«أنت لست وحدك، هناك من يشبهك تمامًا، وهو معك أينما كنت، لن تراه في الأغلب، وربما تلتقى به يومًا في المرآة أو في الشارع، لكن عليك أن تخشاه لأنه ليس طيبًا، بل شريرًا، فهو ليس إنسانًا مثلك»، تلخص الكلمات السابقة فكرةً قديمةً لم تزل موجودةً إلى الآن، تناقلتها الحضارات والثقافات المختلفة عبر تاريخها الطويل، ولكن بأسماء متنوعة، يُعرف في الأدبيات الإسلامية باسم «القرين»، أما في الغرب فيعرف باسم «دوبلجنجر -Doppelgänger».

«دوبلجنجر» أم توأم شرير؟

لا يمكن الجزم بأول ظهور لفكرة القرين في الحضارات والثقافات القديمة، لكن يمكن أن نبدأ بالحضارة الفرعونية، والتي عرفت القرين مبكرًا في شخصية «كا»، واعتقد المصريون القدماء أن «كا» هو النسخة الأثيرية للإنسان، وكان يُعتقد أن «كا» مستقل عن الإنسان، ويمكنه التحرك، وتناول الطعام والشراب حسب الرغبة، وآمنوا أيضًا أن مهمة الكا الرئيسة تخليد الإنسان بعد موته؛ لذا قدموا الطعام والشراب للموتى؛ ليتغذى عليها «كا» حتى يحافظ على نسخته في الحياة الأخرى.

الملكة إليزابيث الأولى

لعب «كا» دورًا مهمًا في أسطورة «الأميرة اليونانية» وهي الرؤية المصرية لـ«حرب طروادة»، وتقول الأسطورة: «إن أمير طروادة اختطف هيلين ـ أميرة سبارتا ـ من زوجها مينيلوس، وهرب عبر البحر، إلا أن الرياح اشتدت وحملته إلى مصر، وكان حاكمها الملك سيتي الثاني، والذي استضافهم، وحين عرف أن هيلين مختطفة، كرّمها، وطرد أمير طروادة الذي أقسم على الانتقام، لكن الإله تحوت رمز الحكمة، أرسل «كا» هيلين إلى أمير طروادة وغادرت معه، بينما بقيت هيلين الحقيقية في مصر».

عرفت الحضارة الزرادشتية القرين بمفهوم التوائم، والمتمثلين في التوأمين: «Ahura Mazda» إله النور، وتوأمه «Angra Mainyu» إله الشر. أما في الأساطير الإسكندنافية فقد عرف القرين باسم «Vardøger». وكانوا يعتقدون أنه يسبق الشخص الحي في أداء أعماله. أما في أساطير إنجلترا وفرنسا فقد عرف القرين بـ«Ankou»، والذي يصوَّر كرجل، أو هيكل عظمي، يرتدي عباءةً، ويمسك منجلًا. أما في أساطير أمريكا اللاتينية فإن الإنسان يعيش في العالم العلوي، وقرينه يعيش في العالم السفلي.

جاءت مفردة «دوبلجنجر Doppelgänger» من اللغة الألمانية، وهو يعني الشبيهَ، أو الشخص المشابه، وهو أيضًا النظير الشبحي للشخص الحيّ، وصيغ المصطلح لأول مرة على يد الكاتب الألماني يوهان بول ريختر عام 1796. ووفقًا للفولكلور الألماني القديم فإن جميع الكائنات الحية لها روح مشابهة غير مرئية، ولكنها متطابقة مع الفرد الحي، ويختلف الدوبلجنجر عن الأشباح في أن الأخيرة لا تظهر إلا بعد موت صاحبها.

الأدبيات الإسلامية أشارت إلى القرين باعتباره شيطانًا يرافق الإنسان ويغويه، وهو مقارب للأدبيات الغربية التي تراه شبحًا. في حين لجأ كُتّاب القصص والروايات الخيالية إلى تحويل القرين الشبحي أو «دوبلجنجر» إلى كيان مادي، وأطلق عليه التوأم الشرير، وهو نسخة مادية من البطل، لكن مع شر دائم.

