ما الذي يأتي في بالك عندما تذكر كلمة كتالونيا؟ غالبًا، ما يفكر البعض في معقل فريق برشلونة الإسباني لكرة القدم، أو يتذكر آخرون هذا الإقليم المتمرد الذي سعى من سنوات للانفصال على إسبانيا عبر استفتاء شعبي، لكنه فشل في تحقيق هذا المسعى.

لكن ربما ثمة جزء منسي في هذا الإقليم يتعلق بوجود المسلمين الحالي فيه، بالإضافة إلى دور الإقليم التاريخي مع المسلمين خلال فترة حكم الأندلس. في السطور التالية نوضح عددًا من الحقائق التاريخية المنسية حول هذا الإقليم وعلاقته بالمسلمين على مر العصور.

نظرة على المسلمين في كتالونيا

تعد كتالونيا إقليمًا يتمتع بالاستقلال الذاتي، والذي يقع في الركن الشمالي الشرقي لإسبانيا. تتألف كتالونيا من أربع مقاطعات: برشلونة، وجيرونا، ولييدا، وتاراغونا. العاصمة وأكبر مدينة هي برشلونة، وهي ثاني أكبر بلدية مأهولة بالسكان في إسبانيا. الدين في كتالونيا متنوع. تاريخيًا كان جميع السكان تقريبًا مسيحيين، وخاصة الكاثوليك. ولكن منذ عام 1980 كان هناك اتجاه لتراجع المسيحية والنمو الموازي للأديان الأخرى.

وفقًا لآخر الإحصائيات الرسمية برعاية حكومة إقليم كتالونيا عام 2016، فإن 61.9% من الكتالونيين مسيحيون، مقابل 16% من الملحدين، و4.8% مسلمين، و1.3% بوذيين. وطبقًا لإحصائيات جديدة، هناك 515 ألف مسلم في كتالونيا، يمثلون 6.8% من إجمالي السكان. هذا يوضح النمو السكاني للمسلمين وإن كان بطيئًا لكنه موجود. إذ تشير تقارير أوروبية في عام 2019، أن كتالونيا تضم المجتمع الإسلامي الأكثر نموًا في إسبانيا.

كما أن كتالونيا تحتوي مراكز إسلامية أكثر من أي منطقة أخرى في البلاد. هناك 256 مسجدًا في كتالونيا طبقًا لإحصائيات 2016، جميعها تقريبًا سنية، مع مسجد واحد فقط يمثل الإسلام الشيعي. وهناك أيضًا ستة مراكز صوفية.

اعتبارًا من عام 2014، كانت هناك خمس منظمات للمسلمين في كتالونيا، هي: «الاتحاد الإسلامي الكتالوني (Federació Islàmica Catalana)»، و«المجلس الفيدرالي الإسلامي في كتالونيا (Federació Consell Islàmic de Catalunya)»، و«اتحاد المجتمعات الإسلامية في كتالونيا (Unió de Comunitats Islàmiques de Catalunya)»، و«اتحاد المراكز الثقافية الإسلامية في كتالونيا (Unió de Centers Culturals Islàmics de Catalunya)»، والمنظمة الشاملة، التي يطلق عليها «المجلس العام (Junta Islàmica)».

مسلمات يرفضن العملية الإرهابية في برشلونة عام 2017

ووفقًا لتقارير «Defend Europa»، فإنه منذ عام 2011 إلى عام 2015، زاد عدد المسلمين في كتالونيا بنسبة 19.5%. وهذا يترجم إلى قرابة 83 ألف شخص إضافي خلال 4 سنوات مضت فقط. ليس ذلك فحسب، فقد تضاعف توافد المسلمين من خارج البلاد، -وهو ما يترجمه بعض المتعصبين الإسبان إلى أنه زيادة في خطر وقوع هجمات إرهابية-، إلى ثلاثة أضعاف في عام 2019، وذلك في ظل الحكومة الاشتراكية، فقد وصل ما يقرب من 30 ألف مسلم إضافي من خارج البلاد.

