منذ أيام قليلة، نشرت «وكالة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)» الإخبارية، تقريرًا عن التغيرات التي طرأت على التربة الصقيعية في القطب الشمالي؛ وذلك بعد التغيرات المناخية الأخيرة التي أدت إلى ذوبان الجليد والأراضي المتجمدة بوتيرة متسارعة. عن ذلك تقول الباحثة سو ناتالي أن «التربة الصقيعية -الأراضي المجمدة-، والتي ظننا أنها ستبقى هكذا إلى الأبد؛ تذوب الآن كاشفة عن أسرارها الخفية، مما يطلق سراح كميات هائلة من السموم وأمراض اندثرت منذ أزمنة سحيقة».

كيف يؤثر ذوبان جليد القطب الشمالي على حياتنا؟

منذ عام 1980 وحتى وقتنا الحالي، تقلصت مساحة الجليد في القطب الشمالي نحو 40% من مساحتها الأصلية، ومع ارتفاع درجات الحرارة الناجمة عن الاحتباس الحراري، تواصل المنطقة القطبية الشمالية فقدان مساحة الجليد الخاص بها، وفي شتاء 2018، وصلت المنطقة إلى ثاني أصغر مساحة «متجمدة» لها، بعد عام 2017، ويشير الخبراء إلى أن الغطاء الجليدي آخذ في التقلص، وسيصل في المستقبل إلى مستوياتٍ قياسية. لكن هل سيؤثر ذلك على مجرى حياتنا؟

«إن تأثير «الألبيدو» أو البياض، وتقلص مساحة الجليد في السنوات الأخيرة، مسؤول بالفعل عن 25% من ظاهرة الاحتباس الحراري التي يشهدها العالم حاليًا». *جنيفر فرانسيس

يقول عن ذلك مايكل مان، عالم المناخ في جامعة بنسلفانيا: «القطب الشمالي هو «فريزر» كوكب الأرض الطبيعي»، والتغيرات التي تطرأ عليه لن تؤثر فقط على القطب الشمالي، بل ستطال كوكب الأرض كاملًا. يضيف: «كوكبنا له نظام مترابط، وتلاشي الجليد له أثار نعاني منها بالفعل في الجنوب، منها تسريع وتيرة الاحتباس الحراري العالمي، وارتفاع مستويات البحار، وازدياد معدل الكوارث الطبيعية الشديدة، مثل الفيضانات»، يشير مان إلى أنه وفي ظل ارتفاع درجات الحرارة الحالية، لن يعاني الإنسان وحده، بل حيوانات القطب الشمالي، خاصةً الدببة القطبية، وذلك لصعوبة التأقلم على التغيرات المناخية الجديدة.

                              (ذوبان جليد القطب الشمالي)

يوافق إغناتيوس ريجور، من جامعة واشنطن، مايكل مان الرأي، مُشيرًا إلى أن ذوبان الجليد في القطب الشمالي يشبه فتح علبة كبيرة من الديدان، «يبدو الأمر مخيفًا في بادئ الأمر، إلا أننا نحاول كل يوم إدراك مدى تأثيره على كوكبنا».

يشير الباحثون إلى أن هناك ظاهرة تُعرف بـ«الألبيدو»، وهي ظاهرة فيزيائية تشير إلى قدرة أسطح كوكب الأرض على عكس الطاقة الشمسية في الفضاء، وهو أمر سيتأثر في الفترة القادمة؛ إذ تعكس الأسطح البيضاء -مثل الجليد والثلوج- حوالي 80% من مقدار الطاقة الشمسية إلى الفضاء، أما إذا اختفت تلك البقع البيضاء، فإن المحيطات والأرض المظلمة ستستوعب حوالي 90% من مقدار هذه الطاقة، مما سيعمل على ازدياد الاحتباس الحراري العالمي. عن ذلك يشير بيتر واهامز أستاذ فيزياء المحيطات بجامعة كامبريدج، أن الأمر أشبه بامتلاك سيارة سوداء في فصل الصيف؛ إذ تعمل على امتصاص السخونة بمقدارٍ أكبر مما لو كانت السيارة بيضاء.

