والمال؛ ولذلك أمرت كريدونيا أتباعها ببيع جميع ممتلكاتهم وذبح الماشية؛ والتبرع بالأموال والطعام لرؤساء الحركة الذي يضمنون لهم الجنة والخلاص حينما يأتي يوم الدين؛ الذي هو على بعد أيام قليلة فقط منهم؛ ولم يفكر أتباعهم مرتين قبل تنفيذ الأوامر.

ولكن العام 2000 بدأ، وسطعت الشمس من الشرق، ولم يغزُ الجراد العالم، ولم تُدمى المياة والبرك، ونظر الأتباع أصحاب الأموال المسلوبة بشك وغيظ لكريدونيا وشركائها في العقيدة والجريمة؛ مطالبين باستعادة أموالهم، ولكن أحد مساعدي القائدة أخبرهم أنه مجرد خطأ في الحسابات الرقمية وأن نهاية العالم في نهاية العام 2000 وليس بدايته.

ولكن تلك الحيلة لم تنجح مع كل الأتباع؛ ومن استمروا في المطالبة بحقوقهم؛ رقدت جثثهم أسفل الكنيسة التي اتخذتها كريدونيا مقرًا لعقيدتها؛ حتى ثارت مجموعة كبيرة في مرة واحدة؛ فأحرقتهم كريدونيا جميعًا في مذبحة كانونجو التي ظلت حديث الإعلام في بداية الألفية الثانية.

شريك مريض بالذهان.. وأتباع قليلو الحيلة

ربما كانت كريدونيا قاتلة أو مجنونة؛ ولكنها لم تكن غبية أبدًا، ولذلك كان لديها رجل تضعه واجهة للطائفة الدينية وهو كاهن يُدعى جوزيف كيبويتير، والتي ظنت الشرطة في بداية الأمر أنه المسئول عن المذبحة، ولكن بالحديث مع الناجين من أعضاء تلك الطائفة؛ أكدوا أن كريدونيا ميريندي هي العقل المدبر ومُصدر الأوامر لتلك الطائفة الدينية.

ولم تستطع الشرطة في وقتها العثور عليها أو على جوزيف الذي علمت الشرطة فيما بعد أنه مريض نفسي شخص الأطباء حالته بالذهان؛ خاصة حينما تكررت وقائع سرده للرؤى التي تزوره فيها السيدة مريم العذراء وتعطيه بعض الأوامر بغرض إنقاذ البشرية، تلك الأوامر التي كانت تتلقاها كريدونيا؛ والتي كان أغربها هو قتل الأطفال دون سن الخامسة.

صورة  تجمع بين جوزيف وكريدونيا. مصدر الصورة موقع « historywithatwist»

وبعد أسابيع من اكتشاف الشرطة للحريق الذي أدى إلى قتل ما يزيد عن 800 شخص؛ كُشف عن أربعة مقابر جماعية أخرى في أكثر من مزرعة ريفية تابعة للطائفة؛ حتى اكتشفت الشرطة أن ضحايا تلك المرأة التي وصفها غير التابعين للطائفة من مواطني المقاطعة بكونها «حاقدة وعنيفة وغير مستقرة عقليًا»؛ قد يصلون إلى 3 آلاف قتيل؛ ختمتهم بالمحرقة الجماعية التي كشفت عن جرائمها القديمة، وبالحديث مع العديد من الشهود وأقارب كريدونيا؛ تبين أنها كانت تضع المال في المقام الأول في حسابتها.

وما كشفته تقارير الطب الشرعي أن الجثث المحروقة؛ تعرض بعضهم للضرب بالهراوات والخنق، ويبدو أن هؤلاء قد حاولوا الهروب قبل أن تُغلق الأبواب والنوافذ عليهم بإحكام؛ ولكن لم يستطع أحدهم النجاة. ولم تستطع الشرطة أيضًا حتى يومنا هذا العثور على جوزيف كيبويتير أو كريدونيا ميريندي؛ وعلى الرغم من ادعاءات أسرة الكاهن السابق بكونه توفي في المحرقة؛ فالشرطة ما زالت تعامله على كونه هاربًا من العدالة.

القتل باسم الدين

في تقريرهم عن مذبحة كانونجو؛ أقرت لجنة حقوق الإنسان الأوغندية أن قادة الطائفة انتهكوا جميع  حقوق الإنسان؛ حينما عذبوا وأهانوا وضربوا أعضاء الطائفية المتمردين عليهم حتى الموت، بجانب منعهم من حق الصحة بعد أن أثبتت التحقيقات أن «راهبة الموت» كما أطلق عليها الإعلام؛ قد حبست مجموعات كبيرة من الأطفال دول منحهم حق الاستحمام أو العلاج بغرض التجهيز لقتلهم لإرضاء رؤاهم الغريبة، وبعض الأطفال الذين نجوا من الموت على يديها؛ كانت تزوجهم في سن صغيرة؛ وفقًا لما ورد في تقرير لجنة حقوق الإنسان الأوغندية عن نشاطات الطائفة.

وهذا لأن حجر الأساس لهذه الطائفة كان اعتقاد قائدتها بأنها الشخصية المختارة التي تتواصل مع الله من خلال تلك الرؤى؛ وتسلمت تحذيرات واضحة من السيدة مريم العذراء عن نهاية العالم، والتي ستغزو فيها الثعابين الضخمة العالم لتلتهم البشر، وتسقط من السماء كتل كبيرة من الإسمنت الساخن فوق رؤوس الخطاة على الأرض، وتنبأت بثلاثة أيام من الظلام الدامس على الأرض كلها، وبعض الأقاويل تدعى أن كريدونيا أكدت للأعضاء أن أموالهم التي حصلت عليها؛ كانت بغرض توفير سفينة أخرى تشبه سفينة نوح.

وفي حوار مع تيريزا كيبويتير زوجة القس الهارب والشريك في المذبحة؛ صرحت أنها حينما قابلت كريدونيا كانت لطيفة وهادئة وتسعى إلى النصيحة من زوجها؛ بعد أن زارتها مريم العذراء في المنام، ولكن سرعان ما تغيرت معاملتها مع الزوجة بمجرد أن كسبت ثقة الزوج، وكانت تخبرها أنها يجب أن تنام هي وشقيقاتها الثلاث مع زوجها في الغرفة لأغراض دينية؛ والزوجة- وفق تصريحاتها-؛ كانت توافق في كل مرة.

منها حظر زواج العذارى.. أغرب القوانين الجنسية في العالم