لعلك سمعت من قبل المثل القائل «حكم قراقوش» الذي يضرب للتمثيل بالحاكم الظالم، صاحب الأحكام الغريبة والأوامر الجائرة، وهي تشير إلى الأمير بهاء الدين قراقوش، الذي كان أحد الأذرع الضاربة لصلاح الدين الأيوبي في مصر، والذي أشرف على بناء قلعة الجبل تنفيذًا لتوجيهاته. فما قصة هذا الأمير؟ وهل كان حاكمًا جائرًا غريب الأطوار حقًا كما يسوق المثل؟

قراقوش.. من العبودية إلى كتاب التاريخ

لم يكن بهاء الدين قراقوش استثناءً في تاريخ مصر – لا فيما سبقه، ولا فيما لحقه – لعبدٍ يبدأ حياته في عَدم العبودية، ثم يصبح صاحب الكلمة الأولى في المحروسة؛ فقبل عصره بقرنيْن، وفي إحدى أشهر قصائد الهجاء في تاريخ الشعر العربي، ثبّت المتنبي سمعة مصر في هذا السياق، ببيته اللاذع:

أكلّما اغتالَ عبدُ السوءِ سيدَهُ * أو خانَهُ فلهُ في مصرَ تمهيدُ

لكن هذه المرة، ولحسن حظ مصر، لم يكن قراقوش عبدَ سوء، كما أنه كان مضربَ مثل في طاعة سيده صلاح الدين الأيوبي، وحفظ ملكه في مصر لشهور طويلة كان يخرج فيها إلى الشام وفلسطين في حروبه الطويلة للحفاظ على وحدة الشام ومصر، ومعارك الجهاد والتحرير ضد الصليبيين.

يقفز ذكر قراقوش فجأة إلى صفحة التاريخ في أعقاب الصراع الذي احتدم لسنواتٍ خمس (559هـ – 564هـ)، شهدت ثلاث جولاتٍ كبرى من الصدام، بين ملك الشام العادل نور الدين محمود بن زنكي، وملك بيت المقدس الصليبي أمالريك، واللذيْن تنافسا بضراوة بارزة للسيطرة على مصر، مستغلين حالة «الموت السريري» الذي دخلته الخلافة الفاطمية المهيمنة على القاهرة منذ عشرات السنين، حيث أصبح الخليفة رمزًا بلا سلطان، يتقاتل حول عرشِه الوزراء الطامعون، والذين كان آخرهم وزيريْ الخليفة العاضد الفاطمي: شاور، وضرغام.  

انتهت الجولتان الأوليان من الصراع بالتعادل، لكن كانت «الثالثة ثابتة»، وتمكَّن جيش نور الدين، بقيادة أسد الدين شيركوه، وابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، من انتزاع مصر، بعد أن أوشك الصليبيون على احتلالها، بعدما غدروا باتفاقاتهم مع الوزير شاور. أصبح شيركوه وزيرَ مصر تحت حكم الخليفة الفاطمي ونور الدين في آنٍ واحد وفي واقعة استثنائية. لم يلبثْ شيركوه في منصب الوزارة كثيرًا؛ حيث توفي فجأةً، وخلفه ابن أخيه صلاح الدين أيوب.

خاض صلاح الدين صراعًا مركبًا لإحكام السيطرة على عرش مصر، والقضاء تدريجيًا على ما بقي من تراث الخلافة الفاطمية الشيعية لإعادة مصر مجددًا إلى حظيرة الخلافة العباسية السنية. واجه صلاح الدين مقاومة ضارية من فلول العصر الفاطمي تجلَّت في ثورات وتمرداتٍ عنيفة كادت تطيح بحكمه، وكذلك محاولة غزو صليبي-بيزنطي مشترك لمصر عبر البحر بعد احتلال دمياط، لكنه تمكَّن من تجاوز كافة تلك التحديات، وكان من أهم الأرقام الصعبة إلى جانبه في تلك المرحلة الحرجة وما تلاها ذراعه الأيمن: بهاء الدين قراقوش الأسدي. 

