«الحشاشين البطالين»؛ هذا اللقب أطلقه نابليون بونابرت على فتوات مصر، عندما كان يعاني من مشاغبتهم ومحاولتهم المستمرة في السيطرة على الأحياء. بينما إن عُدنا إلى تاريخ «الفتونة»، والمعجم العربي؛ نجد أن الفتوة هو الشخص الذي يتصف بالمروءة وكرم الأخلاق. وهكذا بدأ مفهوم «الفتونة» حتى تطور مع تقدم السنين لأحد صور «البلطجة».

وخلال القرن التاسع عشر؛ كانت مصر مُقسمة إلى مناطق نفوذ لهؤلاء الفتوات، وعُرف عنهم بطشهم وجرأتهم واستهانتهم بالقانون. حتى أسسوا ديكتاتوريات هم ملوكها في أحياء مصر وضواحيها، الأمر الذي كان يؤدي لوقوع معارك دامية؛ سواء بين الفتوات بعضهم بعضًا متصارعين على النفوذ، أو بين الفتوات والشرطة.

عندما كانت بغداد عاصمة الخلافة العباسية؛ عانت شريحة كبيرة من المسلمين، من الفقر والجوع والتشرد أحيانًا. الأمر الذي أرسى فروقًا طبقية جعلت من الشعب أعيانًا وشحاذين؛ ومن قلب الفقر في بغداد ظهر «العيارين» وهم اللصوص المحترفون، والذين فيما بعد شكلوا حركة الفتوة في بغداد والتي حولتهم من مجرد لصوص إلى مشاغبين أصحاب قضية؛ غرضها التمرد على السلطة، والتي كانت من وجهة نظرهم السبب الرئيسي في وقوع الأزمة الاقتصادية في بغداد؛ ولهؤلاء الفتوات أو العيارين معارك ومناورات أيضًا مع سلطة بغداد.

في هذا التقرير نأخذك في رحلة مع خمسة من  أشهر معارك الفتوات في تاريخ القاهرة وبغداد.

«فُتوة تُخفى أنثى رقيقة داخلها».. الوجه الآخر لعالم البلطجيات في مصر

1. فتوة سوق السلاح ومعركة مأمور الدرب الأحمر

إذا عِشت في مصر؛ فأنت غالبًا تُدرك مكانة «الدرب الأحمر» و «سوق السلاح» بين المناطق الشعبية في القاهرة. تلك الأحياء التي تقع في المنطقة التي يُطلق عليها الآن «الحلمية الجديدة»، والتي كان الفتوة عبد الغني هو المُسيطر عليها. لكن هذا الأمر لم يكن رائقًا لمحمود الحكيم فتوة منطقة الكحكيين، وكانت الشجارات دائمًا ما تقع بين عبد الغني ومحمود الحكيم.

حتى جاء اليوم الذي تربص فيه محمود الحكيم بعبد الغني أثناء سيره دون رجاله في إحدى الصباحات؛ حتى دخل عبد الغني إلى أحد المقاهي بعد أن شعر بخطوات الحكيم وراءه، وعندما تأكد من وجوده معه داخل القهوة، التقط أحد مقاعد القهوة الخشبية وألقى بها على الحكيم؛ الذي تفادى الضربة وأمسك بالمقعد نفسه وهوى به على رأس عبد الغني فقتله؛ ثم فر هاربًا.

في تلك الفترة بمصر؛ كان بعض الفتوات يتمتعون بحماية فرنسا؛ ولذلك حينما علمت الشرطة بالحادثة، كان عليها استخراج تصريح من قنصلية فرنسا للقبض على الحكيم، عندما قُبض عليه، تسترت عليه القنصلية من خلال تزوير تقرير الطب الشرعي؛ إذ غيرت سبب الوفاة من ضرب أفضى لموت، إلى: «وفاة ناشئة من تناول كمية كبيرة من الخمر».

ولكن معارك الفتوة محمود الحكيم لم تنته عند هذا الحد؛ فقد كان مشاغبًا، ولا يقبل أن تُرد له كلمة؛ وتسبب هذا في سفك دماء العديد من رجاله ورجال الفتوات من أعدائه. لكن معركته مع وكيل القنصل ومأمور الدرب الأحمر؛ تعتبر أهمها على الإطلاق وربما تكون الأخيرة أيضًا.

كان قد وصل لعلم مأمور الدرب الأحمر -التابع له منطقة نفوذ الحكيم- أنه يدير منزله لترويج الحشيش، وتوفير «الغرز» لأصحاب «الكيف»؛ فاستخرج أمرًا جديدًا من القنصلية الفرنسية لاقتحام منزل الحكيم، بمشاركة المأمور ووكيل القنصل لقوات الشرطة. وهو الأمر الذي لم يرض به الحكيم؛ فنشبت معركة بين الجبهتين؛ وتسببت في مقتل وكيل القنصل، وإصابة المأمور ومجموعة من جنوده بجروح خطيرة، فلم تتهاون السلطات هذه المرة مع الحكيم، وقبض عليه ونُفي إلى بيروت.

