حمل التاريخ القديم العديد من الروايات عن أشخاص احترقوا دون أسباب، البعض منهم وجد محترقًا، وبعض آخر احترق أمام مرأى من الناس، ولأن تلك القصص يتم تداولها شفاهية، فقد أصبح التشكيك فيها أمرًا سهلًا، لكن يمكن القول أن البداية الأكثر توثيقًا للاحتراق البشري الذاتي بدأت عام 1731، حين عثر على الكونتيسة الإيطالية كورنيليا دي باندي ذات الـ62 عامًا في غرفتها محترقة، ولم يكن هناك سبب منطقي للاحتراق.

كان مشهد وفاة الكونتيسة محيرًا، وقد حاول العديدون تفسير ما حدث، وزار القس بيانشيني مكان الحادث، ونشر كتابًا صغيرًا يتعلق بتحقيقه في الغرفة، ورصد بقايا الكونتيسة على أرضية غرفتها في منتصف المسافة بين سريرها والنافذة، بعد أن تكونت من كومة من الرماد، بينما ساقاها السفليتان لم يصبهما الحريق، وفقًا لبيانشيني، فإن هذا يشير إلى احتمال واحد أن الكونتيسة اشتعلت تمامًا بسبب الاحتراق المفاجئ أثناء السير إلى النافذة.

في عام 1745 ترجم بول رولي تقرير بيانشيني إلى اللغة الإنجليزية، ونشره في مجلة «Philosophical Transactions» اللندنية، وأضاف مثالين على وفيات حريق محيرة، أحدهما في عام 1613 عن رجل يدعى جون هيتشيل، والأخرى من عام 1744 بشأن امرأة تدعى جريس بيت، وبفضل هذه الترجمة وإشارة بولي رولي إلى عمليات الاحتراق البشري الذاتي وفي مجلة جمهورها من الأساتذة والعلماء والأطباء في أوروبا، أصبح الاحتراق البشري الذاتي مطروحًا ومعروفًا على نطاق واسع.

حالات وفاة غريبة بسبب الحرائق

«الاحتراق الذاتي» ويعرف اختصارًا بـ«SHC»؛ وهو احتراق جسم بشري حيّ داخليًا ودون مصدر خارجي واضح للاشتعال، وهذا التعريف المصاغ دار بسببه جدل علمي كبير في القرنين الثامن والتاسع عشر؛ بين علماء يرفضون إمكانية حدوث فرضية الاحتراق البشري الذاتي، وآخرون يؤمنون بحدوثه، وقدم كل من الطرفين أدلة تثبت وجهة نظره.

Embed from Getty Images

في عام 1800 نشر بيير آيم لاير دراسته عن حالات وفاة الحرائق الغريبة وقد كرس لاير مجهوداته لدعم فرضية الاحتراق البشري الذاتي، وكان لاير مقتنعًا تمامًا بأن سبب الاحتراق البشري الذاتي لهذه الحالات هو المشروبات الكحولية، وكان يأمل من خلال نشر دراسته أن يقنع المسرفين في شرب الكحول بتغيير عاداتهم.

رصد لاير 15 حالة وفاة بسبب الاحتراق، وكتب عن الأسباب والأعراض المشتركة مع ملحوظة أن معلوماته قد لا تكون كاملة، وقد قال إن جميع الحالات شربوا الكحول بشكل غير معتدل، كل حالات الاحتراق حدثت لنساء متقدمات في العمر، وفي معظم الحالات تركت النار بعض الأطراف خلفها بدون حرق، والماء في بعض الأحيان عزز اشتعال النار بدلًا من إخمادها، وقد تسببت الحرائق في تحويل الأجسام إلى رماد ورائحة نفاذة.