بين هدايا الأقدار وحد السيف.. هكذا اعتلى صلاح الدين الأيوبي عرش مصر

«النسر الأسود» يهيمن على أجواء مصر

أصل اسمه هو «قرة قوش»، والذي يعني بالتركية «النسر الأسود»، وهي تبدو تسمية غريبة، بالنظر لأنه لم يكن أسمر البشرة. يكاد التاريخ لا ينقل لنا شيئًا عن نشأة بهاء الدين قراقوش الأولى، حتى أن كتاب التاريخ يختلفون في أصله؛ فهل كان صقلبيًّا (تعود أصوله إلى شرق أوروبا) أو تركيًا أو روميًّا (يونانيًا)؟ كل ما نعرفه أنه كان مملوكًا خصيًّا أبيض.

بدأ ذكره يرد على رقعة التاريخ عندما تقلَّبت به السنون والأحداث، حتى دخل في خدمة أحد كبار أمراء الشام، وهو الأمير الكردي أسد الدين شيركوه، قائد جيوش الأتابك عماد الدين زنكي، حاكم الموصل وحلب، والذي اشتهر بجهاده ضد الصليبيين حتى انتزع منهم إمارة الرها أولى الإمارات الصليبية سقوطًا.

يذكر د. عبد اللطيف حمزة في كتابه «الفاشوش في حكم قراقوش» أن قراقوش قد لمع في خدمة أسد الدين، وبرع في فنون القتال، وأظهر ولاءً فارتفع نجمه لدى سيده، فأعتقه، وجعله من خاصة رجاله المقدّمين عنده. حمل قراقوش لقب «بهاء الدين»، وسمى نفسه قراقوش بن عبد الله الأسدي. اما ابن عبد الله، فهو تورية، لأنه لم يكن يعرف لنفسِه أبًا، فهو ابن أحد عباد الله. وأما الأسدي فنسبة إلى مولاه أسد الدين شيركوه.

كان من الطبيعي أن يصحب قراقوش سيدَه في حملاته الخطيرة على مصر، والتي ظهر فيها أمام ناظريَه معدنُه النفيس في المواقف الصعبة التي تخلَّلت ذلك الصراع الشرس على انتزاع مصر، فزادت حظوته أكثر فأكثر؛ مما هيَّأه لأن يصبح محطَّ ثقةٍ للمسئوليات القادمة في قابل الأيام.

بعد تولي صلاح الدين الوزارة عام 564هـ، وتوزيعه لرجاله المقربين في مختلف مفاصل الدولة، في مقابل التضييق تدريجيًا على مراكز القوى الباقية من العهد الفاطمي، دبَّر مؤتمن الخلافة – كبيرَ العبيد السودان، والذي كان مشرفًا على قصر العاضد الفاطمي – مؤامرة للانقلاب على صلاح الدين مستعينًا بالصليبيين. اكتشف صلاح الدين المؤامرة، وأمر رجاله بقتل المؤتمن بمجرد خروجه من قصر الخلافة. 

ثار الجنود السودان ثورةً عارمة لمقتل زعيمهم، وأشعلوا الفوضى في القاهرة، وكانت الغلبة لهم على جند صلاح الدين في أول الأمر، لكنه قمعهم بمنتهى الشدة والقسوة، وأمر بإحراق محلّات سكناهم، وأعمل فيهم القتل والأسر والنفي حتى قضى عليهم قضاءً مبرمًا. علم صلاح الدين أن المؤتمن كان يمول تلك المؤامرة من الذخائر النفسية المكدَّسة في قصر الخلافة، وأن تلك المنطقة المحظورة (القصر) تمثل مكمنًا للخطر، خاصة مع عدم الثقة المطلقة في ولاء الخليفة الفاطمي العاضد.

حينئذٍ أوكل صلاح الدين لقراقوش أولى المهام الكبرى، وهي أن يتولى حفظ قصر الخليفة الفاطمي، وإحصاء ما فيه من ذخائر وكنوز وأموال، ومراقبة كل شاردة وواردة في القصر، ونقلها إلى صلاح الدين. نفَّذ قراقوش مهمته على أكمل وجه، وبقبضة صارمة؛ مما أثار حفيظة الفاطميين ومن بقي من حلفائهم. وهكذا أمِن صلاح الدين من القصر ومؤامراته حتى تمّ له القضاء التام على ما بقي من ملك الفاطميين ونفوذهم في مصر.