ومع توافد مزيد من المهاجرين، فإن مدنًا مثل برشلونة في طريقها إلى أن تصبح «لندن جديدة»، إذ وصلت نسبة السكان غير الأوروبيين إلى أكثر من 30%. في كتالونيا، اليسار لديه هيمنة كاملة، والقوى الوطنية تتعرض للاضطهاد الحرفي من قبل اليساريين، ويخشى المراقبون من انفجار هذه التعددية الثقافية «الرائعة» في النهاية، مثلما حدث في الهجمات الإرهابية التي وقعت في برشلونة عام 2017.

كتالونيا الثائرة دومًا

تاريخ الكتالونيين مع الإسلام مختلف عن بقية تاريخ إسبانيا. على عكس مناطق واسعة من إسبانيا التي وقعت تحت سيطرة وحكم المسلمين المباشر طوال مئات السنين، فقد كانت لكتالونيا، وتحديدًا عاصمتها برشلونة تاريخ مختلف.

برشلونة، هذه المدينة الكتالونية العظيمة، كان لها نصيب من الحكم الإسلامي. فقد فتحها القائدان المسلمان موسى بن نصير وطارق بن زياد عام 714، إثر إتمامها لفتح الأندلس وضم إسبانيا لخارطة الدولة الأموية في دمشق. كان المسلمون ينظرون إلى برشلونة باعتبارها قاعدة عسكرية للانطلاق في حملاتهم العسكرية ضد الفرنجة، أو فرنسا. ظلت هذه المدينة تحت أيدي المسلمين مدة 90 عامًا فقط، وكانوا يطلقون على الإقليم الذي يضم برشلونة اسم «قطالونية»، وكان العرب يُطلق على الكتالونيين اسم قبائل «البشكنش».

على مر التاريخ، تميزت برشلونة بأنها مدينة متمردة وثائرة بطبعها. ورغم توالي الجيوش عليها من مختلف البقاع والإمبراطوريات، لكنها استطاعت الصمود والحفاظ على طابعها، فقد وقفت في وجه جيوش الرومان، كما قاومت أطماع نابليون بونابرت الذي كاد أن يحكم أوروبا كلها. واجهت المدينة أيضًا القبضة الحديدية لفرانكو. ولأن سكانها يعتبرون أنفسهم قومية أخرى غير الإسبان، ويعتزون بهذه القومية كثيرًا طوال تاريخهم الطويل، فلم يحاول المسلمون بعد أن سيطروا على المدينة إثارة حفيظة الكتالونيين، بل على العكس توسعوا في عمليات الزواج والمصاهرة في محاولة للاندماج مع هذا الشعب.

ما إن سقطت الدولة الأموية في الشرق الإسلامي حتى نجح عبد الرحمن الداخل في تأسيس دولة في إسبانيا، كانت برشلونة أحد ولاياتها. لكن والي برشلونة سليمان بن الأعرابي أعلن العصيان، واستدعى ملك فرنسا شارلمان لغزو الأندلس متعهدًا بفتح برشلونة أمام قواته لغزو الأندلس. وفي سبيله للحصول على بركة البابا وتكوين الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وافق شارلمان على تلك الحملة لطرد المسلمين من أوروبا، فأقبل عليه بجيوشه. وأثناء عبوره جبال البرانس، أثار شارلمان حفيظة الكتالونيين بعد توسعه في قتلهم.

ومع اقترابه من برشلونة، تراجع ابن الأعرابي عن وعودة وأغلق الأبواب أمام قوات شارلمان، لكن الأخير تمكن من أسره في نهاية المطاف دون دخول المدينة. ومع طول الحصار أعلنت القبائل الساكسونية في ألمانيا تمردها على شارلمان، مما اضطره إلى مغادرة برشلونة. وأثناء عبور شارلمان لجبال البرانس، تحالف أبناء الأعرابي مع الكتالونيين الغاضبين مما فعله بهم شارلمان، فأغاروا على مؤخرة جيشه وهزموه، وتمكنوا من استرجاع الوالي.

