على مدار ثمانية قرون، هي عمر ملحمة الأندلس الإسلامية، حفلت صفحات التاريخ الأندلسي بقصة متكاملة، امتطتْ خلالها منحنيات البعث والصعود والهبوط ثم الاندثار، وما بينها من تقلبات حادة وتدريجية. خلال تلك التجربة الإنسانية الحافلة، سُجِّلت فصول بارزة، مُتخَمةٌ بالعِبر والدروس. ولأن التاريخ في الشرق، خاصة العالميْن العربي والإسلامي، لا يملُّ من تكرار نفسه، وإعادة إنتاج المآسي بحذافيرها، دون اعتبار بتداعياتٍ ماضٍ بعيد، أو حاضر قريب، فإن العودة إلى بعض القصص الأندلسية، والتي مرَّ على بعضها أكثر من 12 قرنًا، تحمل الكثير من المنطق والمعنى والوجدان.

في الجولة الحالية، سنعود إلى الأندلس، في أواخر القرن الثاني الهجري، ومطلع القرن الثالث الهجري، حيث كانت دولةً موحدةً مستقلة عن خلافة بغداد في الشرق، وحتى عن دويلات المغرب المستقلة على الصفة المقابلة لها من البحر المتوسط.

 لم يكن المشهد آنذاك مُجسِّدًا لذلك التفاؤل الذي يوحي به الوصف بدولة موحدة مستقلة، فرغم الكثير من الازدهار الاقتصادي، والتنوع العرقي والثقافي، الذي كانت تتمتع به الأندلس، فقد كانت تلك الجزيرة -كما كانت تُعرَف- تموج بالثورات والاضطرابات والتمردات من حين لآخر، والتي كان مبعثها الطموحات الفردية، والتباينات العرقية والفكرية، والتناقضات الإقليمية، والتبرُم من الطغيان السياسي، وكان لجوء الدولة دائمًا للحلول الأمنية والعسكرية، باسم قمع الفتنة، ودرأ المفسدة، وحفظ هيبة الدولة ..الخ، لا ينجح سوى في دفن مكامن الاضطراب مؤقتًا تحت السطح، لتعود للتفجر مجددًا. 

عبد الرحمن بن معاوية.. «صقر قريش» الذي أحيا دولة الأمويين بعد موتها

الأمويون في الأندلس

يمكن اعتبار أنَّ البداية الحقيقية لتاريخ دولة الإسلام في الأندلس، كانت عام 138هـ، عندما دخلها عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي، بعد 46 عامًا من الفتح الإسلامي للأندلس على يد طارق بن زياد وموسى بن نصير. تمكن عبد الرحمن -والذي حمل لقبيْ الداخل، و «صقر قريش»، وكان يخوض رحلة فرار مدتها ست سنوات، من سلطات الثورة العباسية ضد الأمويين من تجييش أنصارٍ الأمويين في الأندلس، وقبائل العرب اليمنية، لينجح بهم في هزيمة يوسف الفهري حاكم الأندلس آنذاك، وأنصاره من العرب القيسية، ويعلن نفسه أميرًا على الأندلس.

قبل دخول عبد الرحمن إلى الجزيرة، كان يحكمها ولاةٌ ترسلهم الخلافة الأموية في دمشق، إلا أن إقليم الأندلس النائي عن كرسي الخلافة وقبضتها، والمكتظ بالثروات والمطامع، لم يشهد استقرارًا في عصر الولاة إلا قليلًا، كما في عهد السمح بن مالك، والي عمر بن عبد العزيز على الأندلس، حيث شاعت الفتن، والصراعات على كرسي الإمارة، وكان مصير عدد من هؤلاء هو القتل، وباءت معظم محاولات الدولة للسيطرة على هذا الإقليم بالفشل. 

خلال 34 عامًا من حكمه، تمكن عبد الرحمن الداخل من توطيد سلطانه على كافة أرجاء الأندلس الإسلامية، والتي كانت تحتل آنذاك ثلاثة أرباع مساحة شبه الجزيرة الأيبيرية -إسبانيا والبرتغال حاليًا-، لكن كان هذا بثمنٍ باهظٍ سياسيًا وعسكريًا، فقد قمع قمع عبد الرحمن على الأقل أكثر من 25 ثورة وقتنة كبرى، وراح ضحية تلك الحروب عشرات الآلاف من الضحايا، وتمكنَّت الدويلات المسيحية في شمال الجزيرة من استغلال تلك الاضطرابات جنوبًا في تعزيز وجودها، وشن الغارات على ثغور الأندلس الإسلامية.