بعد استقرار الأوضاع في مصر رغب صلاح الدين في توسيع سلطان دولته غربًا، فأوكل عام 571هـ لبهاء الدين قراقوش قيادة فرقة من الجند، والتوغل في برقة (شرق ليبيا حاليًا)، فضم العديد من أجزائها إلى سلطان مصر.

كان أبرز الإنشاءات الضخمة التي قام بها قراقوش قلعة الجبل، والتي تعد من أهم الآثار الباقية بحالةٍ جيدة من العصور الوسطى، وتعد من أبرز مناطق التراث العالمي. أيضًا أنشأ قراقوش قلعة المقياس بجزيرة الروضة، وأشرف على بناء جزءٍ كبيرٍ من سورِ حصينٍ ضخم يحيط بمصر – العاصمة الشعبية التي يسكن فيها عامة الناس – والقاهرة – العاصمة الملكية والإدارية – معًا، ليسهل الدفاع عنهما. وما تزال أجزاء كبيرة منه قائمة إلى اليوم، ومنها «سور مجرى العيون» الشهير في قلب القاهرة. وقد أمرَ قراقوش بجلب الحجارة اللازمة لتلك الإنشاءات الضخمة من صحراء القاهرة، ومن الأهرام الصغيرة المنتشرة حولها، وكان هذا العمل شاقًا للغاية على العمال وجلهم كان من أسرى الصليبيين. 

ومن القصص الغريبة التي كان بطلها قراقوش، بيعَ آلاف الكتب التي كانت مخزنة في القصور الفاطمية، وكان يخصص لهذا يوميْن في الأسبوع، واستمرّ الأمر كذلك شهورًا؛ نظرًا لكثرتها، وغلو ثمنها. استغل بائعو الكتب في القاهرة كونَ قراقوش جنديًا لا علم له بالأدب والعلم، ونصحوه نصيحةً مسمومةً بأن يخرج الكتب من خزائنها التي كانت مرتبة فيها ومفهرسة إلى الخلاء لتهويتها، وذلك – بزعمهم – خوفًا من أن يأكلها العث والحشرات؛ فنفذ قراقوش تلك النصيحة، فكانت النتيجة أن فقد بعض تلك الكتب النفسية، كما تفرقت أجزاء مما كان منهما في مجلداتٍ عديدة، فرخص ثمنها للغاية، فاشتراها بائعو الكتب بأبخس الأسعار، وأعادوا ترتيب الكثير منها، وربحوا أرباحًا طائلة.

بعد أعوامِ عديدة، ولخبرته في التحصين، أوكل له صلاح الدين ولاية عكا، وإعادة ترميم سورها وحصونها، بعد تحريرها في أعقاب انتصار حطين العظيم 583هـ (1187م)، لكن بعد حين تعرّض قراقوش لمحنة كبيرة، عندما دهمت الحملة الصليبية الثالثة – والتي حُشِد لها من كافة أرجاء أوروربا كرد فعل على هزيمة حطين، واستعادة المسلمين لبيتِ المقدس – بقيادة ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا، مدينة عكا، وحاصرتها لعامين، حتى احتلتها آخر المطاف. سقط قراقوش أسيرًا، وظل شهورًا في قبضة الصليبيين، حتى افتداه صلاح الدين بمبلغ كبير، وسُرَّ لخروجه سرورًا عظيمًا.

الوفاء حتى الوفاة

توفي قراقوش عام 597هـ، وقد تجاوز السبعين من عمره، وهدَّه المرض، وأوهت أركانَه الشيخوخة. كان ذلك بعد أقل من عام من هيمنة الملك العادل، أخي صلاح الدين الأيوبي على حكم مصر والشام معًا، بعد سنواتٍ من الانقسام، والصراع العلني والخفي على السلطة، في أعقاب وفاة صلاح الدين بين أبنائه: العزيز ملك مصر، والأفضل ملك دمشق، وما شهده هذا الصراع من تدخل عمهما العادل بينهما، تارة في دور الوسيط، وتارة في دور الطامع، حتى تمكَّن من انتزاع القاهرة عام 596هـ، وأصبح ملك الأيوبيين متوارثًا من بعده في أبنائه، لا أبناء صلاح الدين.