دراسة لاير كانت مقنعة لمن يؤيد وجود الاحتراق البشري الذاتي، وغير دقيقة بالنسبة للرافضين وجودها، وجاءت حالة الكونتيسة الإيطالية جورليتز والتي نشرت في «جريدة لندن الطبية» عام 1850 لتتضارب مع رأي لاير، كان سبب الوفاة المبدئي لاحتراق الكونتيسة جورليتز المتوفاة عام 1847؛ الاحتراق البشري الذاتي، لكن بعد البحث الدقيق وبالأخص بعد اختفاء بعض مجوهراتها واستجواب الخادمة، اعترفت الأخيرة بقتلها، وبالتالي ازداد المجتمع الطبي ارتباكًا، وبالأخص أن هناك من قال أن جميع حالات الاحتراق البشري الذاتي تشبه حالة الكونتيسة جورليتز.

تشارلز ديكنز يُقحم الأدب في المعركة

كان القرن التاسع عشر مليئًا بالأحداث الصاخبة حول الاحتراق البشري الذاتي، فبعد عدة سنوات من وفاة الكونتيسة جورليتز، خرج الروائي الإنجليزي تشارلز ديكنز ذو الشعبية الكبيرة برواية «البيت الموحش Bleak House» عام 1853، والتي احترقت فيها إحدى الشخصيات ذاتيًا، وهو السيد كروك وكان سكيرًا، وكتب ديكنز تفاصيل وفاته على غرار السرد المفصل لوفاة الكونتيسة كورنيليا دي باندي، وجذبت نهاية كروك أنظار القراء، لكنها أثارت غضب المجتمع العلمي والمثقفين في آن واحد.

رغم أن رواية ديكنز لم تكن الأولى التي تناولت الاحتراق البشري الذاتي، فقد سبقه الكاتب فريدريك ماريات في رواية «يعقوب فيثفول»، والذي وصف البطل فيها وفاة والدته بالاحتراق الذاتي، إلا أن تأثير ديكنز الكبير حرك ضده المجتمع العلمي والذي انتقده على ترسيخ فكرة الاحتراق البشري الذاتي في المجتمع رغم أنها لم تثبت علميًا، بل إن صديقه جورج هنري لويس، رئيس تحرير مجلة «The Leader»، انتقده بشدة في مجلته، لنشره فكرة خاطئة لجمهور ربما يعتقد أن هذا سهل الحدوث، واستند ديكنز في دفاعه إلى حالة الكونتيسة كورنيليا دي باندي، واستند لويس في هجومه إلى حالة الكونتيسة جورليتز، وكلاهما بديا محقان.

بعد معركة تشارلز ديكنز تحسس العلماء طريقهم في الحديث عن حالات الاحتراق البشري الذاتي، وبالأخص المؤيدين منهم، لكن في عام 1883 حدثت حالة احتراق وذهب الطبيب جي ماكينزي بوث إلى مكان الحادث، وكتب في المجلة الطبية البريطانية مقالًا يروي فيه تفاصيل الحادثة، ووجدها فرصة ليرفض فكرة الاحتراق البشري الذاتي، رغم أنه لم ينكر قابلية الجسم للاحتراق.

ومن العلم ما يقتل.. 7 تجارب علمية كادت تقضي على العالم

أمثلة تدعم فرضية الاحتراق الذاتي

لم يكن الاحتراق البشري الذاتي وليد فكرة ما، بل استنتاجًا منطقيًا لحوادث متعددة، فالتقارير الواردة من القرن السابع عشر والتي لم تلق اهتمامًا في المجتمع الطبي تشير إلى ذلك، جمع المؤلف جوان أوزيبيوس نيرمبرجينيس حكايات الاحتراق البشري الذاتي في القرن السادس والسابع عشر ووضعها في كتاب، وأبرز ما ذكره كان عن فارس بولندي في عهد الملكة سفورزا، تقيأ نارًا من فمه بعد شرب كأسين من خمر البراندي، وكان اندلاع النيران من فمه عنيفًا وأدى إلى موته، وهناك نبلاء إنجليز ماتوا أيضًا بنفس الطريقة.

