اعتاد المصريون خلال السنوات الخمس المنصرمة، على سماع رئيسهم المشير عبد الفتاح السيسي في كل مناسبة، وهو يحدثهم عن فقرهم وقلة الموارد المتاحة، وتأكيد أنه «مش قادر أديك»، ورفض أي مطالبات برفع الحد الأدنى للأجور، برغم موجة التضخم وارتفاع الأسعار، التي أعقبت تحرير سعر الصرف في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، وهو الأمر الذي دفع قيمة العملة المحلية إلى الانخفاض للنصف تقريبًا. ثم لم تلبث أن أعلنت الحكومة بعدها بساعات زيادة أسعار الوقود بنسب تتراوح بين 7.1%، و87.5%، ليصبح وقع هذا اليوم كارثيًّا على الطبقة المتوسط في مصر؛ إذ تضاعفت أسعار السلع، وسجلت القدرة الشرائية تراجعًا حادًّا خلال فترة ما بعد التعويم وحتى يومنا هذا.

هذه الإجراءات التي جاءت عبر برنامج للإصلاح الاقتصادي، تحت إشراف صندوق النقد الدولي، بعد الاتفاق على قرض قيمته حوالي 12 مليار دولار خلال ثلاث سنوات؛ وتضمن زيادة الضرائب، ورفع الدعم، وزيادة الجمارك، وزيادة أسعار خدمات النقل الحكومي والخاص، وزيادة أسعار تذاكر مترو الأنفاق من جنيهين إلى سبعة جنيهات، وغيرها من إجراءات تقشفية، كان لها بالغ الضرر على الطبقة المتوسطة في مصر، والتي يمكن القول بأنها شارفت على الاختفاء، وسط خطاب رسمي يتبنى طوال الوقت شعار «إحنا فقرا أوي».

4 دول عربية قد تختفي منها الطبقة المتوسطة قريبًا.. هل بلدك منها؟

 

السيسي يُجيد فتح خزائن الدولة وقتما «يريد»

لكن الرئيس المصري الذي قاربت فترة حكمه الثانية على الانتهاء، وكثر الحديث عن وجوب إجراء تعديلات دستورية مُفصلة له، تُمكنه من البقاء في الحكم حتى عام 2034، ليُكمل طريق الإنجازات الذي بدأ فيه، بحسب ما يُردد الإعلاميون ونواب مجلس الشعب الموالون له؛ فاجأ الشعب المصري أول أمس السبت 30 مارس (آذار)، بقرارات تضمنت: رفع الحد الأدنى للأجور لجميع العاملين بالدولة من 1200 إلى 2000 جنيه للدرجة السادسة، و7 آلاف جنيه للدرجة الممتازة، بدلًا من 4600 جنيه.

هذا بالإضافة إلى زيادة معاشات التقاعد بنسبة 15% بحد أدنى 150 جنيهًا، ورفع الحد الأدنى لمعاش التقاعد إلى 900 جنيه، وقرر أيضًا منح علاوة إضافية استثنائية لجميع العاملين في الدولة بقيمة 150 جنيهًا، وذلك للعمل على معالجة الآثار التضخمية على مستوى الأجور، بحسب قوله.
الرئيس المصري لم يكتفِ بهذه الزيادات فقط، وأعلن أيضًا منح العاملين بالدولة علاوة دورية بنسبة 7% من الأجر الوظيفي بحد أدنى 75 جنيهًا، و10% لغير المخاطبين بالخدمة المدنية بحد أدنى 75 جنيهًا، وذلك «للتخفيف عن المواطنين»، على حد تعبيره، علاوة على إطلاق أكبر حركة ترقيات للعاملين بالدولة، لكل من استوفى المدة اللازمة حتى 30 يونيو (حزيران) 2019، ومنح أصحاب المعاشات 15% زيادة بحد أدنى 150 جنيهًا، مع رفع الحد الأدنى للمعاش إلى 900 جنيه.

ومن المفترض أن يتم تطبيق هذه القرارات، بداية من السنة المالية الجديدة التي ستبدأ في الأول من يوليو (تموز) القادم، ووفق تقديرات من المتوقع أن تصل تكلفة هذه الزيادات إلى نحو 30.5 مليار جنيه، إذ أكد السيسي أن بند المرتبات في الموازنة الجديدة سيصل إلى 300 مليار و500 مليون جنيه.

وفي الوقت الذي هللت فيه الصحف والبرامج التلفزيونية المحسوبة على النظام لهذه القرارات، وتبنت شعار «السيسي يرد الجميل»، تحسس غالبية الشعب المصري رأسه، باعتبار أن «الحدأة لا تلقي كتاكيت»، وأن موجة عاتية من التضخم وارتفاع الأسعار، آتية لا ريب.

الحد الأدنى للأجور 2019 Vs الحد الأدنى للأجور 2014

بالنظر في الأرقام التي أعلنها الرئيس المصري أول أمس، وبحساب بسيط، يتضح أن الحد الأدنى للأجور المعلن تطبيقه بداية من العالم المالي الجديد، يساوي حوالي 115 دولارًا (حسب سعر الصرف الحالي)، في حين أن الحد الأدنى السابق للأجور، والذي بدأ تنفيذه عام 2014، كان يساوي حوالي 170 دولارًا (بحسب سعر الصرف آنذاك، قبل التعويم).

