خداع شديد الدقة، اعتمد على سنوات من التدريب مع بعض الحظ، لكنه لم يكن فريدًا أو استثنائيًا، بهذه الكلمات يصف الكاتب الأمريكي مايكل بيك في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية، العملية التي استطاعت إسرائيل من خلالها هزيمة الجيوش العربية في حرب الأيام الستة كما يعرفها الإسرائيليون، أو نكسة يونيو (حزيران) 1967 كما يتذكرها المصريون والسوريون والأردنيون.

إسرائيل تخطط بدقة

في الساعات الأولى من صباح ذلك اليوم -5 يونيو- وبحسب المجلة الأمريكية، أقلعت 16 طائرة تدريب من طراز فوجا ماجستير تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي وتظاهرت بعكس ما كانت تخطط له. إذ انطلقت هذه الطائرات في مسارات جوية روتينية واستخدمت ترددات لاسلكية معتادة، فكان الأمر يبدو بالنسبة لجنود الرادار العرب مثل الدوريات الجوية الإسرائيلية المعتادة في الصباح.

وبعدها ببضع دقائق، أقلعت 183 طائرة إسرائيلية أخرى، وهو عتاد الأسطول الجوي الإسرائيلي بالكامل تقريبًا، واتجهت هذه الطائرات غربًا فوق البحر الأبيض المتوسط قبل أن تحلق على مستوى منخفض؛ مما حجبها عن شاشات الرادار العربية.

وأوضح بيك في تقريره أن هذا أيضًا لم يكن بالشيء الجديد: فعلى مدار عامين، راقبت أجهزة الرادار المصرية والسورية والأردنية الطائرات الإسرائيلية، وإن لم يكن بهذا العدد الكبير قط، وهي تقلع كل صباح في هذا المسار الجوي نفسه، ثم تختفي من نطاقاتها قبل أن تعود إلى القاعدة.

لكن في ذلك الصباح، وبدلًا من العودة إلى قاعدتها، اتجهت الطائرات الإسرائيلية من طرازيّ ميراج وسوبر ميستير الفرنسيين جنوبًا باتجاه مصر، وهي تحلق دون إرسال أي إشارات لا سلكية وفوق أمواج البحر بمسافة 18.29 متر فقط.

Embed from Getty Images

أشار بيك إلى أن ذلك الصراع، الذي من شأنه أن يشكل الشرق الأوسط كما نعرفه اليوم، كان يتصاعد على مدار أشهر بين إسرائيل وجيرانها. لكن إسرائيل، التي كانت الجيوش العربية مجتمعة تفوق جيشها عددًا، وكان الأعداء يحيطون بها من ثلاث جهات والبحر الأبيض المتوسط من الجهة الرابعة، كانت عازمةً على توجيه الضربة الأولى وتحقيق الانتصار سريعًا.

ووفقًا لبيك فهذا يعني السيطرة على الأجواء، لكن سلاح الجو الإسرائيلي لم يستطع سوى حشد 200 طائرة، جميعها فرنسية الصنع (لم تكن الولايات المتحدة تبيع الطائرات لسلاح الجو الإسرائيلي حتى عام 1968)، ضد 600 طائرة عربية، بما في ذلك الطائرة المقاتلة ميكويان ميج السوفيتية. وكذلك، كان القادة الإسرائيليون يخشون من 30 قاذفة قنابل مصرية من طراز توبوليف-تو 16 سوفيتية الصنع، وكان كل منها يمكن أن يسقط 10 أطنان من القنابل على المدن الإسرائيلية.

عملية «موكيد»

هكذا بدأت العملية «موكيد»، وهي كلمة في اللغة العبرية تعني تركيز، وكانت عبارة عن ضربة استباقية تهدف إلى تدمير القوات الجوية العربية على الأرض، وواحدة من أذكى العمليات العسكرية الجوية في التاريخ، كما وصفها بيك في تقريره. وُضِعت الخطة وجرى التدرب عليها سنوات عدة، وحلق طيارو سلاح الجو الإسرائيلي في مهمات تدريبية متكررة تستهدف نماذج تحاكي القواعد الجوية المصرية في صحراء النقب، بينما جمعت الاستخبارات الإسرائيلية معلومات عن التنظيمات والدفاعات المصرية.

لكن الكاتب تساءل: هل سيؤتي كل هذا الجهد ثماره؟ لافتًا إلى أن الإجابة ستصبح واضحةً بعد دقائق من تحليق الأسطول الجوي الإسرائيلي فوق البحر المتوسط والوصول إلى مصر.

