هل لدى البشر رغبة فطرية للـ«اصطباح» أو «الكيف» أو الانفصال عن الواقع؟ هذا سؤال يسأله الكثير من دارسي الأنثروبولوجي، وربما تعود أسباب تساؤلهم لاكتشاف قدرة الإنسان على تسخير الطبيعة والنباتات منذ الأزل لهذا الغرض، وهو الأمر الذي لم تحرمهم الطبيعة منه ومنحتهم إياه بوفرة، وبمختلف الأنواع والأشكال. 

وما نراه الآن في عالم «الكيف» هو رغبة الإنسان المُلحة للهروب من الواقع، أو للاستمتاع المضاعف بالأشياء مثل ممارسة الجنس، ولكن حديثًا ظهرت توجهات جديدة لاستخدام المخدرات لأعراض روحانية، وأصبح الكيف يطلق عليه مسمى «الرحلة»؛ حينما تستخدم المخدرات التي يستمر تأثيرها أكثر من ثلاث ساعات، ويكون تأثير هلاوسها السمعية والبصرية قويًّا وأقرب إلى الواقع.

ولكن هذا التوجه ليس جديدًا بالمرة، بل هو طقس يعود لآلاف السنين. وفي هذا التقرير نخبركم قبل انتشار الأفيون والحشيش بين البشر، ما الذي كان يستخدمه البشر للـ«كيف»، ولماذا؟

 

مترجم: جيوش مخدرة منذ قرون.. كيف استخدم الجنود المخدرات لمواصلة الحروب؟

«صبار الهلوسة» في عصور ما قبل التاريخ

المخدرات والمُكيفات عرفت طريقها الأول للإنسان عن طريق الطبيعة، قبل أن يتدخل عقله والتكنولوجيا في تصنيعها ومزجها في عمليات كيميائية، وفي بداية عام 2013، اكتشف علماء الآثار في مدينة بيرو مبنى معماريًّا أطلقوا عليه في ما بعد «معبد النار»، وهذا المعبد كان مركز استقرار الشعب القديم لبيرو منذ ما يزيد على 4 آلاف عام، وخلال تلك الفترة كانت الزراعة هي سبب اختيار هذا الشعب للاستقرار بدلًا من التجوال للبحث عن الطعام، وطالما استقروا فقد كانوا في حاجة لصرح ديني يلجأون إليه وهو معبد النار.

بتحليل الحفريات التي وجدت في التربة المحيطة بمعبد النار؛ عرف الأثريون القائمة الغذائية والزراعية لهذا الشعب، والتي تكونت من البطاطا والخروب والقطن والصبار، والأمر الذي أثار اهتمام المستكشفين هو بقايا عمرها يزيد عن 4 آلاف عام لنوع مميز ونادر من الصبار. وهو صبار يُطلق عليه «صبار سان بيدرو» نظرًا لانتشاره هُناك في وقتنا الحالي، ويُطلق عليه أيضًا «صبار الهلوسة»؛ وهذا لما تسببه الأبخرة الناتجة عن حرقه من هلاوس سمعية وبصرية لمن يستنشقها؛ تلك الهلاوس التي تشبه كثيرًا في مضمونها الهلاوس الناتجة عن تعاطي عقار الـ«إل إس دي» والـ«دي إم تي» وغيرها من العقارات التي اكتسبت مؤخرًا سمعة مرتبطة بالثقافات الروحانية والتي يستخدمها البعض في طقوس تأملية أو علاجية روحية مثل استخدام قبائل الشامان لعشب الـ«أياوسكا».

صورة لبقايا الصبار المحروقة التي عثر عليها الأثريون. مصدر الصورة «.ancient-origins»

والمثير للاهتمام في الأمر -من وجهة نظر مكتشفي الصبار- أن وجوده داخل المعبد، والعثور على بقاياه التي تبلغ طولها 30 سم وهي مثبتة في أرض المعبد بمسامير ومحروقة؛ تدل على استخدامه من آلاف السنين لنفس الغرض؛ وهو غياب الموجودين عن الوعي، ودخولهم في حالة من الانفصال عن الواقع في إطار طقوس دينية؛ يرون على أساسها الكثير من الهلاوس السمعية والبصرية، والتي يرجح علماء الآثار أنها تشبه كثيرًا ما يمارسه الشامان الآن، ومن المرجح أن صبار الهلوسة الذي غُثر عليه كان يستخدمه شعب بيرو القديم بغرض «الكيف».

اليوبو.. للـ«كيف» طقوس

«استنشق الـيوبو وانفصل عن المدنية الفقيرة»؛ هذا هو شعار السكان الأصليين لغابة الأمازون، والذي كان شعار مختلف القبائل التي عاشت في أمريكا الجنوبية منذ ما يزيد عن 4 آلاف عامًا، هذا المخدر الذي يُدعى «يوبو»؛ استخدمته ولازلت تستخدمه تلك القبائل بغرض العلاج الروحاني، والتواصل مع الطبيعة والانفصال عن الواقع المُغرق في المعمار والأموال والمدنية بشكل عام.

