رمضان هو شهر الصيام والعبادة كما نعرفه جميعًا، شهر الفقراء ومن هم أقل حظًا، يتصدق فيه الغني على الفقير، وتزهد فيه النفس عما يشغلها بقية العام. إلا أنَّ الأمر لا يسير على هذا المنوال في كثيرٍ من الدول العربية، التي تمتلئ موائدها بكميات مهولة من صنوف الطعام، التي سيؤول مصيرها في النهاية إلى صناديق القمامة.

تستعرض مجلة «الإيكونوميست» في تقرير هذه الأزمة التي تتكرر كل عام في هذا الشهر.

رمضان.. بطون ممتلئة وصناديق قمامة تفيض

وفي تقريرها تستعرض المجلة يومًا عاديًا من أيام شهر رمضان يعيشه شخص يُدعى أحمد توفيق، الذي كسر صيامه، كما اعتاد المسلمون لقرون، بتناول حبة تمر، بينما يتردد على طول نهر النيل أذان المغرب، لينتقل أحمد بعدها إلى أطباق الطعام المُكدسة أمامه، فلا يستغرق وقتًا طويلًا في تناول شوربة العدس الطيبة المذاق، حسبما أوضحت المجلة، بيد أنَّ إيقاعه يأخذ في التباطؤ أثناء تناوله للسلطات وأصناف الغموس بخبز البيتا الساخن.

وبعد خروجه لتدخين سيجارة بعد الغروب بعشرين دقيقة، يجمع أحد خادميه نصف طبق من الكباب والأرز لم يُمس. ويعقب أحمد على ذلك قائلًا: «قبل الإفطار، تشعر وكأنك ستتناول طعامًا لشخصين».

تُهدِر الدول العربية كثيرًا من الطعام، حسبما أوضحت «الإيكونوميست» في دراسة نشرتها وحدة معلومات إيكونوميست عام 2016، وهي الشركة الشقيقة للمجلة. ووجدت الدراسة أنَّ المملكة العربية السعودية تهدر 427 كيلو جرامًا من الطعام للفرد الواحد سنويًا، ما يُعادل ثلاثة أضعاف المتوسط في أوروبا وأمريكا الشمالية. قد يُرجِع البعض هذا إلى تقاليد الضيافة، فحتى «العشاء الخفيف» في القاهرة أو بيروت يترك الضيوف في حالة تخمة، وفقًا للمجلة.

وتؤكد المجلة أن هناك أسبابًا متنوعة ومختلفة وراء إهدار الطعام تتجاوز هذا السبب وحده، فنصف الفاكهة والخضراوات المزروعة في مصر لا تؤكل أبدًا لأنها غالبًا ما تُنقل إلى الأسواق في شاحنات مكشوفة، لتذبل سريعًا بفعل الحرارة.

وتزداد هذه المُشكلة سوءًا خلال رمضان، وفق المجلة، التي ضربت مثالًا على ذلك بالمقيمين في دولة الإمارات، الذين يُنتِج الفرد منهم 1.8 كيلو جرامًا إضافيًا من النفايات يوميًا في هذا الشهر، وهي زيادة تُعادل 67%، ويستأثر الطعام بنسبة 55% من القمامة في دبي في هذا الشهر، وهي نسبة تزيد عن الأشهر الأخرى بمقدار 22%. أما البحرين فتزداد مخلفاتها الغذائية بمقدار النصف إلى 600 طن يوميًا.

وترى المجلة أنَّ الذنب في إهدار الطعام ذلك راجع بالأساس إلى موائد الطعام (البوفيهات)، وبخاصة في دول الخليج التي تعمل فيها الفنادق والمطاعم طوال الليل. وفي دراسة أجراها باحثون في «مصدر»، وهي شركة حكومية للطاقة المتجددة في أبو ظبي، توصلوا إلى أن 53% فقط من الطعام الذي يُقدم في موائد الإفطار يُؤكل.

Embed from Getty Images

حلول جذرية لأزمة إهدار الطعام

ووصفت المجلة إهدار الطعام في رمضان وغيره بأنَّه «خسارة كبرى»، مشيرة إلى أنَّ بعض الحكومات ترى أنَّها تُشكِل خطرًا أمنيًا أيضًا، فالمنطقة تُعتبر مستوردًا صافيًا للأغذية. وعليه، ففي الأسابيع التي تسبق رمضان، تحث وسائط الإعلام التابعة للدولة مواطنيها على الحد من الإسراف.

أما التوصيات التي تتبادلها المطاعم الآن على مواقع التواصل الاجتماعي فلا تتعلق بموائد الطعام المُترفة ولكن بالخيارات حسب الطلب. أما الأنظمة الاستبدادية المستاءة من المجتمع المدني، فيُسعدها أنَّ مواطنيها يأخذون على عاتقهم مسألة إهدار الطعام، بحسب المجلة، فوهاب، وهو قطري صاحب شركة ناشئة، يرسل متطوعين لجمع بقايا الطعام من الفنادق والمطاعم.

وبحسب المجلة فقد ثبت عددٌ قليلٌ من الفنادق في دبي كاميرات وموازين ليتتبعوا قدر الطعام الذي ينتهي به المطاف في صندوق القمامة، ويستخدم الطهاة هذه المعلومات لطهي قدر أقل من الأطباق التي لا تحظى بشعبية. ونقلت المجلة عن أحد مُلاك فروع سلسلة فنادق الهيلتون قوله إن هذا النظام قلل من مُخلفات الموائد بنسبة 70%. أما الفنادق الأخرى، فتتخلص من موائد الطعام كلية في وجبة السحور إن لم يكن في وجبة الإفطار.

وفي إطار جهود الحد من الطعام المهدر، تشير المجلة إلى زيادة في عدد المطاعم التي تُعلن عن قوائم طعام للإفطار ذات الأسعار والأصناف المُحددة «prix fixe menus» لا ينتج عنها مخلفات الطعام. وتكون هذه الوجبات أرخص ثمنًا. فتناول الطعام في فندق فخم قد يتكلف 200 درهم، ما يُعادل 54 دولارًا، أما قوائم الطعام ذات الأسعار المُحددة، فتقل تكلفتها عن ذلك بمقدار النصف تقريبًا.

وفي مصر، يُطعم بنك الطعام فيها ما يُقارب من 1.8 مليون عائلة خلال شهر رمضان، وبعض هذا الطعام يكون مصدره الفنادق التي تبعث ببقايا الطعام فيها، على الرغم من ضرورة التخلص من الطعام غير المأكول في أطباق الزبائن لأسباب صحية.

وتختم المجلة تقريرها بالإشارة إلى حل آخر أبسط وأقل تكلفة من الكاميرات توصل له فندق في القاهرة وهو جعل الأطباق أصغر حجمًا على موائده، فبعد 15 ساعة من الصوم يشتهي الصائم طعامًا أكثر مما يمكنه أكله، لذا لن تجدي الكاميرات على غرار تلك التي في دبي نفعًا.

أكثر الدول إهدارًا للطعام: السعودي يهدر 427 كيلو والاتحاد الأوروبي 22 مليون طن

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».