«عطور فرنسية الإيحاء»؛ تلك الجملة الترويجية قد لا تكون غريبة على الكثير من الأذان؛ فعادة ما تُنسب جودة إنتاج العطور لفرنسا أو أوروبا بوجه عام، وهذا ما يصدره العالم الأوروبي للأجيال الحديثة، لكن تاريخ رائحة أوروبا وفقًا لما رواه المؤرخون، يتعارض مع الصورة الذهنية المُرسخة في عقلك، عن النظافة الشخصية وتحضر الأوروبيين.

في مؤلفاته التي كتبها بعد رحلته لأوروبا في القرن العاشر الميلادي؛ وصف الرحالة المسلم أحمد بن فضلان عادات الأوروبيين في النظافة الشخصية قائلًا عنهم: «أقذر خلق الله، لا يغتسلون من جنابة، ولا يغسلون أيديهم من طعام، ويغسلون وجوههم ورؤوسهم بأقذر ماء؛ إذ يشتركون جميعًا في الاغتسال بالماء نفسه من إناء واحد يطاف به عليهم واحدًا بعد الآخر دون تغيير الماء أو غسل الاناء».

وهو الأمر الذي لم يبالغ ابن فضلان في وصفه؛ نظرًا لأنه في ذلك الوقت كان قد ارتحل من بغداد التي كان فيها الكثير من الحمامات العمومية؛ فكانت قذارة الأوروبيين، على حد وصفه، صدمة مروعة له.

Embed from Getty Images

ولم تكن تلك الشهادة التاريخية الوحيدة عن إهمال الأوروبيين في العصور الوسطى النظافة الشخصية، بل ورد في في كتاب «مدنية المسلمين في أسبانيا» الذي ترجمه محمد تقي الدين الهلالي عن جوزيف ماكيب؛ أن الملكة إيزابيلا ملكة قشتالة لم تقرب المياه جسدها بغرض الاستحمام، إلا مرتين على مدار حياتها كاملة، بينما كان الملك فيليب الثاني الإسباني يحرم ويُجرم الاستحمام في بلاده وقد يعاقب من يصل إلى علمه أنه أقبل عليه، وورثت عنه ابنته تلك العادات المُضرة؛ وأقسمت ألا تغير ملابسها الداخلية حتى ينتهي الحصار على أحد المُدن التابعة لملكهم؛ وهو الحصار الذي استمر ثلاث سنوات؛ ويرى البعض أن تلك الواقعة كانت السبب في وفاتها لإصابتها بأمراض نتيجة التلوث.

«شمس الله تسطع على الغرب».. كيف طوّر المسلمون الطب ومنحوه للعالم بالمجان؟

عطور «فرنسية الإيحاء» للتغطية على رائحة القذارة

ويمكن القول: إن العطور «فرنسية الإيحاء» لم تُصنع في البلاد الأوروبية؛ سوى بغرض التغطية على رائحة القذارة التي تنبعث منهم حينما يقابلون أناسًا من بلدان أخرى، وإذا فكرت قليلًا قد لا تجد هذا الكلام بعيدًا عن أرض الواقع؛ فحتى الآن لا يستخدم الأوروبيون «الشطافة» في حمامتهم، لكنهم أيضًا تطوروا في اهتمامهم بالنظافة الشخصية، عما اعتادوا عليه في العصور الوسطى؛ والفضل في ذلك يعود إلى المسلمين.

وذكر في أكثر من مجلة ثقافية وتاريخية عربية مقولة على لسان المؤرخ الفرنسي دريبار تؤكد تلك المعلومة: «نحن الأوروبيين مدينون للعرب بالحصول على أسباب الرفاهية فى حياتنا العامة؛ فالمسلمون علمونا كيف نحافظ على نظافة أجسادنا، فإنهم كانوا عكس الأوروبيين الذين لا يغيرون ثيابهم، إلا بعد أن تتسخ وتفوح منها روائح كريهة، فقد بدأنا نقلدهم في خلع ثيابنا وغسلها، وكان المسلمون يلبسون الملابس النظيفة الزاهية حتى أن بعضهم كان يزينها بالأحجار الكريمة كالزمرد والياقوت والمرجان»، وفي مذكراته قال الكاتب الأوروبي ساندور ماراي: « إن الأوربيين كانوا يعتبرون الاستحمام كفرًا».

الأوروبيون ومعضلة النظافة الشخصية والاستحمام

غياب الثقافة والوعي في العصور الوسطى بأوروبا؛ كان واحدًا من أهم أسباب تفشي القذارة الشخصية والعامة، وهذا لاعتقادهم أن الاستحمام كان شكل من أشكال الفسوق الجنسي، والبعض الآخر كان يراه على أنه وسيلة تمنح للشيطان فرصة الوصول إلى الجسم، والاعتقاد الشائع كان يروج لفكرة أن التعري وجريان المياه على الجسم، قد يصيب الإنسان بأشد الأمراض.

Embed from Getty Images

ولذلك لم يعر الأوروبيون اهتمامًا كبيرًا لوسائل التنظيف مثل الصابون، وكانوا يلجأون لتقشير طبقات الأقذار من على جلودهم كل فترة، ولم يعرفوا الصابون حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والذي كان حكرًا على الأغنياء فقط لصعوبة الوصول إليه. لكن هذا لم يكن كافيًا للاستحمام جيدًا نظرًا لندرة المياه؛ فتصميم حمامات صالحة لهذا الغرض وتوفر درجات حرارة مختلفة من المياه؛ كان يحتاج بنية تحتية متطورة، وهو الأمر الذي كانت تفتقده أوروبا لفترة طويلة.