وعقّب المحامي الحقوقي ومرشح الرئاسة السابق، خالد علي، على قرار السيسي برفع الحد الأدنى للأجور عبر صفحته الرسمية على موقع «فيسبوك»، قائلا: «بطريقة حساب الحد الأدنى القديم (1200 جنيه) في عهد مبارك، يحتاج العامل وأسرته الآن 8 دولارات يوميًا ليبقوا على خط الفقر، وباعتبار الدولار 17 جنيها فقط تحتاج الأسرة الآن 136 جنيها يوميا، أي 4080 جنيها شهريا ليظلوا على خط الفقر»، مؤكدًا في الوقت ذاته أنه مع أي زيادة تساعد المواطنين في ظل الظروف العصبية اقتصاديًا، لكنه يوضح الفرق بين قيمة الحد الأدنى الذي تم حسابه في 2010 وطُبق في 2014، وبين اليوم.

وبتتبع رحلة التضخم في مصر خلال السنوات الخمس الأخيرة، نجد أنها شهدت كثيرًا من التقلبات، كان أعنفها ما جاء بعد تحرير سعر صرف الجنيه في 3 نوفمبر 2016، إذ قفز المعدل السنوي من نحو 10% خلال 2015 إلى نحو 30% خلال 2017، وهي قفزة هائلة في الأسعار، ربما تكون الأكبر في تاريخ مصر.

وبحسب ما صرح به د. أحمد ذكر الله، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، وعميد كلية الاقتصاد والتمويل بأكاديمية العلاقات الدولية في تركيا، لـ«ساسة بوست» فإن «الزيادة الجديدة أقل من المأمول، وستأكلها الزيادة الجديدة في الأسعار بعد رفع أسعار المحروقات».

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة المصرية كانت قد وافقت منذ أيام قليلة، وتحديدًا في 27 مارس الماضي، على مشروع موازنة السنة المالية 2019- 2020، دون الكشف عن تفاصيل الموازنة حتى الآن.

وبحسب تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء في مصر، فإن معدل الفقر بلغ عام 2015 نحو ما يزيد عن 27٪، فيما تقول المؤشرات العامة أنه وصل على أرض الواقع الآن إلى 50٪ أو أكثر، في ظل سياسات التقشف التي تطبقها الحكومة منذ تحرير سعر الصرف «تعويم الجنيه» عام 2016.

ثمار الإصلاح الاقتصادي تؤتي أُكلها.. أم «رُشى انتخابية»؟

القرارات التي أعلنها السيسي أول أمس، تأتي بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة المصرية، البدء في تحديد حجم مديونية وزارة المالية لصالح صناديق المعاشات من أجل ردها، بعد توجيه من الرئيس المصري. إذ أعلن محمد معيط، وزير المالية يوم 23 مارس، تشكيل لجنة من جهات ثلاث (وزارتي المالية، والتضامن الاجتماعي، والجهاز المركزي للمحاسبات) لحصر هذه الأموال، على أن تعرض نتائج الدراسة والحصر على الرئيس عبد الفتاح السيسي. وكان بيان لرئاسة الجمهورية قد أعلن يوم الخميس 21 مارس، أن تنفيذ التسوية سيبدأ اعتبارًا من موازنة العام المالي الجديد، 2019- 2020.

وبالنظر في دأب الرئيس عبد الفتاح السيسي تكرار مقولة «أجيب منين؟» في أكثر من مناسبة، ورفضه القاطع الحديث عن زيادة المرتبات، برغم تأكيده مدى غلاء الأسعار، وقلب دفة الحديث إلى الزيادة السكانية ووجوب تحديد النسل؛ وما سبق وأن أعلنه أحمد حسن المدير العام بوزارة المالية، منذ عامين، من أن أي زيادة في المرتبات سوف يترتب عليها موجة تضخمية جديدة، مشيرًا إلى رفض وزارة المالية هذه السياسة، التي تعتبر من الناحية الاقتصادية بمثابة دفع التضخم للارتفاع.

يظل السؤال المطروح: ما الذي جد على الساحة الاقتصادية في مصر، وسمح برفع الأجور والمعاشات؟ خاصة وأن الدولة لا زالت خاضعة لإملاءات صندوق النقد الدولي، ولا يُعرف على سبيل الدقة، كيف ستغطي الحكومة هذه الزيادة من خلال الموازنة، لا سيما وأن الدولة قد استنفدت زيادات الضرائب والجمارك وقيادات كافة رسوم الخدمات الحكومية، ومن الصعب اللجوء لزيادتها مرة أخرى، بحسب ما صرح به أستاذ الاقتصاد المصري أحمد ذكر الله، لـ«ساسة بوست»، وأن الحكومة قد تلجأ إلى طبع النقود، مثلما سبق وأن فعلت، بحسب تصريحات محافظ البنك المركزي، طارق عامر، من قبل. 

لتتحول الأنظار نحو ما جد على الساحة السياسية، والحديث عن تعديلات دستورية آتية، دفعت بالنظام القائم إلى كسب ود الشعب والعاملين في القطاع العام تحديدًا، عبر رفع الأجور والمعاشات، وحل مشكلة صناديق المعاشات القائمة منذ فترة،  باعتبار أن من «يقدم السبت، يجد الأحد»، كما يقال في مصر. 

«يا فرحة ما تمت».. موجة تضخم جديدة في انتظار المصريين بعد زيادة الأجور