2. روبن هود بغداد.. «لعن الله السلطان الذي أحوجنا إلى هذا»

في عام 420 هجريًا ببغداد؛ كان اسم ابن علي البرمجي له هيبة وسط كبار القوم قبل صغيرهم، وكان يُلقب بـ«مقدم العيارين»؛ وهي مقامة تشبه مقام كبير الفتوات في مصر. لم يكن البرمجي يخشى أحدًا، وإذا دخل على منزل واحد من الأغنياء وتجرأ الأخير على الاستغاثة؛ فلن يجد من يتجرأ لينجده من ابن علي.

لكن مسؤولي الأمن في ذاك الوقت والقادة؛ لم ترق لهم المكانة التي وصل لها البرمجي، ولذلك خطف أحدهم أربعة من رجاله بغرض ترهيبه وتخويفه وكسر شوكته. لكن البرمجي لم يكن سهل الترهيب؛ وخطف بدوره أربعة من رجال هذا القائد، وأرسل له رسالة فحواها: «قد أخذت أربعة من أصحابك، فإن لم تطلق من عندك؛ قتلتهم وحرقت دارك»؛ فلم يستطع هذا القائد معاداة البرمجي وأطلق سراح رجاله.

وفي محاولة أخرى للسيطرة على البرمجي، وقعت معركة بين قائد الشرطة والبرمجي ورجاله؛ قتل خلالها البرمجي قائد الشرطة بيده؛ فلما علم الأمراء الذين كانوا في الطريق لمحاربة البرمجي، والذي كان يستولي على أموالهم، عادوا أدراجهم خوفًا من أن يقتلهم مثلما قتل قائد الشرطة ورجاله.

وعلى الرغم من الخوف الذي عاش في قلوب القادة والأغنياء من البرمجي؛ إلا أن عوام الشعب كانوا في صفه، وكانوا يحبونه لأنه مثل باقي فتوات عيارين هذا العصر؛ لم يكن هدفهم إلحاق الأذى بالفقراء أو الضعفاء، بل كان الغرض من نشاطهم هو سلب الأغنياء جزءًا من أموالهم التي لم يتبرعوا منها للفقراء. وربما الدليل الأكبر على هذا الحب الذي كنه الشعب في بغداد للبرمجي؛ تلك الثورة التي قامت في أحد المساجد عام 424 هجريًا؛ عندما ثار رواد المسجد على الخطيب؛ مطالبين إياه أن تكون خطبته عن البرمجي، لا أن يخطب لملك أو حاكم.

وحتى الفتوات في هذا العصر؛ كانوا يكرهون المصير الذي وصلوا إليه، ويُذكر على لسان حمدي العيار، أحد فتوات العصر العباسي أنه قال: «لعن الله السلطان الذي أحوجنا إلى هذا، فإنه قد أسقط أرزاقنا؛ فأحوجنا إلى هذا الفعل».

3. توحة فتوة المطرية.. التي أغلقت شارع الشهاينة بمفردها!

الفتونة في مصر لم تكن مقتصرة على الرجال فقط، بل إن النساء في هذا المجال سيطرن على عدة مناطق مهمة؛ مثل جليلة أو سكسكة التي سيطرت على منطقة الجيزة، وحاول الكثير من المنافسين انتزاع نفوذها من تلك المنطقة أكثر من مرة دون جدوى؛ حتى أنهم كانوا يجولون الشوارع يهاجمونها بالهتافات قائلين: «يارب أهلك سكسكة في يوم حرب مهلكة»، ولكن جليلة أو سكسكة لم تكن من هواة العنف وتصيد المعارك؛ على عكس توحة، فتوة المطرية بالقاهرة.

الفتوة فتوة

لوحة تجسد شخصية المرأة الفتوة للرسام محسن أبو العزايم

كان سيد العجلاتي يقف أمام زوج الفتوة توحة متبجحًا؛ مطالبًا إياه بـ60 قرشًا يدين بهم إليه، بينما تقف والدة سيد -القزم- تتابع النقاش عن كثب؛ بغرض الاطمئنان على ابنها ضئيل الجسد في حالة أن تعدى أحدهم عليه. لكن أيضًا كانت توحة، التي عُرف عنها عدم التهاون في حق زوجها؛ تراقب النقاش عن قرب، فهذا المبلغ في الخمسينات بمصر لم يكن مبلغًا ضئيلًا.

في لحظة لمح سيد وجود توحة؛ فوجه كلامه إليها؛ مهددًا إياها بإبلاغ الشرطة إذا لم يحصل على أمواله، لكن التهديد كان أمرًا لا تتقبله فتوة «الحتة» على نفسها، فلعنت سيد وأمطرته بوصله من السباب؛ قبل أن تتدخل الأم بدلوٍ من المياه المتسخة؛ لتلقيه على رأس توحة؛ وبدأت المعركة.

