اللغة جزء من طبيعتنا، ويُقال دائمًا أيضًا «أنت ما تأكل» للدلالة على ارتباط الطعام بثقافة الفرد، وتاريخه الذي يحمله صحن الغذاء. لكن هل يمكن أن تمتد العلاقة إلى لغته أيضًا؟ وهل يمكن أن تكون هناك علاقة بين الأكل والكلام؟

تقول فرضية الطهي إنه – أي الطهي – يلعب دورًا محوريًا في تطور الإنسان، تحديدًا في زيادة حجم المخ، وتوفير الطاقة التي كانت تُستهلك في مضغ الطعام النيء قبل اكتشاف النار، ومرة أخرى يظهر أثر الطعام في التطور، ولكن هذه المرة لغويًا، فتغيير نظام الغذاء ينتج عنه تطور في الصوتيات، بحسب ما أثبتته دراسة حديثة نُشرت في «مجلة Science»، وأفادت بأن التغييرات التي أُدخلت على النظام الغذائي للإنسان، نتج عنها القدرة على تكوين أصوات جديدة مثل الـ«F»، والـ«V» وذلك عن طريق تغيير الطريقة التي يَعُض الإنسان بها أو يضغط على أسنانه، وبالتبعية تغيرت طريقة الكلام.

الثروة الزراعية أدخلت حروفًا جديدة إلى اللغات!

في الحقيقة إن الكلام أو الطريقة التي نتحدث بها متنوعة لدرجة مهولة، من أصوات واسعة الانتشار مثل الـ«M»، والـ«A» الموجودة في كل اللغات تقريبًا، وصولًا للأصوات الصامتة في بعض اللغات في جنوب أفريقيا. فنجد أن أكثر من ألفيّ صوت يتواجد في 7 آلاف إلى 8 آلاف لغة موجودة اليوم، هذه الوفرة في استخدام كل صوت في كل اللغات؛ تعتمد على مدى سهولة تكوين الصوت، وإدراكه وتعلمه.

وهذا الكم من التنوع في طرق الحديث، يُعتقد بشكل عام أنه قد تأسس وثبت بقيود بيولوجية منذ بزوغ «الهوموسيبيانس» أو النوع الوحيد الذي لم ينقرض من جنس الإنسان؛ وذلك منذ 300 ألف عام. وفي دراسة استغرقت خمس سنوات ونُشرت في «مجلة Science» وأجريت بواسطة مجموعة من الباحثين متعددي التخصصات، يرأسهم داميان بلاسي، في «جامعة زيوريخ»؛ ربطت الدراسة بين الميكانيكا الحيوية، وعلماء مستحدثات البشر أو الـ«paleoanthropology»، ووصف الأعراق البشرية، واللغويات التاريخية، والصوتيات وعلم الكلام.

وأوضحت الدراسة أن حرفيّ الـ«F»، والـ«V» الموجودان في معظم اللغات الحديثة، هما نتاج تطور حديث نسبيًا في نوعية الغذاء، فقد دخلا إلى المعجم بفضل الثورة الزراعية، وهذا يبين أن كل نشاط جمعي ولو صغير يؤثر في شكل اللغة.

 

هيكل إنسان من العصر الحجري الحديث، المصدر: msn

اللغة بين الطبيعة والثقافة

«عندما تأكل أغذية مثل نبات الفول فإنه سيسهل عليك نطق جملة مثل نبات الفول»

هذا المشروع ترجع جذوره إلى عام 1985 عندما افترض الباحث اللغوي تشارلز إف هوكيت؛ أن الإنسان الصياد كان يصعب عليه نُطق حرفي الـ«F» و الـ«V» وأن اللغات التي تحتوي على أصوات صامتة، يتحدث بها دائمًا مجتمعات تنتشر بها أطعمة لينة على الأسنان، والتي أصبحت منتشرة بعد تطور الزراعة، وأن اللغات المنطوقة حاليًا قد تشكلت بفعل تغير شكل عَضة الإنسان على أسنانه، وضغط الأسنان العلوية على السفليّة.