ظهور القرين أو «دوبلجنجر» ـ سواء في الحلم أو الحقيقة وفقًا لأغلب الثقافات ـ هو نذير شؤم، وفأل سيء، وأحيانًا يعني الموت لصاحبه. ولم تتوقف الثقافات الشعبية المختلفة عن الإيمان بهذا الدور لـ«دوبلجنجر». وقد كان هناك العديد من القصص التي كان بطلها شخصًا يموت بعد أن زاره قرينه.

شمسنا كان لها توأم «شرير» هو المسؤول عن انقراض الديناصورات

وجهًا لوجه أمام «الدوبلجنجر»

يزخر تاريخ العصور الوسطى والحديثة في الغرب بقصص مختلفة ظهر فيها «دوبلجنجر» لأشخاص من الملوك والحكام، واحدة من تلك القصص تعود إلى مطلع القرن السابع عشر، وبطلتها الملكة إليزابيث الأولى، والمشهود لها بالذكاء والحكمة، روي عنها أنها رأت يومًا «الدوبلجنجر» الخاصة بها، ترقد مكانها على السرير مثل: جثة وضعت للعرض. وكانت التجربة مؤلمةً لها. بعدها بفترة وجيزة ماتت الملكة إليزابيث الأولى عام 1603.

قصة أخرى بطلتها كاثرين العظيمة، إمبراطورة روسيا في القرن الثامن عشر، ويروى أن الإمبراطورة كاثرين كانت ترقد على السرير حين أصاب القلق خدامها، وحين سألتهم أخبروها أنهم رأوها للتو تدخل غرفة العرش. ذهبت كاثرين إلى الغرفة لتحقق في الأمر؛ فوجدت «الدوبلجنجر» الخاصة بها تجلس مكانها في هدوء. وأمرت كاثرين بإطلاق النار عليها. بالطبع لم يحدث شيء، لكن بعدها بفترة قصيرة كانت كاثرين العظيمة ترقد في قبرها بهدوء.

Embed from Getty Images

إبراهام لينكولن

الرئيس الأمريكي إبراهام لينكولن، والذي عاش في القرن التاسع عشر، كان له نصيب في رؤية «الدوبلجنجر»، كان يجلس في مواجهة المرآة حين رأى وجهه في صورتين منفصلتين ومتمايزتين. الوجه الثاني كان شاحبًا وشبحيًا، وشارك لينكولن رؤيته مع زوجته، التي قلقت للغاية عليه، وأخبرته أنها تعتقد أن شحوب نصف الصورة المزدوجة هي فأل سيئ؛ مما يعني أن لينكولن سوف يقضي أول فترة ولايته كاملة، لكنه لن يعيش لينهي فترة ولايته الثانية، وقد كانت محقة؛ فقد اغتيل لينكولن قبل أن يكمل ولايته الثانية.

قصص عديدة لأشخاص عاديين مروا بتجربة رؤية «الدوبلجنجر»، ولكن هناك قصةً تخطت فكرة رؤية «الدوبلجنجر»، القصة لامرأة فرنسية تدعى إميلي ساجي، وتعمل معلمة في مدرسة خاصة بالفتيات عام 1845، ورغم كونها معلمةً موهوبةً ومحبوبةً، إلا أنها سرعان ما أصبحت محورً الشائعات في المدرسة؛ لأنها ببساطة لم تكن وحدها، بل نسختين متطابقتين، أو بالأحرى هي و«الدوبلجنجر» الخاصة بها.

أسطورة إميلي ساجي تم تناقلها عبر الأجيال، كان لديها أكثر من 19 وظيفة تدريس مختلفة في 16 عامًا فقط، والسبب أنها تثير الفزع والذعر، يروى أنها كانت تجلس أمام 42 فتاة في الفصل على مكتبها، بينما الدوبلجنجر الخاصة بها تسير في الحديقة، والفتيات تراها من النافذة، ومرة أخرى تركت الفصل لتتحدث مع زميل لها، لكنها خرجت وظهرت فجأة في مقدمة الفصل شاحبة لا تتحدث، وتنظر إلى الطلاب الخائفين، وهكذا كانت تظهر أكثر من مرة في مكانين مختلفين في كل مدرسة تذهب إليها.

