في مدينة غويانيا، إحدى المدن البرازيلية، عام 1987 أي بعد عام واحد فقط من حادث مفاعل تشيرنوبيل المأساوي، تكرر الأمر بشكل عبثي تمامًا: تسرب إشعاعي يعد من أسوأ وأخطر الحوادث النووية في التاريخ، تصنفه «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» في المستوى الخامس، في حين أن حادثة تشيرنوبيل صُنفت في المستوى السابع (ويوضح التصنيف مدى خطورة الحادثة ومدى تأثيرها، يبدأ الترتيب بالمستوى الأول وينتهي عند المستوى السابع، المستوى الأول هو المستوى الآمن وكلما تصاعد الترتيب يعني زيادة الخطر والنتائج الكارثية).

على عكس المسلسل.. هل أمريكا هي المتهمة في انفجار «تشرنوبل»؟

حادث مرعب بدأ بالجهل والفضول وانتهى بكارثة

«معهد غويانيو للعلاج الإشعاعي (IGR)»، هو مركز خاص لعلاج السرطان ويحتوي على بعض غرف العلاج عن بعد مستخدمًا عنصري «سيزيوم caesium-137» و «كوبلت cobalt-60»، يعمل المركز وفق القواعد العامة لـ«الهيئة الوطنية للطاقة النووية (CNEN)» ويوافق المعايير الطبية التي بدأت في إقرار العمل بـ«السيزيوم-137»، ويشترط على المركز أن يبلغ «الهيئة الوطنية للطاقة» بأي تعديلات أو تحديثات تجرى على المكان. وهنا بدأت الأزمة.

في نهاية عام 1985 حدث بعض الخلاف بين مالكي المركز الطبي فتم نقل عدد من الأجهزة إلى موقع آخر وتُركت بعض الأجهزة في المقر القديم، ضمن هذه الأجهزة المتروكة هو «جهاز السيزيوم-137». وأصبح المكان خاويًا مهجورًا بلا أي رقابة أو حراسة ولم يتم إبلاغ «الهيئة الوطنية للطاقة».

في سبتمبر (أيلول) عام1987 وبعد ما يزيد عن عامين على تحول المركز الطبي إلى مكان مهجور يتردد عليه المشردون، اقتحم لصان المكان بحثًا عن أي شيء يمكن بيعه. فوجدا أحد الأجهزة الكبيرة ليقوما بمحاولة تفكيكه وأخذ جزء منه إلى المنزل، وفي خلال أربعة أيام قاما بفك الرأس الإشعاعي دون أن يعلمها ماهية الجهاز بالضبط وحاولا كسر الغلاف الرصاصي الذي يحمي كبسولة أملاح «كلوريد السيزيوم» المشعة. لكنهم لم يستطيعا سوى كسر الغلاف ليفتحا نافذة صغيرة تصل إلى الكبسولة وقاما بفتقها. بعد ذلك دفنا بعض القطع غير المهمة تحت شجرة مانجو في منزلهما، وباعا الكبسولة إلى أحد تجار الخردة في المدينة والذي أعجب بتألق اللون الأزرق المتوهج فيها.

شعر اللصان ببعض أعراض التعب والإسهال والوهن الشديد وبعض الحروق في الأيدي، وعندما ذهبا إلى المستشفى تم إخبارهما أنها بعض آثار التسمم، أرجعا الأمر إلى طعام ملوث محتمل، ونسيا المسألة سريعًا، حتى تفاقمت الأعراض ودخلا إلى المشفى ليتعرض أحدهما لبتر أحد أصابع يديه.

خلال الأيام الخمسة التالية قام تاجر الخردة بتكسير الغلاف الرصاصي وقطع الكبسولة إلى عدة قطع صغيرة تداولتها الأيادي، ويقال إنه أراد صنع خاتم لزوجته، أما شقيقه فقام بنحت جزء من الكبسولة، حيث تناثر غبارها على أرضية البيت في ظل وجود طفلته الصغيرة التي دهنت جسدها باللون الأزرق أملاً في أن تضيء في الظلام. شقيق آخر لتاجر الخردة قام بطلاء صليب على جسمه ظنًا منه أن المادة مباركة فأراد أن يمنح نفسه البركة. ويمنح مزرعته والحيوانات التي يربيها بركتها.

في نفس الليلة شعر كل أهل البيت بالتعب والقيء والإسهال وظنوا أن هناك مشكلة بالطعام، إلا أن زوجة تاجر الخردة شعرت بالقلق تجاه ما حدث خاصة وأنها كانت متأكدة من أن الطعام كان جيدًا. فأخذت عينة من المادة الزرقاء وذهبت إلى طبيب الوحدة الصحية لتستشيره وهنا كانت المفاجأة.

