على الرغم من الجهود التي تبذلها الأنظمة الحاكمة الاستبدادية في الشرق الأوسط لتُحكِّم قبضتها على بلدانها ومواطنيها ولتتجنب مصيرًا على غرار ذلك الذي شهده حكام دول عربية أخرى منذ هبوب رياح الربيع العربي في 2011 وعودتها مرة أخرى مؤخرًا، يظل الشباب وهو القطاع الأكبر والأهم من مواطني تلك البلدان قانطًا إزاء الأوضاع والحريات الاجتماعية.

أظهر استطلاع جديد أجرته شركة العلاقات العامة «أصداء بي سي دبليو» ومقرَّها دبي لآراء الشباب العربي فجوات بين سياسات الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي وبين وجهة نظر وتطلعات الشباب في تلك البلدان. وبحسب نتائج الاستطلاع التي نشرها موقع «لوب لوج» الأمريكي فمخاوف الشباب العربي بشأن مستقبلهم، تظُهر فشل تلك الأنظمة العربية في تقديم الخدمات العامة والسلع المُنتظَرة منها، وتفسِّر نتائج جهود تِلك الأنظمة للترويج للقومية، وتوضح أنَّ الوظائف والحريات الاجتماعية أهم من الحقوق الحقوق السياسية.

وبحسب موقع «لوب لوج» فالاستطلاع يقدم رؤى من شأنها توجيه مساعي الحكَّام المستبدين في سبيل الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي. وكذلك يرجح الاستطلاع، مصحوبًا باندلاع احتجاجاتٍ مناهضة للحكومات على فتراتٍ متقطعة في مختلف مناطق العالم العربي، أنَّ خدمة المصالح الغربية والشرق أوسطية في المنطقة تتطلَّب نهجًا أمريكيًا وأوروبيًا أكثر دقة في التعامل مع الأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط.

مراكز الأبحاث السعودية والإماراتية.. العقل المخطط للثورات المضادة

وأشار الموقع إلى أن الاستطلاع، الذي يُركز على الشريحة العمرية بين 18-24 عامًا، وجهت له انتقادات بأنَّه معيوبٌ لترجيحه كفَّة الآراء القادمة من دول الخليج الصغرى بخلاف الدول الأعلى كثافةً سكانية مثل مصر، وبأنَّه استطلع رأي عيناتٍ صغيرة لا تزيد عن 300 شخصًا، ولم يُدرِج قطر، وسوريا، والسودان في الاستطلاع.

ووصف الموقع الأمريكي نتائج الدراسة بأنها تُمثل «خليطًا متناقضًا» للحكَّام العرب المستبدين، وتشير إلى أنَّ تحقيق المعادلة الصعبة بين متطلَّبات الإصلاح وتوقُّعات الشباب هو قولٌ أسهل منه فعل، وقد يكون نقطة الضعف القاتلة لدى الأنظمة العربية.

وفق نتائج الاستطلاع، فقد قالت أغلبية الشباب، المفطوم على عقودٍ من الاعتماد على الحكومة في الوظائف والخدمات الاجتماعية: إنَّ الحكومات، التي تعيد كتابة العقود الاجتماعية بينها وبين شعوبها من جانبٍ واحد وتتراجع شيئًا فشيئًا عن جوانب من سياسة الرعاية الاجتماعية «من المهد إلى اللحد، قد فشلت في الإيفاء بوعودها، بحسب «لوب لوج».

ورأى الموقع أن المسألة الأكثر إشكالية هي أنَّ الشباب يتوقَّعون من حكوماتهم أن تكون معيلتهم في وقتٍ يتطلَّب فيه أي إصلاحٍ في الدولة تبسيطًا للبيروقراطيات، وتراجعًا لسلطة الدولة، وتحفيزًا للقطاع الخاص.

وجاء في نتائج الاستطلاع أن الشباب يرى بنسبةٍ مفاجئة بلغت 78% أنَّ توفير الوظائف هو مسؤولية الدولة. وتوقَّعت النسبة نفسها دعمًا للطاقة، واشتكى 65% منهم من أنَّ الحكومات لا تبذل ما يكفي من الجهد لدعم أسر الشباب، فيما توقَّع 60% أن توفِّر لهم الحكومة السكن، وفقًا لموقع «لوب لوج».

وبهذه النسبة نفسها، عبَّر 78% من الشباب عن مخاوفٍ من جودة التعليم المُقدَّم لهم، ومن بين هؤلاء نسبة 70% في دول الخليج. ومع ذلك قال 80% من شباب الخليج: «إنَّ أنظمة التعليم المحلية أعدَّتهم لوظائف المستقبل، بخلاف إجمالي نسبة 49% في المنطقة شعرت بأنَّ التعليم متأخِّر». ومع ذلك قال 38% فقط من المشاركين من الخليج إنَّهم قد يختارون الحصول على تعليمٍ عال محلي.

وبحسب «لوب لوج»  فقد بدا كذلك من نتائج الاستطلاع أنَّ هُناك فجوة مشابهة بين السياسات الخارجية والإقليمية للحكومات العربية وتطلُّعات شبابها.