كان حكم عبد الرحمن شبيهًا بحكم أجداده الأمويين في الشرق. دولة مركزية قوية، تُدار بقبضةٍ حديدية، يتم توارث الحكم فيها في النسل الأموي، لكن  تمكَّن الداخل أيضًا من تأسيس إدارة فعالة للأندلس، نجحت في مضاعفة مواردها المالية، وفي جهود بارزة في عمران المدن الأندلسية، وتحصين الثغور الشمالية لصد هجمات الدويلات المسيحية الشمالية.

تُوفِّي عبد الرحمن عام 172 هـ، فخلفه ابنه هشام، والذي كان كأبيه حاكمًا قويًا، لكنه اشتهر بالعدل، حتى شبَّهَهُ البعض بعمر بن عبد العزيز. مع ذلك، لم يخلُ عهد هشام من الاضطرابات، نتيجة خروج أخيه سليمان عليه، طلبًا للحكم، لكنه نجح في تعزيز سلطانه، وقمع ذلك التمرد وغيره. 

ومن أهم الظواهر التي تميَّز بها عهد هشام بن الداخل -وسيكون لها أثر بالغ في الأحداث العاصفة التي سيشهدها عصر خليفته في إمارة الأندلس، ابنه الحكم- تعزُّز حضور الفقهاء في الحياة العامة، وتأثيراتهم على الحياة السياسية، وكان ذلك بتشجيعٍ كبير من هشام، الذي كان يغلب عليه الورع والتدين، وكان من المتمذهبين بمذهب الإمام مالك، والذي كان معاصرًا لعهد هشام، ونُسِبَ له الإشادة بعدل هشام وتقواه.

من جراء ذلك، انتشر المذهب المالكي في الأندلس ولمع في سمائها، أسماء كبار الفقهاء المالكية مثل يحيى بن يحيى الليثي، وعيسى بن دينار، وغيرهما ..الخ. وأصبح للفقهاء المالكية نفوذ كبير بين عامة الناس، وخاصتهم من أهل الحكم والسلطان. توفي هشام بن الداخل عام 180هـ، وخلفه في السلطة ابنه الحكم. ولأن توريث الحكم أشبه بلعبة النرد، فإن حظوظ الأمة الأندلسية هذه المرة، لم تكن كحظوظها قبل ثمانية سنوات، وكان للأندلس مع الحكم مواعيد تختلف كثيرًا عن عهد أبيه العادل هشام بن الداخل.

الحكم بن هشام يخالف سيرة أبيه

«كَانَ الْحَكَمُ صَارِمًا، حَازِمًا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اسْتَكْثَرَ مِنَ الْمَمَالِيكِ بِالْأَنْدَلُسِ، وَارْتَبَطَ الْخَيْلَ بِبَابِهِ، وَتَشَبَّهَ بِالْجَبَابِرَةِ»  * «الكامل في التاريخ» أحداث عام 180هـ

ليس من الشائع أن يشتهر حاكمٌ في صفحات التاريخ بلقبٍ مشتقٍّ من اسم ثورة عنيفة اندلعت ضده. حمل الحكم بن هشام بن عبد الرحمن لقب الحكم الربضي، نسبة لثورة الربض العنيفة التي اندلعت ضد حكمه عام 202 هـ، والتي وضعت حكمه، وحكم الأمويين في الأندلس على المحك، بشكلٍ لم تشهدْه الجزيرة منذ الثورات الكبرى التي شهدتها السنوات الأولى من عهد عبد الرحمن الداخل. 

كان الحكم في السادسة والعشرين من عمره عندما تولى الإمارة خلفًا لأبيه، لكنه رغم حداثة سنة، كان صارمًا قويًا، معتدًّا برأيِه، شديدًا في قمع الفتن والتمردات، فلم يتورَّعْ عن قتل بعض من خرج عليه من أمراء البيت الأموي، وعلى رأسهم عمه سليمان بن الداخل عام 184 هـ. لكن، كانت تلك الثورات الداخلية، ومحاولات الانقلاب، هي الشغل الشاغل للحكم، فكان هذا على حساب تحصين الثغور الحدودية، فنجح ملك الفرنجة شارلمان في توجيه أول ضربة قاسية للأندلس الإسلامية، بانتزاع مدينة برشلونة عاصمة إقليم قطلونية (كاتالونيا) عام 185 هـ، والتي كانت تحمي المدخل الشمالي الشرقي للأندلس، بعد حصارٍ شديد استمر أكثر من سبعة أشهر.

كذلك كان الحكَمُ مولعًا بالبذخ والفخامة، وزينة الملك، وعمران القصور الفارهة وغيرها من مظاهر الترف التي تتجاوز كافة حدود الإسراف. كما كان شغوفًا برحلات الصيد، ينفق في بعضها لياليًا وأيامًا.