ما فشل فيه شارلمان نجح فيه ابنه لويس، فانتزع برشلونة من المسلمين عام 801، أي بعد 90 عامًا من الفتح الإسلامي، في إحدى فترات الضعف التي انتابت الإمارة الأموية في الأندلس. ومنذ ذلك الوقت أصبحت برشلونة إحدى الممالك الإسبانية الداعية لاسترداد الأندلس من المسلمين وهى مملكة أراغون.

ورغم المحاولات المستميتة للمسلمين لاسترجاع برشلونة إلا أنها لم تعد تحت راية الخلافة الأموية في الأندلس سوى لفترة يسيرة إثر أحد الحملات التي قام بها الحاجب المنصور بن أبي عامر. أصبحت برشلونة بعد ذلك عاصمة «ماركا هيسبانيكا» أو «المسيرة الإسبانية»، التي يسيطر عليها الورثة المسيحيون لشارلمان. وشارلمان ملك الفرنجة وحاكم إمبراطوريتهم بين عامي 768 و800، وإمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة بين عامي 800 و814. وهو أول «إمبراطور روماني مقدس».

وهكذا، لم تكن كتالونيا أبدًا جزءًا من الأندلس، وهي واحدة من تلك المناطق القليلة في إسبانيا التي غاب عنها التراث الثقافي الإسلامي، سواء في صورة آثار معمارية أو كلمات عربية في اللغة الكتالونية، وهذا بعكس اللغة الإسبانية التي تحتوي على العديد من الكلمات ذات الأصل العربي.

التمويل إسلامي والدعم إسرائيلي! سر خلطة صعود اليمين المتطرف الإسباني

«الزحف الإسلامي» على كتالونيا

أصبحت الهجرة الإسلامية ظاهرة حديثة مهمة في إقليم كتالونيا في الثمانينات من القرن العشرين، عندما أصبحت هناك حاجة ملحة إلى العمالة الزراعية في مزارع الكروم الغنية في المنطقة، وغيرها من المؤسسات الزراعية.

يمكننا القول إن كتالونيا تشبه -في بعض النواحي- المناطق الفلمنكية في بلجيكا وهولندا والدول الاسكندنافية وسويسرا. هذه المناطق تشهد تحديات أمام السكان الأصليين بسبب تدفق السكان المسلمين الجدد، يمثل المسلمون أقلية في هذه المناطق بنسب تتراوح بين 4-6% من السكان، والذين يطالبون بشكل متزايد بوضع خاص لأنفسهم. وجه الشبه يأتي من أن الكتالونيين والفلمنكيين والهولنديين يمثلون مجتمعات ودول تحتوي على أعداد صغيرة من السكان يتميزون بثقافات مختلفة عن بقية الأوروبيين المحيطين بهم. فإذا قلنا إن المسلمين يمثلون أقلية في كتالونيا، فإن الكتالونيين أنفسهم هم أقلية في إسبانيا.

Embed from Getty Images

وتتميز هذه النوعية من الشعوب الصغيرة بخشية مستمرة من ضياع ثقافتهم وهويتهم أمام أي نوع من التمدد الديموغرافي، خصوصًا المسلمين الذين يملكون ثقافة وفكرًا يختلف كثيرًا مع ثقافة هؤلاء الشعوب. أضف إلى هذا وجود حالة من البطء من قبل المسلمين الجدد في إدراك شعور التهديد الثقافي الذي يشعر به أولئك الذين يطلبون منهم حماية مميزة.

يمكننا هنا أن نستعين بما ذكره أليكس سيجلرز، مؤلف كتاب «Musulmans a Catalunya»، وأستاذ القانون الكنسي في جامعة برشلونة والذي أجرى دراسات واسعة النطاق حول الهجرة في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي. فهذا الكتاب يهدف أساسًا إلى استخدامه من قبل رجال الدين الكاثوليك والسلطات الحكومية، كونه دراسة جادة وقائمة على الحقائق للقضايا القانونية التي نشأت مع نضال كتالونيا مع الهجرة التي وقعت من شمال أفريقيا وأفريقيا السوداء.