واجه المجتمع الطبي الرافض لفرضية الاحتراق البشري الذاتي حوادث كثيرة في القرن العشرين دون أدلة جنائية، أناس ماتوا محترقين ولا دليل على يد خارجية ألقت بهم في التجربة، ففي عام 1967، أبلغ أشخاص في جنوب لندن عن ضوء ساطع داخل منزل مهجور في شارع أوكلاند، ووصلت الشرطة واكتشفت أن الضوء الساطع هو جسم محترق لأحد المدمنين على الكحول، ويدعى روبرت بيلي، والذي لجأ إلى المنزل المهجور في الليل، والغريب أن الحريق لم ينتقل إلى أقمشة المنزل أو حتى تجهيزاته الداخلية، الشيء الوحيد الذي اشتعلت فيه النيران هو بيلي نفسه وفقط.

رماد ماري ريسر. مصدر الصورة: «historicmysteries»

ماري ريسر واحدة من أكثر الحالات إثارة للجدل في القرن العشرين، ففي عام 1951 في ولاية فلوريدا الأمريكية، احترقت ماري البالغة من العمر 61 عامًا وهي جالسة على كرسي في غرفة المعيشة بمنزلها، وكل ما تبقى منها كان قطعة من الجمجمة، وقطعة من عمودها الفقري وإحدى قدميها، وتفحم معها الكرسي الذي جلست عليه مثل بقية جسدها، والمثير للدهشة أن بقية الغرفة بقيت على حالها، واستنتج «مكتب التحقيقات الفيدرالي» أن ماري غفت أثناء تدخينها سيجارة، لكن لم يكن هذا مبررًا للبعض وبالأخص أن النيران لم تنتشر سوى في الكرسي وماري ريسر.

حوادث كثيرة تعاقبت في القرن العشرين عن الاحتراق البشري الذاتي، مثل حالة هيلين كونواي والتي احترقت في غرفة نومها عام 1964 في ولاية بنسلفانيا الأمريكية، وأيضا احتراق جيني سافين، البالغة من العمر 61 عامًا في لندن عام 1982، وكذلك اجنيس فيليبس والتي احترقت أمام مرأى الناس في سيارة ابنتها، حين توقفت ابنتها لتشتري من أحد المتاجر في سيدني عام 1998.

العلم لا يحسم الجدل

الرافضون لـفرضية الاحتراق البشري الذاتي، استندوا إلى أن جسم الإنسان يتكون في الغالب من ماء، والشيء الوحيد القابل للاشتعال بداخله هو الأنسجة الدهنية وغاز الميثان، وهما ليسا كافيان للاحتراق بكل تلك القوة وبهذه السهولة، كما برهن أصحاب هذه النظرية علي صحتها بأن حرق جثة بشرية يحتاج درجة حرارة تصل إلى 1600 درجة فهرنهايت ولمدة ساعتين تقريبًا، للحصول على تفاعل كيميائي في الجسم من شأنه أن يؤدي إلى الاشتعال المزعوم، وهي احتمالات بعيدة المنال؛ لذا رفضوا فكرة أن يحدث ما يسمى بالاحتراق الذاتي للإنسان.

فسر العلماء الرافضون للاحتراق البشري الذاتي حوادث الاحتراق المعروفة بأن الأشخاص المحترقين كانوا بالقرب من مصدر قابل للاشتعال، وقالوا إن هذا هو السبب الحقيقي في الحالات المشتبه بها، وأكدوا أنه عادة ما يعثر على الضحايا المتوفين بالقرب من مصدر الحريق، وربما أضرموا النار في أنفسهم بالخطأ أثناء التدخين أو أثناء محاولة إشعال النار.

«تأثير الفتيل» واحدة من أبرز النظريات العلمية التي تدحض فكرة الاحتراق البشري الذاتي وتقدم تبريرًا علميًا لحدوث الاحتراق، تقول النظرية والتي بثت في فيلم تسجيلي لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)»؛ أن بداية الاشتعال تأتي من مصدر خارجي، وتتولى الدهون في جسم الإنسان بقية عملية الاحتراق، لكن عاب النظرية أن العظم لا يمكن أن يحترق بهذه الطريقة، ولجأ أصحاب هذه النظرية إلى التجربة على جسد خنزير ميت، لف الخنزير بالقماش وسكب كمية صغيرة من البنزين عليه، وبعد خمس ساعات من الحرق تفحم عظم الخنزير، وقال العلماء لا يوجد احتراق ذاتي، بل مصدر خارجي.