تعتقد جنيفر فرانسيس، أستاذة وباحثة في كلية البيئة والعلوم البيولوجية، أن ظاهرة الاحتباس الحراري التي يشهدها العالم حاليًا، هي نتيجة لتقلص مساحات الجليد في السنوات الماضية، «إنه تأثير ألبيدو»، هكذا صرحت، مُشيرة إلى أن ارتفاع وتيرة الاحتباس الحراري في القطب الشمالي يعادل ضعف النسبة التي يشهدها بقية العالم، وهو أمر في حد ذاته ينذر بمشكلاتٍ كبيرة.

تشير فرانسيس إلى أن ذوبان التربة الصقيعية، قد يؤدي إلى إطلاق بعض الغازات السامة مثل الميثان والكربون، والتي كانت مختزنة داخل الجليد منذ أمدٍ بعيد، والتي من شأنها أن تجعل الاحتباس الحراري أسوأ.

علم الأحياء الدقيقة.. من «لعنة الآلهة والسحر» إلى العلاج بالمضادات الحيوية

الجمرة الخبيثة أحدها.. «أمراض منسية قد تعود إلى الحياة»

في سيبيريا -وهي منطقة متجمدة تحتل 77% من مساحة روسيا، وفي صيف عام 2016، قتلت الجمرة الخبيثة طفلًا في الثانية عشر من عمره، يعيش في منطقة نائية، ومن ثم شُخص أكثر من 20 شخًصا من سكان جزيرة يامال بهذا المرض القاتل، ونُقل إلى المشفى أكثر من 100 شخص في حالة مشابهة، ونفق أكثر من 2500 حيوان. كان سبب الوفاة في البداية غامضًا حتى ظنَّ الناس أنه «الطاعون السيبيري»، والذي اختفى من المنطقة منذ أكثر من 50 عامًا.

بعد فترة، أعلن المسؤولون الروس، أن سبب الوفاة كان ذوبان الجليد؛ إذ أن التربة الصقيعية -وهي تربة متجمدة بشكلٍ دائم، قد بدأت في الذوبان، مما أطلق سراح بعض الجراثيم المميتة، والتي دفنت داخل التربة منذ عقودٍ وجمدت، وبمزيدٍ من البحثِ، أكتشف العلماء أن منشأ المرض كان جيفة متعفنة لحيوان الرنة، هلكت بسبب المرض نفسه قبل نحو 75 عامًا.

كان المرض هو أحد الآثار الجانبية لظاهرة الاحتباس الحراري؛ إذ توقع الباحثون منذ سنوات، أن كل ما جُمد في التربة الصقيعية من سموم أو بكتيريا قديمة، سيطلق سراحه مع موجات ارتفاع الحرارة الحالية، وقد يشمل ذلك تغيرات في «طرق العدوى»، لم يستعد لها البشر بعد، وليس لديهم مناعة قوية لصدها، وهو الأمر الذي يتحول الآن إلى واقع؛ فكل الكائنات الدقيقة المُعدية، والتي جُمدت عميقًا منذ عقود أو مئات من السنين، تعود الآن. ومع ارتفاع درجة حرارة الأرض ستصبح الدول الشمالية أكثر عرضة للإصابة بالأمراض الجنوبية، مثل «الملاريا» و«الكوليرا».