الأغرب في قصة إميلي أنها نفسها لم تر «الدوبلجنجر» الخاصة بها قط، فقط عرفت بوجودها من شهود العيان، والذين وصفوا لها كيف تبدو: مثلها تمامًا، لكن بوجه أكثر شحوبًا، ويغلب عليها التعب، وتتحرك بخفة دون أدنى ضجيج. وكان ظهورها يثير رعب الجميع. النظريات الحديثة تشكك في وجود إميلي أصلًا، فلا دليل على قصتها سوى روايات شفاهية، ولا توجد وثائق قوية تؤكد وجود شخص عاش في هذه الفترة يحمل هذا الاسم، لكن هناك أدلة على وجود عائلتها، وهذا لا يكفي لتصديق الأسطورة.

كيف حاول العلماء تفسير هذه الظاهرة؟

الأدباء الكبار لم يفوتوا «الدوبلجنجر» كحبكة أدبية، فاستخدمها الكاتب الدنماركي هانز كريستيان أندرسن في روايته الخيالية «Skyggen»، وكذلك الأديب الروسي فيودور دوستويفسكي في قصته «The Double»، واستغلها الكاتب الأمريكي إدجار الآن بو في قصته «William Wilson» لتدمير حياة الرواي، أما الأديب الألماني يوهان جوته فلم يكتب عن «الدوبلجنجر»؛ لأنه ببساطة رآه حقيقة مرتين.

بعض المؤمنين بالظواهر الخارقة للطبيعة نسب «الدوبلجنجر» إلى حالة تسمى الإسقاط النجمي، وهو مصطلح يستخدم لوصف تجربة الروح خارج الجسم، وهي تفترض وجود روح أو وعي ـ يسمى «جسمًا نجميًا» ـ منفصل عن الجسم المادي، وقادر على السفر خارج هذا الجسد في جميع أنحاء الكون، لكن لا يوجد أي دليل علمي أثبت أن هناك وعيًا أو روحًا منفصلًا عن النشاط العصبي الطبيعي، أو أنه يمكن للمرء أن يترك الجسم بوعي ويدون ملاحظات.

«ماذا لو أننا موجودون في عالم موازٍ حيث يتم تكرار كل شيء بهذا العالم في بعد آخر؟» هذه افتراضية أخرى للدوبلجنجر، ورأى أصحابها أنها تفسر أيضًا مشاعر «De-Ja-Vu»، أو مقابلة شخص ما، والشعور بأننا نعرفهم بالفعل، أو التقينا بهم من قبل، كذلك يؤمن العديد من الخبراء أن الانفجار الكبير أدى إلى خلق أكوان متوازية أخرى تحوم الآن خارج منطقتنا، ويقول عالم الفيزياء بجامعة كولومبيا، براين جرين: «إن النظرية الأخيرة تدعم فكرة أننا جميعًا لدينا دوبلجنجر».

ربط الأطباء النفسانيون «الدوبلجنجر» بأحد أنواع الهلاوس التي تصاحب الأمراض النفسية، تُعرف بـ«هلوسة ترائي الذات – Heautoscopy»، وهي تصور مهلوسًا نفسانيًا معقدًا يرى فيه الشخص صورة جسده في الفضاء البصري الخارجي، وهي ناجمة عن أعطال في آليات الدماغ التي تجعلنا نعيش هنا والآن، وربما تكون التجارب الغريبة هي أفضل نافذة لنا على بعض الجوانب الأساسية لشعورنا بأنفسنا جسديًا.

فسر عالم الأعصاب لوكاس هايدريش إلى «هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)» لحظة التقاء الشخص بالدوبلجنجر الخاص به، وقال: «عادة، يتحرك الدوبلجنجر ويتفاعل مع صاحبه، ويكون هناك تبادل للعواطف والأفكار، وهذا ما يعطي انطباعًا بوجوده»، واكتشف الاطباء أنه أحيانًا تكون الهلوسة نتيجة لأضرار لحقت ببعض أنسجة المخ.

6 من أبرز القناعات العلمية الزائفة حول العالم