يجادل سيجلرز بأن الاندماج السلمي للمسلمين في الحياة الكتالونية «أمر ممكن إذا كان يستند إلى قبول المسلمين للقيم الديمقراطية الأوروبية»، على حد تعبيره. وأوضح المؤلف أن «ضمانات الحرية الدينية في أوروبا يجب ألا تعتمد على قبول المطالب الإسلامية بمعاملة خاصة، بل في تحديد المبدأ المتمثل في أن يصبح المسلمون مواطنين».

مشكلة المسجد الكبير في برشلونة

في برشلونة، هناك نقاش مفتوح حول بناء مسجد كبير منذ عام 1988، عندما تم إنشاء أول رابطة لبرشلونة «جمعية المسجد الكبير ببرشلونة». لكن الخطوات الأولى لبناء مسجد كبير اتخذت بعد عقد من الزمن. ففي عام 1999، قام مواطن سوري استقر في برشلونة، موفق كانفش، بتقديم اقتراح إلى المجلس البلدي لبناء مسجد باستثمار مباشر من الأمير السعودي آنذاك عبد الله بن عبد العزيز.

لكن المشاكل الأولى نشأت مع معارضة المجالس البلدية في المدينة، وتزايد الانقسام الداخلي للجالية المسلمة في برشلونة. ومن الأمور الغريبة، أنه جرى إنشاء غرف للصلاة والمساجد الصغيرة فقط حيث يعيش المسلمون في إسبانيا. وتأتي المعضلة من وجود جزء من المجتمع الإسلامي في برشلونة يريد بناء مسجد كبير، بينما يفضل جزء آخر إنشاء غرف للصلاة مجهزة جيدًا وتحسين الغرف الموجودة.

يركز كلا الموقفين، أولئك الذين يدعمون إنشاء مسجد كبير وأولئك الذين يدعمون نظامًا أكثر لامركزية من غرف الصلاة الصغيرة، بدلاً من مسجد كبير، على تحقيق تحسين نوعية الحياة الدينية والاجتماعية للمسلمين في برشلونة وكتالونيا. لكن في الوقت الحالي، تتمثل إحدى الخصائص الرئيسية لمساحات العبادة الإسلامية في برشلونة في هشاشة الموارد.

وتقع معظم أماكن العبادة في المخازن القديمة والكراجات والمباني والشقق. وتعكس ظروف وخصائص هذه الأماكن كل من المساحة الصغيرة خصوصًا في شهر رمضان، كما أنها تفتقر إلى الوصول الأمني ​​الأساسي، والتهوية، ولا تفي بالمتطلبات القانونية خاصة في بداية هذه المشاريع. العديد من غرف الصلاة هذه هي أيضًا مساحات متعددة الوظائف. لا يتم استخدامها كغرف صلاة فقط؛ بل تستخدم أيضًا في أنشطة ثقافية واجتماعية أخرى، دون أن يكون هناك مجال محدد لكل شيء يخلط بين المساحات المقدسة والأخرى غير المقدسة.

يجادل المتحدث الرسمي باسم المجلس البلدي حاليًا بأنه لا يمكن النظر في بناء مسجد كبير في برشلونة، لأنه في برشلونة لا يوجد مجتمع إسلامي فريد من نوعه ولأن إمكانية العثور على صوت إسلامي فريد لإيجاد اتفاق حول هذه القضية هي في لحظة غير ممكن. هناك أيضًا أحزاب سياسية ضد بناء مسجد كبير في برشلونة. هذا هو الموقف الذي أظهره حزب اليمين المحافظ. كانت الإجابة على هذا السؤال من ألبرتو فرنانديز دياز، مرشح الحزب اليميني في الانتخابات البلدية الأخيرة: «لا للمسجد الكبير في برشلونة … أخشى ممن سيدفع ثمن تكلفة البناء». ويذكر أن حزب «Partido Popular» اليميني المحافظ هو الحزب الثالث الأكثر حصولًا على الأصوات في انتخابات مجلس المدينة عام 2018 بنسبة 15.6% من إجمالي الأصوات.

 هل كان الوجود الإسلامي سبب تأخر إسبانيا عن بقية الدول الأوروبية؟