على مدار ست سنوات (589هـ- 595هـ) كان قراقوش وفيًا للعزيز بن سيده صلاح الدين، وأعانه كثيرًا في حكم مصر، وفي السيطرة على مطامع أمراء الدولة، الذين تقاطعتْ ولاءاتُهُم بين أبناء صلاح الدين الأيوبي، وأخيه العادل. وبعد أن توفيّ العزيز عام 595هـ، حاول قراقوش الحفاظ على ملك مصر في حكم ابن العزيز، الطفل الصغير الذي تلقَّب بالمنصور استمرارًا لوفائه للبيت الصلاحي، لكن لم يكن جُلُّ الأمراء على ذلك، فكان هوى أكثرهِم مع الملك العادل أخي صلاح الدين الأيوبي، ولذا لم يمكنوا الأفضل بن صلاح الدين من الإشراف على ملك ابن أخيه الصغير، وفي العام التالي 596هـ دخل العادل مصرَ بغير قتال، بالاتفاق مع معظم الأمراء، وتسلطن على القاهرة ودمشق معًا للمرة الأولى منذ أكثر من سبعة أعوام خلتْ بعد وفاة صلاح الدين.

«الفاشوش في حكم قراقوش».. السخرية أمضى من الحقيقة

«وفيه أشياء يبعد وقوع مثلها منه، والظاهر أنّها موضوعة؛ فإنّ صلاح الدين كان يعتمد فى أحوال المملكة عليه، ولولا وثوقه بمعرفته وكفايته ما فوّضها إليه» * ابن تغري بردي، في كتاب النجوم الزاهرة، منتقدًا كتاب «الفاشوش».

من أشد ما ثبَّت القصة الشعبية لبهاء الدين قراقوش، والتي اختصرها المثل الشعبي «حكم قراقوش» والذي يُضرَب على كل حكم مستبدٍ، غريبٍ، لا منطقي، يُفرَض على المرء فرضًا، كتاب «الفاشوش في أخبار قراقوش»، والذي ألفه كاتبٌ من أسرة قبطية عريقة، أشهرت إسلامها أواخر العصر الفاطمي، وكان الجد والأب من كبار الكتاب في زمانهما، ومن أصحاب الحظوة في دواوين الدولة، ومجالس الوزراء والخلفاء. وعلى هذا المنوال كان الحفيد، الأسعد بن ممّاتي، والذي كان معاصرًا لحقبة بهاء الدين قراقوش، وكان من منافسيه في الحظوة لدى صلاح الدين.

دجَّج ابنُ مماتي كتابه – والذي ألَّفه بأسلوبٍ أدبيٍّ ساخر وبسيط – بعشرات الحكايات الصادمة في غرابتها، وقسوتها، لأحكام قراقوش، وقراراته. ورغم أن الغالبية العظمى من تلك الحكايات مُغرِقٌ في الخفة، ولا يمكن تصديقه بحال على أي شخصٍ عاقلٍ أو مجنون، فإن الكتاب وما فيه انتشر كالنار في الهشيم، لا في مصرَ وحدّها، بل في كافة أرجاء العالم الإسلامي، وتناقلت أجيال المصريين حكاياته، وأحكامه، جيلًا بعد جيل، حتى ثبَّتت إلى يومنا هذا على الرجل تلك السمعة السيئة كحاكم مستبدٍ مجنون، يحار أولو الألباب في تفسير أحكامه وأوامره.

من نماذج تلك الحكايات القراقوشية الغريبة، التي ادعاها ابن مماتي، أن ثوب قراقوش سقط ذات مرة عن حبل الغسيل، فأخذ قراقوش يحمد الله كثيرًا على أنه لم يكن داخل الثوب عندما سقط. وحكاية أخرى عن خفة عقل قراقوش كما يدعي ابن مماتي، وفيها أنه شكا له أحد الناس من أن خصمًا له عض أذنه، فلما واجه الخصم بالادعاء، رد بأن المُدَّعي هو الذي عضَّ أذنَه بنفسه، وجاء يلقي بالبلاء عليه. حينئذٍ دخل قراقوش إلى غرفته الخاصة محاولًا أن يجرب عض أذنه، حتى سقط أرضًأ أثناء محاولاته، وكاد يكسر ذراعه.