Embed from Getty Images

وأضاف أن السياسات الحازمة، التي تتبناها دول الخليج على وجه الخصوص، والتي أشعلت نزاعاتٍ إقليمية، من بينها الحروب في ليبيا، وسوريا، واليمن، والتنافس السعودية – الإيرانية، والمقاطعة الدبلوماسية والاقتصادية لقطر لمدة عامين، تتعارض مع رغبة الأغلبية بين مَن شاركوا بالاستطلاع في وضع نهايةٍ لهذه النزاعات. إذ رأى 67% من الشباب العربي إيران بمثابة العدو، لصالح الحكام السعوديين والإماراتيين والبحرينيين.

كذلك يشير الاستطلاع إلى أنَّ النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني قضية ما زال لها صدى عند الشباب، بخلاف المعتقد السائد، إذ قال 79% من المشاركين إنَّهم قلقون بشأن النزاع، ويطرح هذا سؤالًا حول ما إن كان تقارب دول الخليج مع إسرائيل ودعمها خطة السلام المقدَّمة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي يرى كثيرون أنَّها تظلم الفلسطينيين سياسة تحظى بدعم شعبي في الخليج، بحسب ما أورده الموقع.

واعتبر الموقع أن ارتفاع نسبة المشاركين الذين يعدُّون الولايات المتحدة عدوًا إلى 59% مقارنةً بنسبة 32% منذ خمسة أعوام هو مؤشر يعزِّز من فرضية أنَّ سياسات دول الخليج حيال النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني قد لا تكون مدعومة شعبيًا كليًا.

وبالمثل يرى الموقع أن اعتماد الحكَّام العرب على الدين ليكون أداةً لإضفاء الشرعية على أنظمتهم والجهود الجديدة حاليًا لتوجيه الإسلام إلى طريق التصوُّف غير المسيَّس يثبتان أنَّهما سلاحٌ ذو حدين، وأنهما السبب الأرجح لسعي رجالٍ مثل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لتقليص دور المؤسسات الدينية من خلال الترويج للقومية المفرطة.

شعر حوالي ثلثي المشاركين في الاستطلاع أنَّ الدين يلعب دورًا أكبر من اللازم في الدولة، وهي زيادةٌ عن نسبة 50% من أصحاب هذا الرأي منذ أربعة أعوام، كذلك قال 79%: «إنَّ المؤسسات الدينية بحاجةٍ للإصلاح هي الأخرى» فيما قال نصف المشاركين: «إنَّ القيم الدينية تعرقل العالم العربي»، بحسب «لوب لوج».

ولفت الموقع الأمريكي إلى أن نشر نتائج الاستطلاع تزامن مع إصدار اللجنة الأمريكية للحريات الدينية الدولية تقريرها السنوي لعام 2019، حيث وصفت اللجنة السعودية بأنَّها أحد «أسوأ منتهكي» الحريات الدينية في العالم، وسلطت الضوء على التمييز الذي توقِعه على المسلمين الشيعة والمسيحيين.

Embed from Getty Images

وورد في التقرير الذي جاء في 234 صفحة: «ما زال المسلمون الشيعة في السعودية يواجهون التمييز في التعليم، والتوظيف، وأمام القضاء، ويُمنَعون من الوصول لأي مناصب عليا في الحكومة والجيش».

ويقول الموقع: إن حكَّام الإمارات الذين تتهمهم جماعات حقوق الإنسان بممارسة انتهاكاتٍ ممنهجةقد يرون على الأرجح جانبًا إيجابيًا في نتائج الاستطلاع وتأكيدًا لنجاح سياستهم المتبنية ليبرالية اقتصادية واجتماعية نسبية مصحوبة بسلطة سياسية مطلقة.

وقال 44% من المشاركين: «إنَّ الإمارات هيَ دولتهم المفضلة في مقابل أقل من 22% اختاروا كندا، أو الولايات المتحدة، أو تركيا، أو بريطانيا».

ونقل «لوب لوج» عن أفشين مولوي، وهو زميل أقدم في معهد السياسة الخارجية التابع لجامعة جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، قوله في بيانٍ مصاحب لإصدار نتائج الاستطلاع، إنَّ الاستطلاع بيَّن أنَّ «مطالب وأحلام الشباب العرب ليست جذرية ولا ثورية»، وإنَّه يُستبعَد «أن يُخدَعوا بأوهام المدن الفاضلة أو القادة «ذوي الشخصيات الآسرة» مثلما حدث لآبائهم».

وفي البيان نفسه، قال جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط في صندوق النقد الدولي: «الحاجة الآن هيَ لعقدٍ اجتماعي جديد بين حكومات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومواطنيها يضمن لهم المُساءلة، والشفافية، والالتزام بمبدأ ألَّا يُهمل أحد.. يبيّن آخر استطلاعٍ للشباب العربي أنَّه ما زال أمامنا طريقٌ طويل».

«ميدل إيست آي»: كيف خسر العالم العربي معركة الديمقراطية على مدار 150 عامًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».