«سكن البشر الأوائل القطب الشمالي، وما زالت رفاتهم مجمدة هناك حتى الآن، وقد أصيبوا بفيروساتٍ مختلفة، نعلم منها الجدري، إلا أن بعض هذه الفيروسات قد اختفى ولا نعلم عنه شيئًا».  *كلافيري

في الجليد تعود البكتيريا المجمدة إلى الحياة، تاركة أجساد ضحاياها، مختبئة تبحث عن عائلٍ جديد. هذا ما حدث في سيبيريا والتي فقدت حوالي 40% من سكانها في القرن التاسع عشر، كان ذلك نتيجة وباء «الجدري»، وقد دفنت الجثث على ضفاف نهر كوليما. وعندما اختبروا جثث الرجال الذين لقوا حتفهم خلال الأوبئة الفيروسية، وجد الباحثون جثثًا بها قروح مميزة للعلامات التي خلفها مرض الجدري على جثث الرجال؛ إلا أنهم لم يعثروا على فيروس الجدري نفسه، فقط اكتشفوا شظايا من الحمض النووي الخاص به.

يشير كلافيري إلى أن ذوبان الجليد في القطب الشمالي قد جعل الوصول إلى الساحل الشمالي السيبيري أكثر سهولة، مما شجع على الاستغلال الصناعي، بما في ذلك من عمليات التعدين عن الذهب والمعادن والنفط والغاز الطبيعي، إلا أن تلك التربة التي كانت بالأمس صقيعية، وأصبحت الآن مناطق مهجورة، مع الحفرِ والتعدين، قد تؤدي إلى كارثة؛ إذ يمكن للفيروسات أن تعود بذلك إلى الحياة.

يضيف كلافيري أن بعض هذه الفيروسات قد تعرض بالفعل إلى تلف الحمض النووي الخاص به، فلم يعد معديًا، إلا أن الفيروسات الضخمة والتي يمكننا رؤيتها عبر المجهر العادي، تمتاز بصلابتها، وبالتالي هي الأكثر احتمالية لأن تصيب الإنسان.

تشير مجلة «Scientific American» العلمية إلى أنه على الرغم من وجود بكتيريا الجمرة الخبيثة الآن وعدم ارتباطها بالجليد والمناخ المتجمد، إلا أن ذوبان الجليد قد يزيد من عدد الأشخاص المُعرضين لهذه البكتيريا المميتة، هذا إضافةً إلى عودة «ناقلات العدوى» في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، خاصةً بالقربِ من المقابر التي احتضنت رفات ضحايا هذه العدوى الأولى.

بكتيريا مرض الجمرة الخبيثة

يشير رئيس «معهد البحر الأبيض المتوسط للأحياء الدقيقة»، إلى أن بعض الكائنات الدقيقة على الرغم من ذلك لا يمكنها النجاة من البرد القارس، إلا أن مرض الجمرة الخبيثة من الجراثيم المقاومة للغاية، ويمكنه الصمود لأكثر من 100 عام. هناك الكثير من الفيروسات كذلك يمكنها الصمود في البرد القارس لفتراتٍ طويلة، إذ توصل الباحثان كلافيري وشانتال أبيرجل من خلال تحليل التربة الصقيعية في سيبيريا إلى وجود فيروسات عمرها أكثر من 30 ألف عام، مما يشير إلى احتمالية عودة أمراض مثل الجدري والأنفلونزا الإسبانية.

«الفيروسات البشرية من الأزمنة السحيقة يمكن أن تعود أيضًا، فقد سكن البشر الأوائل القطب الشمالي، وما زالت رفاتهم مجمدة هناك حتى الآن، وقد أصيبوا بفيروساتٍ مختلفة، نعلم منها الجدري، إلا أن بعض هذه الفيروسات قد اختفى ولا نعلم عنه شيئًا»، هكذا أشار كلافيري مُضيفًا أن احتمالية العدوى من رفات البشر الأوائل، على الرغم من كونها مثيرة للاهتمام، إلا أنها تبعث في النفوس قلقًا جديًا.

كانت تلك الأسباب هي التي دفعت جانيت جانسون إلى دراسة التربة الصقيعية في مختبر المحيط الهادئ الشمالي الغربي، ولاية واشنطن، وذلك من أجل تحديد نطاق الكائنات الدقيقة التي تعيش في التربة الصقيعية، وقد يشكل بعضها مخاطر صحية، ولتحقيق هذ الهدف؛ تستخدم تسلسل الحمض النووي وتحليل البروتين، من أجل تحديد هوية الكائنات الحية الدقيقة غير المعروفة، والتي يطلق عليها «مادة ميكروبية مظلمة».