حقيقة صادمة وفزع في كل مكان

شعر طبيب الوحدة الصحية بخطورة الأمر، فقام باستدعاء أحد الخبراء الفيزيائيين الذي قدم إلى المدينة في نهاية شهر سبتمبر (أيلول) 1987 ليكتشف أن المادة مشعة، وهي «السيزيوم-137» من المواد شديدة النشاط، واللون الأزرق المتوهج ما هو إلا نتيجة التأين المستمر مع تعرضه للهواء.

موجة فزع كبيرة أصابت المدينة بعد انتشار الخبر، فقدمت إلى المدينة لجان فيزيائية وطبية من ريو دي جانيرو وساو باولو، وقد فُحِص 112 ألف مواطن للكشف عن تعرضهم للإشعاع، وبالفعل اكتُشف تعرض 249 شخص لنسب عالية جدًا، فقامت الدولة بإخلاء ألفي متر من الأراضي، و25 منزلًا من سكانه (لاحقًا ثبت أن 240  مترًا فقط هي التي تعرضت للإشعاع) وكانت مخلفات الإشعاع تتجاوز 3500 متر مكعب، نتيجة جرف طبقات من التربة وكشط طلاءات المنازل والأرضيات وتفكيك بعض المنازل وهدمها.

توفي إثر هذه الحادثة أربعة أشخاص، هم زوجة تاجر الخردة وابنة أخيه وعاملين قاما بكسر وتفكيك الكبسولة. كذلك أصيب 28 آخرين بحروق شديدة، وتعرض للتسمم الإشعاعي ما يزيد عن الألف. تسبب الأمر في قلق كبير للمدن المجاورة حتى أن بعضها رفضت استقبال سياح من مدينة غويانيا، أو السفر إليها، وانخفضت نسبة الاستيراد من المدينة وأعرض الناس عن شراء الملابس أو الطعام أو أي منتجات أخرى خشية أن تكون حاملة للإشعاع.

«السيزيوم-137».. كلمة السر في الرعب النووي

بين كل عناصر النيوكليدات الناتجة عن الانشطار، يحظى «السيزيوم-137» بخصائص فيزيائية فريدة وشهرة تاريخية. إذ يتم إنتاجه بسهولة بكميات كبيرة أثناء الانشطار، وله عمر نصفي متوسط، كذلك يتحلل بواسطة مسارات عالية الطاقة، وهو يتفاعل كيميائيًا وقابل للذوبان بدرجة كبيرة. هذه الخصائص الفيزيائية جعلت «السيزيوم-137» إرثًا خطيرًا للحوادث النووية الكبرى مثل تشيرنوبيل وبعض الحوادث الأصغر مثل غويانيا.

ولتوضيح خطورة «السيزيوم-137» نعود بالذاكرة إلى حادثة تشيرنوبيل، إذ تم في الانفجار طرد حوالي 27 كيلو جرامًا من «السيزيوم-137» في الغلاف الجوي، كان السيزيوم 137 هو المصدر الأساسي للإشعاع في الحادث. واستقرت جزيئات المفاعل المتناثرة على بعد 100 متر بعيدًا عن المنشأة وفي دائرة قطرها 30 كيلو مترًا. وفي الشمال الشرقي لبيلاروسيا والتي تبعد كثيرًا عن موقع الحادث وجدت نقاط ساخنة كانت تصل فيها درجة الإشعاع إلى «5X106 Bq/2»  وفي جنوب السويد التي تبعد مئات من الكيلومترات عن موقع الحادث وبرغم الرياح العكسية كانت قراءة القياس «8X104 Bq/m2»، وفي عام 2002 وبعد مضي 16 عامًا على الحادث لا تزال 4 آلاف كيلو متر مربع من الأرض تحتوي على نسب عالية من «السيزيوم-137» ولا تصلح الأرض للسكن أو الزراعة.

بعد حادث غويانيا، ازدادت الأصوات المنادية بوضع ضمانات ومعايير لاستخدام الطاقة النووية سواء للأغراض العسكرية أو الطبية، وكيفية قياس المعدل الإشعاعي وما هي النسب الطبيعية. ولذا استجابت «وكالة الطاقة النووية» بوضع كتيب يوضح كافة التفاصيل وسبل العلاج في حال التعرض لنسب من الإشعاع. ومنها مادة علاجية أطلق عليها «الأزرق البروسي Prussian Blue» والذي استُخدم بعد حادث غويانيا، وتم اكتشاف أنه يساعد على خفض نسب الإشعاع لبعض الأشخاص الذين تعرضوا لنسب عالية خلال الحادث.

ولا زالت مثل هذه الحوادث تعيد على المتخصصين والشعوب أسئلة عن ذكريات الحوادث الأليمة والرعب الناجم عن سوء استخدام هذه التقنيات في مستقبل البشرية.

5 أضعاف تفجير هيروشيما.. ماذا تعرف عن تجربة فرنسا النووية في الجزائر؟