على الميزان، كانت كفتا مزايا عهد الحكم، ومعايبه، في السنوات الاولى من عهده متقاربتيْن، لكن المقارنة الحتمية التلقائية بين عهده، وعهدِ أبيه، لم تكن في صفه أبدًا، فالناس ما زالوا حديثي عهد بعدل أبيه، وورعه، واللذيْن تكاملا مع حزمه وعزمه، وشدته في غير البطش. لهذا تراكم السخط ضد الحكم تدريجيًا مع مرور الشهور والسنوات، ليصل في أواسط عهده، وأواخره، إلى مستوياتٍ تنذر بالخطر.

الحكم والفقهاء.. الصدام الحتمي

كانت شريحة الفقهاء، من أبرز شرائح المجتمع الأندلسي التي تململت من التغيير الكبير في نمط الحُكم، بين عهديْ الابن والأب، وكانت اعتراضاتهم تنصب على عدم اهتمام الحكم باستطلاع رأيهم في قضايا الحكم، وطغيانه، ومسارعتِه إلى سفك الدماء، بجانب إسرافِه الشديد في الإنفاق من مال الدولة على غير المصالح العامة، وإغداقه على المقربين منه، وخاصة الخاصة، وقادة جنده، فكانت الثروات دولةً بين الأقلية، على حساب الأغلبية.

وصلت الأمور إلى منعطف خطير عام 189 هـ، عندما دبَّر بعض كبار فقهاء الأندلس المالكية مؤامرةُ لخلع الحَكم من إمارة الأندلس، بالاشتراك مع بعض أمراء البيت الأموي المنحازين إليهم، والذين اختاروا من بينهم واحدًا هو محمد بن القاسم المرواني، لكي يضعوه أميرًا للأندلس مكان الحكم، لكن في اللحظات الأخيرة، غدر هذا الأخير بالثائرين، وأفشى للحكم قصة المؤامرة، فتثبَّت منها الأخير، وأمر عسكره باعتقال من يشتبه، قليلًأ أو كثيرًا، في علاقته بتلك الثورة المُجهَضة. 

 

نجح بعض الثوار في الفرار والتخفي، ومنهم الفقيهيْن الكبيريْن يحيى بن يحيى الليثي، وعيسى بن دينار، لكن وقع معظم المتآمرين في قبضة الحكم، فأمر بقتل وصلب أكثر من 70 منهم، في مشهدٍ مروع، أثار حفيظة عامة أهل قرطبة، حاضرة الأندلس، خاصة سكان ضاحية الأندلس المعروفة بالرَّبض، والتي كان يقطنها الكثير من البربر والمولدين -ذرية تزاوج العرب وسكان الأندلس الأصليين- والذي كان أكثرهم ناقمًا على استئثار العرب بالجانب الأكبر من الثروة والحكم.

لم تمر أشهر على أحكام الإعدام التي أنْزِلَت بالثائرين، حتى استغل بعض أهل قرطبة خروج الحكَم منها لقمع إحدى المتمردين على حكمه في مدينة ماردة، وثاروا عليه عام 190 هـ  بزعامة أحد سكان الربض، لكن وصلت الأنباء سريعًا إلى الحكم، فارتد بجيشه إلى قرطبة، وقمع الثورة، وألحق قادة تلك الثورة، بأصحاب المحاولة الانقلابية قبل أشهر، مما زاد النفوس احتقانًا ضده، وصنع جذواتٍ كثيرة تحت الرماد. 

سكنت قرطبة، وربضها، لأكثر من 10 سنواتٍ تالية، انصرف فيها الحكم إلى قمع اضطراباتٍ أخرى، خاصة في مدينة طليطلة، عاصمة الأندلس قبل الفتح الإسلامي، والتي كان أكثرية سكانها من المولدين الناقمين، فدبّر لهم الحكم مؤامرة عرفت بموقعة الحفرة عام 191 هـ ، والتي راح ضحيتها المئات من أعيان المدينة، ومقدَّميها، الذي قُتِلوا غدرًا أثناء وليمة كاذبةٍ أعدَّها لهم والي الحكم على المدينة، فكانوا هم ذبائحَها. ثم اقتحم بجيشه طليطلة مرة أخرى عام 199هـ عندما حاولت الثورة مجددًا ضد حكمه.

كذلك حاول الحَكَم تعزيز الثغور، ومواجهة مسيحيو الشمال، استغلالًا للاستقرار الداخلي النسبي الذي وفََرته القبضة الحديدية الصارمة التي سيطر بها على الأمور، ونجح في تحقيق بعض الانتصارات ضدهم، لكن لم يكن هذا كافيًا لينسى الناس ما تعرضوا له من قمعٍ وطغيان.