ماذا يحدث لأجسامنا إن هاجمتها فيروسات فتاكة غائبة منذ آلاف السنين؟

عندما توفي حيوان الرنة المصاب بالجمرة الخبيثة منذ أكثر من 75 عامًا، أصبحت جثته المتجمدة مُحاصرة تحت طبقة من الأراضي الجليدية المعروفة باسم «التربة الصقيعية»، وقد بقي متجمدًا هناك حتى موجة صيف حار عام 2016؛ فبعدما ذاب الجليد، وكشف عن جثة الرنة؛ أطلقت الجثة بكتيريا الجمرة الخبيثة في التربة والمياه القريبة منها، حتى وصل الأمر إلى إمدادات الغذاء، ونفق على إثر ذلك حوالي 2500 حيوان رنة، هذا إضافةً إلى إصابة بعض الرجال من رعاة الرنة.

في أوائل القرن العشرين وحده، مات حوالي مليون حيوان رنة، جراء الإصابة بالجمرة الخبيثة، ومعظم هذه الذبائح دفنت على السطح، وليس في التربة العميقة، منتشرة بين 7 آلاف مقبرة في روسيا، عن ذلك يقول عالم الأحياء ميشيل كلافيري أن تلك التربة الباردة والمظلمة بلا أكسجين، كانت بيئة مناسبة لحفظ الفيروسات التي دفنت في طبقات التربة الصقيعية القديمة، بما في ذلك تلك التي تسببت في أوبئة عالمية في الماضي.

في عام 2017، أعلنت ناسا عن العثور على ميكروبات عمرها من 10 إلى 50 ألف عام داخل بلورات في كهف ميكسيكي. كان الكهف مظلمًا. معزولًا لم ير الشمس أبدًا، وبمجرد إزالة البلورات، عادت البكتيريا إلى الحياة وبدأت في التكاثر، إلا أن الباحثين قد وجدوا أمرًا مُريبًا: «أصبحت البكتيريا مقاومة لحوالي 18 نوعًا من المضاداتِ الحيوية، بما في الأدوية التي تعتبر الملاذ الأخير في مكافحة العدوى».

عبر السنوات، كانت البكتيريا قد طورت دفاعاتها، وأصبحت قادرة على مقاومة حوالي 70% من المضادات الحيوية وتعطيل فاعلية الكثير منها؛ إذ أن الكثير من الفطريات والبكتيريا تنتج مضادات حيوية بشكلٍ طبيعي، وهو أحد عوامل التطور الدفاعية، لمنافسة الميكروبات الأخرى، ولأن البكتيريا والفطريات تشكل حوالي 99% من تكوين المضادات الحيوية المستخدمة لدى البشر، فإن تلك العدوى البكتيرية، تقاومها بشكلٍ طبيعي. ويشير كلافيري إلى ضرورة التركيز على المضادات الحيوية التي من صنع الإنسان، بلا تدخل للمكونات الطبيعية للبكتيريا والفطريات، وذلك إن أردنا مكافحة هذه العدوى.

بحسب كلافيري، فإن الخطر الناجم عن مسببات الأمراض الناجمة عن ذوبان الجليد، حتى الآن غير معروفة نسبته؛ إلا أن احتمالية مقاومة البكتيريا المجمدة عند الإصابة بها، للمضادات الحيوية التي نستخدمها، وبالتالي عدم الاستجابة للعلاج، تبعث على القلق، مُشيرًا إلى أن جهاز المناعة البشري والذي لم يجر تحصينه جيدًا لمثل هذه الأمراض النادرة، لن يستطع المقاومة، وهو أمر خطير.

في أعقاب التغيرات المناخية غير المسبوقة.. العلماء يسعون إلى إعلان دخول العالم عصرًا جيولوجيًا جديدًا