أرسل جنود الرادار الأردنيون، الذين أصابهم الارتباك بسبب العدد غير المعتاد من الطائرات الإسرائيلية في ذلك اليوم، تحذيرًا مشفرًا إلى القوات المصرية، لكن الأخيرة كانت قد غيرت شفراتها قبل ذلك بيوم دون أن تكلف نفسها عناء إبلاغ نظيرتها الأردنية.

ناقلة جنود يظهر فيها الجنود الأسرى المصريون بقرب مدينة العريش بعد استيلاء الإسرائيليين عليها وتحركهم باتجاه صحراء سيناء

غير أن كاتب التقرير يرى أن هذا التحذير لم يكن ليحدث فارقًا كبيرًا، واستشهد برأي الكاتب البريطاني سيمون دونستان، الذي قال: «بدلًا من الهجوم في الفجر، قرر سلاح الجو الإسرائيلي الانتظار ساعتين حتى الساعة التاسعة إلا ربع صباحًا بتوقيت مصر. بحلول هذا الوقت، كانت دوريات الفجر المصرية قد عادت إلى قواعدها إذ كان الطيارون يتناولون إفطارهم، بينما كان العديد من الطيارين وأفراد الطاقم الأرضي لا يزالون في طريقهم إلى العمل».

في هذه الأثناء، كان قادة القوات المسلحة والقوات الجوية المصرية بعيدين عن مواقعهم في جولة تفقدية، وسافروا للخارج على متن طائرة نقل بمجرد وصول الطائرات الإسرائيلية، وأمر القادة المصريون قوات الدفاع الجوي المصرية بعدم قصف أي طائرة في أثناء تحليق طائرتهم؛ خوفًا من أن تخلط المدافع المصرية المضادة للطائرات بينهم وبين الإسرائيليين وتقصفهم، وفقًا لتقرير «ذا ناشيونال إنترست».

حلقت الطائرات الإسرائيلية على ارتفاع 2743.2 مترًا عند اقترابها من أهدافها، وهي 10 قواعد جوية مصرية حيث كانت الطائرات مُصطفة بنظام في صفوف جنبًا إلى جنبٍ، وشنت الطائرات الإسرائيلية دون أي عوائق من المدفعية المصرية المضادة للطائرات ثلاث إلى أربع غارات بالقنابل والمدافع، بحسب التقرير، الذي أشار إلى أن الضربة الأولى وُجهت إلى مدرجات الطيران؛ حتى لا تتمكن الطائرات المصرية من الإقلاع، وتلا ذلك قصف القاذفات المصرية، ثم الطائرات الأخرى.

سلاح سري

ولفت كاتب التقرير أن الإسرائيليين استخدموا سلاحًا سريًا تمثل في القنابل الخارقة للمنشآت الخرسانية، التي كانت تُعتبر أول سلاح متخصص في تدمير مدرجات الطائرات، مضيفًا أن هذه القنابل، التي صُنِعت وفقًا لتصميم فرنسي، كانت تُلقى بالمظلات، ثم تدفعها قوة محرك صاروخي للاصطدام بمدرج الطائرات؛ مما أحدث حفرة به جعلت إقلاع الطائرات المصرية مستحيلًا.

استمرت الموجة الأولى من القصف 80 دقيقة فقط، ثم كانت هناك فترة راحة، لكن لمدة 10 دقائق فقط، جاءت بعدها الموجة الثانية لقصف 14 قاعدة جوية إضافية. ويرى الكاتب أنه كان من الممكن التماس العذر للجيش المصري إذا كانت إسرائيل قد تمكنت سرًّا من حشد قوة جوية هائلة.

Embed from Getty Images

لكن الحقيقة، وفقًا للتقرير، هي أن الطواقم الأرضية الإسرائيلية كانت قد تدربت على إعادة تسليح الطائرات العائدة وإعادة تزويدها بالوقود في أقل من ثماني دقائق؛ مما سمح للطائرات التي شاركت في الجولة الأولى من القصف بالمشاركة في الجولة الثانية.

