يُسأل «ما هي قواك الخارقة؟»، فيجيب بروس واين: «أنا فاحش الثراء»، تلك المحادثة في الفيلم الأمريكي الشهير «Justice League»، حينما سأل الرجل العنكبوت «سبايدر مان»، الرجل الوطواط «باتمان» عن قواه الخارقة، توضح في إطار كوميدي حقيقة شخصية «باتمان»، رجل الأعمال الذي ورث أموالًا طائلة، وقرر -في البداية- محاربة مخاوفه الداخلية، ومن ثم محاربة الشر في مدينته. 

المال والتكنولوجيا هما وسيلتا «باتمان» الرئيسيتان بجانب شجاعته ومخاطرته بحياته، على عكس «سوبر مان»، الذي تكمن قواه الخارجة في ذاته وليس في ما يملكه. وتلك هي نسخة «باتمان» التي ابتكرتها شركة القصص المصورة «دي سي» في عام 1939، حينما ظهر للمرة الأولى في القصة المصورة «Detective Comics».

ولكن شخصية «باتمان»، وشكل قناعه وهيئته الخارجية، لها أصول أقدم من ذلك بكثير، أصول تعود إلى 2500 عام بين طيات أساطير حضارة المايا، حينما حكوا عن إله يُدعى كامازوتس، وفي هذا التقرير نحكي لك قصته.

حتى القاتل في حاجة إلى إله يقدسه.. 4 من «آلهة العنف» في الثقافات القديمة

 

بداية «باتمان» لم تكن عبر القصص المصورة

احتكرت شركة «دي سي» فكرة البطل الخارق «باتمان» أو الرجل الوطواط، وهو إنسان برأس خفاش، وربما ساعدها على هذا عدم انتشار الكثير من الكتابات في العالم عن إله الخفافيش «كامازوتس»، الذي لم يذُكر قديمًا بين ما تركته حضارة المايا من آثار مكتوبة، سوى في كتاب «Popol Vuh» أو «كتاب البشر»، والذي يحكي قصة الخلق بعيون المايا.

وتلك الحضارة – المايا- سكنت وسط أمريكا خلال القرن السابع عشر، وعُثر على هذا الكتاب مكتوبًا بلغتها القديمة، وبين صفحاته يحكي قصة كامازوتس، وفي الأعوام الأخيرة بدأ المؤرخون والمهتمون بالحضارات القديمة، الاهتمام بهذا الإله، الذي كان له مكانة مميزة لدى شعوب المايا منذ آلاف السنين.

تمثال كامازوتس الموجود في متحف كوبان

كما عُثر مع مرور الوقت على تماثيل تجسد هيئته، ويعد أشهرها القناع الذي يعد مماثلًا لقناع «باتمان» كما نعرفه الآن، ويحفظ واحد منها في «متحف كوبان» المُخصص لعرض آثار حضارة المايا، والموجود في أمريكا الوسطى. ولم يعد في نطاق قدرة «دي سي» السيطرة على انتشار تلك الشخصية في الروايات والأعمال الفنية، خاصة بعد أن صدرت أكثر من رواية تدور حول شخصية كامازوتس وحده، مثل رواية «The Temple of Camazotz» للكاتب الأمريكي ديفيد ويلسون.

ولكن ظهور كامازوتس الأكثر شهرة، كان هذا العام 2019، حينما ظهر في أحداث فيلم «Hellboy»؛ مما فتح مجال الشهرة لشخصية كامازوتس في عصرنا الحالي، ومن غير المستبعد أن تسحب تلك الشخصية البساط من تحت أقدام شخصية «باتمان»، ولكن قد يتعارض مع ذلك خلفيتها التاريخية التي تختلف بعض الشيء عن شخصية الرجل الوطواط الطيبة التي نعرفها الآن. 