خمس ضحايا نقلتهم عربة الإسعاف؛ أسقطتهم توحة بسكينًا ومبردًا حادا، إذ بدأت بطعن سيد الذي أشعل الشجار مع زوجها؛ وطعنته في رأسه بالسكين، بينما كان باقي الضحايا أقارب وأشقاء سيد الذين حاولوا تخليصه من يدها، وعابرين سبيل تجرؤا على اقتراح تهدئة الموقف. استمرت المعركة بين الجبهتين -توحة والشارع كاملًا- لساعات؛ حتى أغلقت كل الدكاكين أبوابها، وعم الذعر بين الطرقات. ويُحكى أن الناس في منازلهم كانوا يظنون أن حالة الجنون التي سيطرت على توحة؛ ستدفعها لاقتحام المنازل وقتلهم.

لم يكن من عادة أهل منطقة توحة اللجوء للشرطة، ولم يجرؤ أحدهم من قبل على فعل ذلك، لكن مشهد الفتوة الهائجة والسكين والمبرد الملوثين بالدماء في يدها، تركض خلف الناس في الشوارع؛ مهددة إياهم بالموت، دفع أحدهم للاتصال بالشرطة مستنجدًا: «إلحقونا المعلمة توحة ذبحت خمسة.. وقفلت الدكاكين في شارع الشهاينة».

تلك المعركة كانت نهاية فترة فتونة توحة؛ بعد أن احتجزتها الشرطة، واضطرت للإفراج عنها بكفالة خمسة جنيهات؛ والتعهد بعدم ممارسة الفتونة مرة أخرى، بعدما لم يسقط قتلى من جراء هذه المعركة حامية الوطيس.

4. باب النصر.. جنازة فتوة تتحول إلى معركة فتوات!

تاريخ معارك الفتوات في مصر مليء بالعداوات التي استمرت أعوامًا طويلة، وتعتبر العداوة ما بين فتوات حي الحسينية وحي القبيسي من العداوات التي دونت في التاريخ. واحدة من أشهر معارك الفتوات؛ وقعت في عام 1909 وأُطلق عليها معركة باب النصر. وكانت تلك المعركة التي لم يتصالح فيها فتوات الحيين أبدًا، كما تعودا في المعارك السابقة.

لقطة من فيلم الحرافيش

في يوم من الأيام توفي فتوة من فتوات حي القبيسي، والذي كان له الكثير من الأعداء بين صفوف فتوات الحسينية، ولذلك أثناء تشييع جنازته؛ اختار اعداؤه تلك اللحظة ليقتلوا رجاله، في رسالة توضح رغبتهم بضم هؤلاء الرجال لزعيمهم الذي لم تبرد جثته بعد.

عندما وصلت الجنازة لشارع باب النصر؛ هاجم فتوات الحسينية الجنازة وسالت الدماء، ووقعت الجثث من الجهتين واتسع نطاق المعركة حتى شمل حي الضاهر والسكاكيني. لم تتوقف المعركة عند يوم الجنازة؛ بل استمرت لعدة أيام عندما أراد فتوات القبيسي الثأر لأنفسهم؛ فجمعوا أعدادًا كبيرة من الرجال بأسلحتهم وهجموا على حي الحسينية ليقع المزيد من القتلى.

5. معركة الملاح البغدادي.. «العيارين» في صف الشعب!

خلال فترة نفوذ السلاجقة في بغداد؛ وخاصة في الأعوام 490 هجريًا إلى 493 هجريًا؛ عظم شأن فتوات العيارين، ولم تستطع السلطة السيطرة عليهم، ثم جاءت المعركة التي حُسمت لصالح فتوات بغداد؛ وساعدت في توسيع نطاق نفوذهم وسيطرتهم.

بدأت تلك المعركة بفتنة أُثيرت بين جنود الأمير بلغازي وعامة الشعب؛ بسبب مقتل أحد الملاحين البغداديين على يد أحد جنوده. فكان على فتوات بغداد التدخل والوقوف في صف عامة الشعب والانتقام لهم وحمايتهم، وهجم الفتوات على جنود الأمير وقتل بعضهم انتقامًا للملاح الضحية.

وبأمر من الخليفة تراجع جنود الأمير أمام فتوات بغداد؛ الأمر الذي عزز شأن الفتوات أمام عامة الشعب، وتمكنوا من الاستيلاء على الجانب الغربي من بغداد، ووقعت الكثير من المعارك في ذاك الوقت لمحاولة استرداد تلك المنطقة منهم. لكن دائمًا ما كان يقع الضحايا أمام فتوات بغداد الذين بدأوا في ذاك الوقت بالهجوم على السفن المُحملة بالخيرات وسرقتها، فلما زاد الأمر عند حده من وجهة نظر الخليفة؛ أصدر أوامر صارمة لمحاصرة الفتوات من كل صوب ومحاربتهم، حتى استطاع القضاء عليهم، واختفى الفتوات من بغداد لمدة 15 عامًا؛ قبل أن يعودوا لاحقًا بقوة؛ ليخوضوا معارك جديدة.

على خطا «ريا وسكينة».. 4 عائلات «دموية» مارست القتل المتسلسل