في كتابها «The Dirt on Clean: An Unsanitized History»، ذكرت الكاتبة كاثرين آشينبرج أن القرن السابع عشر كان أقذر قرن في التاريخ الغربي، ووقتها استخدم الأوروبيين العطور للتغطية على روائحهم وروائح من يختلطون به، فعلى سبيل المثال كانت مدام مونتسبان عشيقة الملك لويس الرابع عشر ملك فرنسا؛ تُغرق نفسها بالعطور قبل مقابلة الملك لتجنب رائحة نفسه الكريهة، ولكن إحساس الملك كان متبادلًا تجاهها؛ فقد كان يكره رائحة العطر المحيط بجسدها؛ لأنه كان يصيبه بالصداع، وقد سجل في مذكراته شجار حاد بينهما لهذا السبب؛ حينما طالبها بالتخلي عن ارتداء العطور، ولكن وسيلتها الدفاعية انتشرت منذ ذاك الوقت، وانشغل الأوروبيون بالتغطية على رائحة القذارة؛ بدللا من أن يفكروا في التخلص الجذري منها؛ ومن هُنا جاءت الأسطورة التي تضع الأوربيين على قمة صناعة العطور، وجعلتهم رواد في مجالها.

في المقابل، وفي نفس الحقبة التاريخية؛ كان العالم الإسلامي يتمتع بشبكات الصرف الصحي، والمياه النظيفة المتوفرة لكل منزل؛ والذي كان يمنح فرصة جيدة للحفاظ على النظافة العامة؛ لكونها ركنًا مُهمًا من أركان الإسلام، والذي تبناه الغرب فيما بعد للحفاظ على صحتهم، والفارق الكبير في شكل الحياة الأوروبية والحياة الإسلامية في العصور الوسطى لم يقتصر على النظافة فقط؛ ففي حين كان النبلاء الأوروبيون يجلسون على مقاعد خشبية وحجرية، بادرة وغير مريحة، كان النبلاء المسلمون يحظون بالمقاعد الوثيرة ويسيرون على السجاد الفخم، وهو الأمر الذي ذُكر كثيرًا بين أوراق الأوروبيين الزائرين للمجتمعات الإسلامية في ذاك؛ حينما عبروا عن انبهارهم بالحياة النظيفة الرغدة التي يحياها المسلمون، وعن استخدام المسلمين للنظافة مكملًا للطب ووسائل الاستشفاء.

ساكي دين محمد.. «جراح الشامبو في بريطانيا»

في ظل ما عاشته أوروبا والغرب من انغماس في القذارة الشخصية؛ كان الإسلام ومعتنقيه النافذة على النظافة الشخصية، والاستمتاع بها، بل تبجيلها كما نراهم في الأفلام الأوروبية الآن؛ حينما تجلس المرأة في حوض الاستحمام ومن حولها الشموع، والحوض مليء بالماء والصابون، وهي مسترخية وكأنها تقضي أفضل أوقات يومها. تلك المشاهد؛ يعود الفضل في وصولها للأوروبيين إلى المسلمين.

Embed from Getty Images

إذ إن الارتحال للشرق، ونقل عادات الإسلام كان له دور كبير في انتشار النظافة الشخصية في أوروبا، وخاصة التعامل اليومي مع المياه؛ بعد أن أدركوا أن الأمر أكثر صحية وليس له علاقة بالشيطان، ولكن كان هناك رجلًا هندي مسلم؛ له دور كبير في انتشار فكرة الاستحمام لدى الغرب كما نعرفها الآن.

ساكي دين محمد والذي عاش في إنجلترا بالقرن الثامن عشر، هو أول مؤلف هندي مسلم يُنشر كتبًا باللغة الإنجليزية داخل بريطانا، وفي أحد كتبه خصص فصلًا كاملًا يشرح فيه فوائد استخدام الـ«شامبو» أثناء الاستحمام؛ وهو على ما يبدو الأمر الذي شغفه بشدة؛ فتخلص من عمله كاتبًا وصاحب مطاعم في مدينة برايتون بإنجلترا، وأدخل إلى هذا البلد مفهوم الـ«المنتجع الصحي»؛ حيث أنشأ سلسلة منتجعات في تلك البلدة؛ حتى أُطلق عليه لقب ««جراح الشامبو في برايتون»؛ إذ منحهم الهندي المسلم لمحة عن الاحتفاء بالنظافة وتبجيلها؛ والتي تنتشر الآن في الدول العربية على أنها مفهوم غربي؛ في حين أن الإسلام هو من صدر تلك الفكرة للغرب.

فقد جاء ساكي من عائلة تمتهن الحلاقة، وعلى علم كبير بفنون صناعة الصابون ومنظفات الشعر، بالإضافة إلى اطلاعه على نوع فريد من تدليك الرأس كان معروفًا في الهند وهو الـ«champissage» وهو الاسم الذي اشتقت منه كلمة «شامبو» فيما بعد.

ومن هنا كان فضل المسلمين على الأوروبيين في الاستحمام واتباع أبسط قواعد النظافة الشخصية، وتغيير الملابس الداخلية بانتظام.

هل سنعود للعصور الوسطى في عام 2100؟!