هدأ المجتمع العلمي والطبي قليلًا في القرن الحالي من فرضية الاحتراق البشري الذاتي، وبالأخص بعد نظرية «تأثير الفتيل»، لكن عاد الاحتراق البشري الذاتي وأطل برأسه في حادثة احتراق مايكل فهرتي، البالغ من العمر 76 عامًا، في منزله في أيرلندا عام 2010، وحاولت الشرطة والمحققون إيجاد سبب واحد لاحتراق فهرتي؛ وفي نهاية المطاف أسند القاضي الحالة للاحتراق البشري الذاتي.

تصدى العالم البريطاني براين ج فورد لفرضية الاحتراق البشري الذاتي، وأقر بأنها حقيقة، وقدم نظرية مستقرة إلى حد كبير عن حدوثها، بدأ من رصد ضحايا الاحتراق البشري الذاتي القديم منهم والحديث، ولاحظ أن أغلب الضحايا تشاركوا في إدمان الكحول، وشرب السجائر، وكُبر السن، وزيادة الوزن، واستنبط مما سبق ظهور مسارات كيمائية حيوية جديدة ظهرت في أجسام الضحايا، وكان هو أول من تطرق إلى عملية التمثيل الغذائي للخلايا، والتي لم يتلفت لها أحد مما سبقه في تحليل الفرضية، وساعده في ذلك كونه عالم أحياء.

قال فورد في ورقته البحثية «حل لغز الاحتراق الذاتي» والتي نشرت عام 2013؛ أنه حين تستنفد مستويات الجليكوجين في الدم، تضطر الخلايا إلى ترك موارد الطاقة التقليدية، وبالتالي تستخدم جزيئات الدهون بديلًا لها، وحين تستخدم الأحماض الدهنية كمصدر بديل للطاقة من خلال أكسدة بيتا؛ يظهر الأسيتيل، والذي يترجم بعد ذلك إلى الأسيتون والذي من خصائصه أنه قابل للامتزاج، وسريع الاشتعال، وينتج عنه نار زرقاء، مثل التي سجلت في حالات الاحتراق الذاتي، عكس نظرية «تأثير الفتيل» التي أنتجت لهبًا أصفر.

تمكن فورد من تجربة نظريته، عدة مرات بطرق مختلفة، مرة بجزء من جدار معدة خنزير في حجم الإصبع، ومرة أخرى مع أنسجة بشرية، ووفقًا لورقته البحثية كانت التجارب مناسبة تمامًا مع ملابسات ضحايا الاحتراق الذاتي، فالأسيتون سريع الاشتعال، ينتج لهبًا أزرق، ويخلف وراءه كتلة من الدهون الصلبة على الكرسي كما شوهد في حالات الاحتراق الذاتي، وقال فورد في نهاية ورقته البحثية: «للمرة الأولى، يصبح لدينا نموذج معقول للاحتراق البشري الذاتي، ويقدم تفسيرًا منطقيًا لهذه الظاهرة الموثقة جيدًا».

لا يمكن الجزم بأن الاحتراق البشري الذاتي فسر علميًا بشكل كامل، لا يزال هناك المشككون لوجوده، لكن على أي حال قدمت ورقة فورد البحثية الكثير من البراهين الطبية والعلمية، مما يجعلها الأفضل حتى الآن، بل إن فورد نفسه اختتم ورقته بجملة «لا أجد أن تجربتي مفصَّلة بشكل قاطع، لكنها بالتأكيد أفضل بكثير من تلك التي استندت عليها المعرفة العلمية الحالية».

أغرب التجارب الطبية «المقززة».. أحدهم بلع قيء مريض وآخر شرب «كوب كوليرا»