ثورة الربض ضد الحكم بن هشام

«وقد اختلفت الروايات في سبب قيام الناس وهيجهم؛ فمنهم من يقول إن ذلك الهيج كان أصله الشرُّ والبَطَر، إذ لم يكن ثم ضرورة من إجحاف في مال، ولا انتهاك لحرمة، ولا تعسفَ في ملكه» * ابن عذارى المراكشي، في «البيان المغرب»

على مدار السنوات الخالية، كان الاحتقان شديدًا، كان الناس يجتمعون في المساجد والأسواق، خاصة في أرباض قرطبة، حيث الكثير من المولدين، وأصحاب الحرف، وغيرهم من الطبقات المتوسطة والدنيا من المجتمع، والذين لم يستفيدوا من بذخ الحكم وترفه. 

زادت النفوس اضطرامًا مع فرض الحكم ضرائب باهظة على بعض السلع الغذائية، لتعويض خزانته الذي أرهقتها نفقات البذخ والعسكر. أخذ الناس يجاهرون بذم الحكم، وتعرَّض البعضُ لموكبه بهتافاتٍ مسيئة له، أثناء مروره في سوق الربض، فأمر جنده باعتقال بعض أهالي الربض، وأمر بقتلهم وصلبهم. فبلغ الاضطرام مداه، وأصبح الانفجار قاب قوسيْن أو أدنى، وحدثت اعتداءات عدة من أهالي قرطبة على بعض العساكر.

كانت الشرارة المنتظرة، شجارٌ عابر بين أحد جند الأمير، وأحد حدَّادي الربض، تصاعد إلى أن قتلَ الجنديُّ الحداد، فتداعى أهل الأرباض، خاصة الربض الجنوبي إلى الثورة، وكان ذلك في منتصف شهر رمضان عام 202 هـ على أرجح أقوال المؤرخين. اندفع الثوار دون رأسٍ توجههم، يقودهم الغضب، ومشاعر الانتقام، فاحتلوا شوارع قرطبة، حتى حاصروا قصر الحكم، مستغلين عنصر المفاجأة، وارتباك جند الحكم في أول المعركة.

لكن ما لبث الجنود المنظمون أن استعادوا المبادرة بقيادة ابن عم الحكم عبيد الله البلنسي، ونجحوا في دفع الثوار خارج فناء القصر، واختراق صفوفهم حتى تمكن بعضهم من النفاذ إلى الربض، وأشعلوا النيران في  دور الثائرين، وفيها أسرهم ومتاعهم، فلما ذاعت تلك الأخبار المروعة، ورأى الثوار ألسنة اللهب تندلع من مناطقهم، انخذلت نفوسهم، وولوا مدبرين، وتتبعهم جند الحكم قتلًا وأسرًا، واستباحوا مناطقهم بأمر الحكم لأيامٍ ثلاثة.

أمر الحكم بقتل 300 من الثوار المعتقلين، وصلبهم أمام قصره، إرهابًا لأهالي قرطبة. ثم شرع عسكر الحكم في محو الربض الجنوبي الذي كان معقل الثورة محوا، وأعطى مهلة قصيرة للاجئين والمشردين لمغادرة قرطبة، من يتخلف بعدها يؤسَر، وكانوا يعدون بعشراتِ الآلاف.

تفرق بعض هؤلاء في مدن وحواضر الأندلس، بينما فضل الآلاف منهم عبور البحر، ليستقر جزء منهم بالمغرب، بينما أكمل الكثيرون رحلتهم إلى مدينة الإسكندرية بمصر، والتي كانت ساحة لفتنة كبرى منذ سنوات، فاشترك الثوار الأندلسيون في بعض أحداثها، ولذا فعندما استقرت مصر تحت حكم عبد الله بن طاهر، واليها من قبل الخليفة العباسي المأمون، فإنه توجَّس خيفة من الأندلسيين، وأمرهم بمغادرة الأسكندرية، فرحلوا بحرًا بزعامة قائدهم أبي حفص البلوطي، عام 212 هـ، فنزلوا بجزيرة كريت في البحر المتوسط، فافتتحوها، وأقاموا بها مستعمرة إسلامية، ظلت لأكثر من قرنٍ وربع من الزمن، قبل أن يستولي عليها البيزنطيين منتصف القرن الرابع الهجري.

أما الحكم فتوفي عام 206 هـ، بعد أربعة أعوام من ثورة الربض، قضى أغلبها مريضًا، فأوكل معظم سلطاته إلى ابنه عبد الرحمن، الذي تولى إمارة الأندلس من بعده. ونقل بعض المؤرخين أنه على سرير احتضاره، ندم بشدة على القسوة المفرطة التي واجه بها ثورة الربض، وتمنَّى لو لم يكن فعل كل هذا.

من الصعود إلى السقوط.. المختصر الشامل لتاريخ الأندلس