وتبدأ القصة من العصر الحجري الحديث أي قبل حوالي 12 ألف عام، والذي امتد من 6000 إلى 2100 قبل الميلاد، عندما عرف الإنسان تقنيات جديدة للتغذية، من الجمع والصيد إلى طحن الطعام وطبخه، كانت هناك وجبات تشبه العصيدة، واليخنة، وكان هناك حساء شعير، ومنتجات ألبان مثل الجبن والزبادي، والأمر الهام أيضًا هو انتشار الفخار لحفظ الطعام، كما ربّى الإنسان الماعز والخراف والأبقار.

المصدر: بريف جيت

تغيرات الأسنان ينتج عنها أصوات جديدة

اللغة يشكلها التغيير البيولوجي للإنسان، ففي عصر الإنسان الصياد الذي اعتمد طعام الإنسان فيه على غذاء جاف وقاسي، كانت أسنانه تتقابل حوافها «edge- to- edge» مثلما أخبرتنا جمجمته. وبعدما بزغت الزراعة وبدأ الإنسان في زراعة محاصيل الحبوب والغَلّة، وتربية الماشية، وتَغَير شكل الغذاء إلى مواد أكثر ليونة، أصبحت القواطع العليا تغطي السفلي، كما هو الحال في إنسان اليوم.

هذه الإزاحة نشأ عنها أصوات جديدة، في المجتمعات التي تنتج غذاء والتي تبلغ الآن نصف اللغات الموجودة في العالم، تعرف بالـ«labiodentals» وهي الأصوات الأسنانية الشفوية أو التي تلامس فيها الشفة السفلى الأسنان الامامية مثل الـ «f» والـ «v»، ويرى العلماء أن تراكب العَضة «over bite» يتطلب جهد عضلي أقل بنسبة 29%، لكي يحدث أصوات أسنانية شفوية، أكثر من وضع تطابق الأسنان «edge-to-edge»، وتستطيع تجريبها بنفسك، إذا طابقت أسنانك العلوية والسلفية، وحاولت نطق حرفيّ الـ«F» و«V» ستجد الأمر شديد الصعوبة.

إضافة إلى ذلك فقد وجد الباحثون أن مجتمعات الجمع والصيد كانت تمتلك 27% فقط من الأصوات الأسنانية الشفوية الموجودة في المجتمعات الزراعية. وفي المرحلة الأخيرة من الدراسة درس الباحثون عائلة لغات الهندو أوروبية والتي تمتد من أيسلندا حتى ولاية آسام الهندية، وكيف كانت تُنطق الكلام قبل ألفي ونصف عام، ووجدوا أن استخدام الأصوات الأسنانية أيضًا زادت زيادة مطردة مع تطور الزراعة، وتقنيات صناعة الغذاء.

تغير عضة الأسنان، المصدر: إم بي جي

كيف كانت تُنطق الكلمات في الماضي؟

أصعب أسئلة العلوم هي كيف نشأت اللغة؟ هل يمكنك تخيل اللغة بدون حرف الفاء؟ أهمية هذه الدراسة المثيرة هي تغيير فهمنا للغة ككل، فهي ليست تغيرًا عشوائيًا على مدار التاريخ، فهل تتخيل أننا نصدر أصوات لحروف معينة؛ لأن أسلافنا قد غيروا نظامهم الغذائي؟ وهذه النتيجة تتعارض مع الفرضية التي تقول إن الأصوات ظلت ثابتة خلال التاريخ الإنساني، والتي اعتَقد فيها علماء اللغة والأنثروبولوجيا لفترة طويلة، فالأمر ليس كذلك، هو ديناميكي أكثر، ويأمل الباحثون أن تكون الدراسة شُعلة تفتح مناقشات أوسع، بخصوص معاملة اللغة والكلام باعتباره نشاط بشري مُعقّد يقع بين الثقافة وعلم الأحياء.

وتكمن أهمية هذه الدراسة أيضًا أننا سنعرف كيف كانت تُنطق الكلمات منذ آلاف السنين، سنعرف مثلًا أن كان يوليوس قيصر قد قال في خطبته التاريخية الشهيرة باللاتينية الكلاسيكية التي يختلف الناس حولها وكيف كانت تُنطق «weni, widi, wici – ويني، ويدي، ويكي،» أم «veni,vidi,vici – فيني، فيدي، فيدتشي»، تلك العبارة اللاتينية الشهيرة التي تعني «أتيت، رأيت، انتصرت».

«قل لي ماذا تأكل أقل لك من أنت».. كيف كان طهي الطعام ملازمًا للتطور البشري؟