سيد الغموض والموت

على عكس شخصية «باتمان» التي تسعى للخير ومحاربة الشر، كان كامازوتس في كتاب «Popol Vuh» يجسد شخصية وحش قاتل ومخيف، يسكن كهفًا مظلمًا يخشاه كل البشر، ويطلق عليه «Zotzilaha» أو «منزل الخفافيش»، والذي كانت شعوب المايا تعتقد وقتها أنه بوابات العالم السفلي. 

وكان هذا الوحش تجسيدًا للشر، فهو يهاجم البشر ويقتلهم عن طريق قضم أعناقهم بأنيابه الحادة، وكانت شعوب المايا تؤمن أن كامازوتس هو أحد الشياطين أو الوحوش الأربعة المسؤولين عن القضاء على الحضارة البشرية، ومحو البشر من على وجه الأرض.

أحد تماثيل كامازوتس- مصدر الصورة «nubianplanet»

في لغة المايا، كلمة كامازوتس تعني حرفيًّا «خفاش الموت» ويطلق عليه أيضًا «إله الخفافيش»، وفي ثقافة المايا يرتبط هذا الإله بالموت، ويعتقد المؤرخون أن شعوب المايا استوحت شخصيته من فصائل الخفافيش مصاصة الدماء، بينما يظن البعض الآخر أنه قبل فترة العصر الجليدي، عاش خفاش عملاق مصاص للدماء وانقرض خلال العصر الجليدي؛ مما أوحى لشعوب المايا بشخصية كامازوتس، والتي جسدوها في تماثيلهم وصوروها في جسد إنسان ووجه خفاش، وأنف يشبه السكين الحاد.

وفي عام 1988، عُثر على حفرية خفاش مصاص للدماء في مقاطعة مونجاس في فنزويلا، وكان حجم هذا الخفاش يزيد عن حجم الخفافيش التي تعيش بيننا الآن بنسبة 25% وأطلق على هذا الخفاش اسم «Desmodus Draculae» أو «مصاص الدماء العملاق». 

ومرة أخرى في عام 2000، عُثر على حفريات مماثلة لهذا الكائن في شمال البرازيل، وفي جنوب الأرجنتين، ويُرجح من دراسة تلك الحفريات أن عمرها يعود للفترة نفسها التي عاشت فيها شعوب المايا في أمريكا الوسطى، ولذلك قد يكون «Desmodus Draculae» هو المُلهم لأسطورة كامازوتس.

خوفًا وطمعًا.. كامازوتس معبود شعوب المايا 

بغرض اكتفاء شره، أو طمعًا في حمايته، كانت هُناك شعوب انحدرت من حضارة المايا يعبدون ويقدسون كامازوتس، ويُطلق عليهم شعوب زابوتك الذين عاشوا منذ حوالي 200 عام قبل الميلاد في المكسيك، ويعتقد بعض الدارسين للتاريخ أن تلك العبادة تخطت حدود أرض المايا القديمة، وانتشرت في أنحاء جواتيمالا والبرازيل.

كان أصحاب تلك العبادة يؤمنون أن كامازوتس في النهار لا يكون سوى تمثال حجري، بينما في الليل، يستطيع الحركة ويفتح بجناحيه بوابات العالم السفلي التي يلقي فيها ضحاياه، الذين يمص دماءهم من الحيوانات، والبشر، والآلهة أحيانًا، مثلما حدث مع آلهة المايا التوأم «Xbalanqué»، و«Hunahp»، حينما قررا مراقبة كامازوتس في الليل.

هذا الأمر الذي أدى إلى قطع رأس الأخ الأول «Hunahp» على يد وحش الظلام والموت كامازوتس، ولذلك عادة ما كانت تجسده حضارة المايا في رسوماتها ممسكًا في إحدى يديه سكينًا حادًا، وفي اليد الأخرى قلب ضحيته.

تريد أن تصبح «سوبر مان»؟ هذه تمارين قد تمنحك بعض القوى الخارقة