حكاية أخرى عن تاجرٍ أراد ابنه دفنه حيًا بالتواطؤ مع آخرين؛ وذلك ليرثه، فبينما الرجل في التابوت أثناء الجنازة، سمع أصوات موكب قراقوش تمر بجواره، فصاح حتى سمعه قراقوش، فأقسم له الابن والمتآمرون أن أباه كان ميتًا لحظة تكفينه، فقبل قسَمهم، ونهر الرجل، وقال له لن أصدق واحدًا، وأكذِّب كل هؤلاء، وأمرهم باستكمال إجراءات الدفن.

يروي ابن مماتي أيضًا أن جماعة من فلاحي مصر شكوْا إلى قراقوش أن البرد قد أتلف بعض محصول القطن، ولذا فهم يلتمسون تخفيض الضريبة، فنهرهم قراقوش، وهدد بضرب أعناقهم لإهمالهم؛ إذ لم يزرعوا الصوف بجوار القطن ليدفئه.

وعلى هذا المنوال قصَّ ابن ممَّاتي عشرات القصص الصادمة في غرابتها، وسذاجة أحكام قراقوش فيها، وبعضها قصص إباحية تتحدث عن نزواتٍ غريبة لقراقوش مع إحدى جواريه، بالرغم من أن قراقوش كان عبدًا خصيًا (راجع تلك القصص في القسم الأول من كتاب الفاشوش في حكم قراقوش، للدكتور عبد اللطيف حمزة).

يرى الدكتور عبد اللطيف حمزة – الذي حقّق كتاب «الفاشوش» في أربعينات القرن العشرين – في كتابه أنه بالرغم من إنجازات قراقوش الكبيرة، وبلائه الطويل في خدمة الدولة الأيوبية، وتحصين القاهرة، وحفظ أمنها واستقرارها في غياب السلطان الناصر صلاح الدين، فإن بعض الثغرات في شخصية قراقوش، وأسلوبه، سمحت لحكايات خصمه ابن مماتي أن تروج بهذا الشكل الواسع.

كان قراقوش جنديًا حازمًا، شديد الوطأة، لا يجيد التفاهم مع عامة الناس، وخاصتهم، وكان صلب الرأي، يصعب إقناعه بغير ما يرى. كذلك كان ينفذ الأوامر التي يصدرها صلاح الدين بمنتهى الالتزام والقسوة إن اقتضى الأمر. ولذا فقد أرهق الكثير من المصريين وأسرى الصليبيين إرهاقًا شديدًا، عندما أمره صلاح الدين بعمل الإنشاءات الدفاعية العظيمة بالقاهرة كقلعة الجبل، وسور مصر والقاهرة، رغبةً منه في إنجازها على أتم وجه، وفي أسرع وقت ممكن.

ورغم تفهًّم الناس لفائدة ما يقوم به قراقوش، فإن قبضته الصارمة على مصر وأهلها لم تكن لتمر دون تنفيس بالطريقة التي يفضلها المصريون منذ مئات السنين، وهي السخرية اللاذعة، فما أسهل ما حظي كتاب ابن ممّاتي بقبول الكثيرين، على ما فيه من مبالغاتٍ لا يتصورها عقل.

أما ما يثير الاستغراب فعلًا أن ابن ممّاتي كتب في ديباجة الكتاب، أنه يوجهه إلى صلاح الدين كنوعٍ من الشكوي ضد قراقوش، لعل السلطان ينظر إلى رعيته بعين العطف، ويرفع عنهم البلاء المتمثل في قراقوش. وهذا يعني بوضوح أن الكتاب ظهر إلى النور في عهد صلاح الدين الأيوبي، أي في قمة سطوة قراقوش، والذي – حسب كلام ابن ممّاتي – يقتل بالظنّة، ولأوهى الأسباب، فكيف صبر قراقوش على ما كاله له ابن ممَّاتي؟ أم أن الكتاب لم يُنظَر له باهتمامٍ كبير في بلاط صلاح الدين، ولذا فلم يلفِت نظر قراقوش، وظلّ متداولًا بين العامة في خفاء، حتى ظهر بعد وفاة قراقوش، وانقضاء دولته؟

«إيكونوميست»: كيف أصبح صلاح الدين الأيوبي بطلًا عند الغرب؟