طريقة تعاطي اليوبو لدى سكان الأمازون – مصدر الصورة «spiritmolecule»

مخدر اليوبو يُصنّع من البذور المًجففة لشجرة «Anadenanthera» والتي تعود تسميتها للكلمة السنسكريتية «ananda» والتي تعني بالعربية  النعيم أو الجنة، وبعد تحميص تلك البذور؛ تُطحن في مزيج من التبع والعسل والمكونات الآخرى التي عادة لا يفصح عنها أفراد تلك القبائل، ويكون المنتج في النهاية ذا رائحة زكية.

عن طريق المضغ أو الاستنشاق؛ يتعاطى سكان القبائل اليوبو؛ الأمر الذي يجعل تأثيره سريعًا ومكثفًا، وفي الخمس دقائق الأولى يشعر المتعاطي بانزعاج شديد وضيق في التنفس، وبعدها يشعر بالغثيان الذي قد يؤدي للقيء، ولكن سرعان ما يمر المنحدر الصعب للمخدر وتبدأ الهلاوس السمعية والبصرية والتي عادة ما تتمحور حول السفر عبر الزمن، أو التجول في الأبعاد الكونية، والرؤى الروحانية الواضحة والتي قد تترك تأثيرًا نفسيًا ممتدًا مع متعاطيه بعد خروجه من الدم، ويستمر تأثيره لمدة ساعتين كاملتين.

اللوتس الأزرق.. تعرف إلى أقدم المخدرات في مصر 

«مرهم الطيران» يحطم الخط الفاصل بين الواقع والخيال

صورة الساحرة التي تطير ممتطية المكنسة القش؛ هي من الصور الراسخة في أذهان الكثير من البشر، والفضل في ذلك يرجع إلى هوليوود والتي جسدت ساحرات العصور الوسطى بجدارة سواء في أفلام كوميدية أو أفلامًا للرعب، ولكن المهتمون بهذا الشأن، وقرأوا عنه معلومات دقيقة؛ ربما يكونون قد صادفوا مصطلح «مرهم الطيران» أكثر من مرة، وهو مُخدر كانت تصنعه الساحرات بغرض تعزيز طقوسهم السحرية.

هذا المرهم المكون من مجموعة نادرة -بعضها سام- من الأعشاب، صنعته الساحرات في أوروبا وكان له تأثير قوي على من يلامس جسده؛ حتى  أنه يرى هلاوس واضحة يصعب على مستخدم المرهم؛ أن يصدق فيما بعد أن ما مر به وهو تحت تأثير هذا المخدر كان مجرد وهم، ولذلك عُرف عن هذا المرهم أنه ما يمنح الساحرات القدرة على الطيران على تلك المكانس كنا نتحيلهم الآن؛ وهذا لأن الساحرة حين تدهن به جسدها وتقع تحت تأثيره تفقد شعورها بجسدها ويهيئ لها أنها تطير بالفعل.

ولتأثيره القوى على البشر؛ أثيرت حوله أساطير بأن الساحرة في أوروبا كانت تصنعه بمزيج من الأعشاب مُضافًا إليه دهون طفل رضيع لم يُعمّد بعد، ولكن يُرجح أن تلك المعلومة نشرتها الساحرات رغبة منهن ألا يقرب هذا المرهم أي شخص لا يمارس السحر، ولا يتعرف على طريقة صناعته العامة. وعلى الرغم من أن ليس هناك حتى الآن معلومات أكيدة عن طريقة تصنيع هذا المرهم ومقاديره، إلا  الكثيرين قد اتفقوا أنه كان مزيجًا من أعشاب الهنابان، والماندريك، والداتورة، والقنب، ولازال هُناك من يدعي القدرة على صناعته وتسويقه على مواقع التسوق الإلكترونية.

الهيبين الأسود.. طريق «الكيف» الذي قد يؤدي للوفاة

تجد الطبيعة مرة آخرى طريقها للإنسان؛ مانحة إياه نباتًا غامض؛ يبدو مظهره جميلًا يصلح للزينة، ولكن في داخله الكثير من الأغراض الآخرى وهو نبات الهيبين الأسود.

في البداية؛ استخدمه سكان أوروبا وآسيا في القرن الماضي بغرض تسكين الآلام بعد أن اكتشفوا قدرته السحرية على التخدير، وكان الأمر سهلًا في ذاك الوقت نظرًا لانتشاره في الغابات الموجودة في القارتين، ولكن سرعان ما اكتشفوا آثاره الآخرى من ملاحظة تصرفات من استخدموه لتسكين الألم، وأقبل عليه الجميع فيما بعد بغرض «الكيف»، ولكن الخطير في أمر هذا النبات هو تواجد السموم فيه بدرجة عالية، ولذلك إن لم يكن من يتعاطاه خبيرًا بالكميات المناسبة؛ قد يؤدي تعاطيه إلى الوفاة.

آكلو وجوه البشر يجوبون الشوارع.. مخدر «غبار القرد» الجديد قد يجتاح العالم