وبعد 170 دقيقة، كانت مصر قد خسرت 293 طائرة من طائراتها التي كان يبلغ عددها نحو 500 طائرة، بما في ذلك جميع قاذفاتها سوفيتية الصنع من طرازي توبوليف-تو 16 وإليوشن إي إل-28 التي كانت تهدد المدن الإسرائيلية، بالإضافة إلى الطائرات المقاتلة من طراز ميكويان ميج التي كان يبلغ عددها 185 طائرة. في حين خسر الإسرائيليون 19 طائرة فقط، معظمها بسبب إطلاق نار أرضي.

لم يكن اليوم قد انتهى بعد بالنسبة لسلاح الجو الإسرائيلي. ففي تمام الساعة الواحدة إلا ربع من ظهر يوم 5 يونيو، حوَّلت القوات الجوية الإسرائيلية وجهتها إلى القوات الجوية العربية الأخرى، إذ قُصِفت القواعد الجوية السورية والأردنية، وكذلك القاعدة الجوية العراقية H3.

وخسر السوريون ثلثي قواتهم الجوية، إذ دُمِرت 57 طائرة على الأرض، في حين خسرت الأردن جميع طائراتها التي كان يبلغ عددها 28 طائرة. وبنهاية حرب 1967، كان العرب قد خسروا 450 طائرة، مقارنة بـ46 طائرة خسرتها إسرائيل، بحسب تقرير «ناشيونال إنترست».

وبعد ست ساعات أو نحو ذلك من إقلاع أول طائرة إسرائيلية، كانت إسرائيل قد فازت بحرب الأيام الستة. ويقول كاتب التقرير إن ذلك لم يعن أن أطقم الدبابات وجنود المظلات الإسرائيليين لن تواجه قتالًا ضاريًا في سيناء والجولان والقدس، موضحًا أن تدمير القوات الجوية العربية لم يكن يعني أن القوات الإسرائيلية يمكنها تنفيذ عملياتها دون غطاء جوي فحسب، بل أن الطائرات الإسرائيلية يمكنها قصف القوات البرية العربية بلا هوادة؛ مما وضع تقهقر القوات المصرية من سيناء أمام طريق مسدود.

عملية ناجحة لكنها ليست فريدة

ويرى الكاتب أن اعتبار العملية «موكيد» عملية فريدة من نوعها أمر خاطئ، موضحًا أنه في اليوم الثاني والعشرين من يونيو عام 1941، قصفت القوات الجوية الألمانية القواعد الجوية السوفيتية خلال العملية بارباروسا، وهي الغزو المفاجئ الذي شنه الزعيم النازي أدولف هتلر على الاتحاد السوفيتي. وفي هذه العملية قد يكون السوفييت قد خسروا نحو 4 آلاف طائرة خلال الأيام الثلاثة الأولى من الهجوم مقابل أقل من 80 طائرة ألمانية.

لكن العملية «موكيد» تبرز بسبب الإعداد شديد الدقة لها وتوقيتها السريع للغاية، وفقًا لتقرير «ذا ناشيونال إنترست». ومنذ ذلك الوقت، أصبح هجوم إسرائيل جوًا نموذجًا يحتذى به في أي ضربات جوية استباقية لتدمير القوات الجوية للعدو، حسبما ذكر بيك.

وبدأ الرئيس العراقي الراحل صدام حسين غزو العراق لإيران عام 1980 بضربة على طريقة إسرائيل للقواعد الجوية الإيرانية، لكنها فشلت فشلًا ذريعًا.

ويرى الكاتب أنه لو كانت إسرائيل قد اتبعت هذا الأسلوب مع فيتنام الشمالية عام 1967، لكانت النتيجة مختلفة للغاية أيضًا. ولهذا السبب، لو كانت العملية «موكيد» قد فشلت في تحقيق المفاجأة، أو إذا كان الطيارون الإسرائيليون قد أخطأوا أهدافهم، كان التاريخ سيذكر هذه المحاولة الإسرائيلية بأنها طائشة وحمقاء، وهو بالضبط ما حدث لسلاح الجو الإسرائيلي بعد ست سنوات في حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973.

لكن المغامرة آتت أكلها. ومع ذلك يُصر الكاتب على أن الانتصار الإسرائيلي لم ينطو على عامل سحري، إذ جاء نتيجة التخطيط الجيد، بمساعدة الإهمال العربي وقليل من الحظ.

وفي ختام تقرير، أكد بيك أن العملية «موكيد» قد غيَّرت مسار حرب عام 1967، ومسار التاريخ كذلك.

«هآرتس»: بعد موت شارون.. دراسة إسرائيلية جديدة تكشف حقيقة حرب لبنان 1982

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».