نشرت وزارة المالية المصرية مؤخرًا، البيان المالي التمھيدي لمشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2019- 2020، وضم البيان توقعات وأرقامًا تشير إلى انتعاشة اقتصادية، ربما يشهدها الاقتصاد المصري في حال تحققت هذه الأرقام الواردة بالموازنة التي تبلغ قيمتها نحو 1.575 تريليون جنيه، وهي الموازنة العامة الأكبر في تاريخ مصر، إذ تستهدف الحكومة إيرادات إجمالية قدرها 1.134 تريليون جنيه، بزيادة 17% على الإيرادات المتوقعة في الميزانية السابقة التي بلغت 969 مليار جنيه. البيان كشف عن أن الحكومة تتوقع عجزًا إجماليًّا قدره 445.1 مليار جنيه مصري، وذلك بنسبة 7.2% من الناتج المحلي الإجمالي، بالمقارنة مع 8.4% في ميزانية 2018- 2019، وزادت النفقات 12% من حوالي 1.403 تريليون جنيه متوقعة في موازنة 2018- 2019.

لكن السؤال الذي يدور في أذهان الكثيرين من المهتمين بالشأن الاقتصادي: هل كل هذه التوقعات واقعية؟ وهل الإيرادات المتوقعة في المتناول فعلًا أم أن هذه الأرقام «للاستهلاك الإعلامي» فقط دون الاهتمام بمدى واقعيتها؟ الجدير بالذكر أن الأرقام الرسمية المعلنة حتى الآن لا تشمل كامل بنود الموازنة، وبالتالي فإن التحليل التالي سيكون قاصرًا على ما هو معلن حتى الآن؛ إذ تبدأ السنة المالية في مصر مع بداية يوليو (تموز)، وتنتهي في 30 يونيو (حزيران)، ومن المتوقع أن يطالب البرلمان والرئاسة ببعض التعديلات على مشروع الموازنة خلال الفترة المقبلة، أي ما قبل بداية العام المالي.

وقبل الخوض في تفاصيل المقارنة بين الواقع، والمتوقع يجب أن ندرك أولًا أن الأرقام التي تعلنها الحكومة مجرد توقعات يمكن أن تتحقق، ويمكن أن يختلف الواقع عنها بالزيادة أو النقصان، لكن ما سنناقشه خلال السطور القادمة هو مدى واقعية هذه الأرقام مقارنة بآخر الأرقام المحققة والمتاحة على مستوى العام المالي الجاري. كما يجب لفت الانتباه إلى أن واقع الحكومة من ناحية الأرقام يختلف تمامًا عن واقع المواطن، فأحيانًا يأتي انتعاش النمو الاقتصادي، أو زيادة الإيرادات على حساب معاناة المواطن، وذلك لأن هذا الانتعاش قد يأتي من خلال فرض مزيد من الضرائب، وخفض الدعم.

السماء لا تمطر ذهبًا.. من أين ستموّل الحكومة المصرية الزيادة الجديدة في الأجور؟

كالعادة.. طموحات الحكومة «غير واقعية»

تتوقع الحكومة المصرية من خلال البيان التمهيدي للموازنة أن تسجل عجزًا يبلغ 7.2% من الناتج المحلي الإجمالي، بالمقارنة مع 8.4% في ميزانية 2018- 2019، بالإضافة إلى زيادة النفقات 12% من 1.403 تريليون جنيه متوقعة في موازنة 2018- 2019، وتوضح الجداول التالية الصادرة عن وزارة المالية أبرز الأرقام المهمة حول الموازنة:

البيان المالي التمھيدي لمشروع الموازنة العامة

وعلى مستوى النمو الاقتصادي تتوافق توقعات الحكومة مع توقعات «البنك الدولي»، الذي يتوقع أن يصل النمو الاقتصادي في مصر إلى 6% على المدى المتوسط، وهي النسبة نفسها التي تتوقعها وزارة المالية خلال العام المالي المقبل، في الوقت الذي تتوقع أن تحقق معدل نمو 5.6% خلال العام المالي الجاري.

يتحدث ممدوح الولي، الكاتب الصحافي المتخصّص بالشأن الاقتصادي، ونقيب الصحافيين الأسبق، عن مدى واقعية الأرقام المعلنة من جانب وزارة المالية؛ قائلًا: إن الموازنة العامة الجديدة استهدفت تحقيق إيرادات بقيمة 1.134 تريليون جنيه، مقابل 989 مليار في العام المالي الحالي، وتحقيق حصيلة ضريبية 857 مليار جنيه، مقابل 770 مليار في العام المالي الحالي، وتحقيق إيرادات غير ضريبية بنحو 278 مليار جنيه، مقابل 219 مليار في العام المالي الحالي، إلا أن كل تلك الأرقام لن تتم على أرض الواقع غالبًا، بحسبه. ويتابع الولي خلال حديثة لـ«ساسة بوست» أن الدليل على عدم إمكانية تحقق الأرقام المتوقعة هو ما تحقق من نتائج خلال الأشهر السبعة الأولى من العام المالي الحالي، فقد كانت التقديرات تسير لتحقيق 577 مليار جنيه إيرادات إجمالية خلالها، بينما ما تحقق بلغ 457 مليار جنيه، بنقص 120 مليار جنيه؛ أي بنسبة تراجع نحو 21%، والأمر نفسه تكرر مع الضرائب، إذ كانت التقديرات لها تحقيق 449 مليار جنيه في الأشهر السبعة الأولى، بينما ما تحقق كان أقل من 357 مليار جنيه، بنقص أكثر من 102 مليار بتراجع 21% أيضًا.

«يا فرحة ما تمت».. موجة تضخم جديدة في انتظار المصريين بعد زيادة الأجور

ويتابع الولي أن «الأمر نفسه حدث مع الإيرادات غير الضريبية، والتي كانت التقديرات لها بالأشهر السبعة 128 مليار جنيه، بينما ما تحقق بلغ 100 مليار جنيه بنقص 28 مليار بتراجع 22%»، موضحًا أنه لهذا السبب خفضت وزارة المالية أرقام العام المالي الحالي بالبيان التمهيدي الذي صدر قبل أيام، إذ خُفضت تقديرات الإيرادات بنحو 21 مليار جنيه، وكذلك بالضرائب وبالإيرادات غير الضريبية. على الجانب الآخر يكشف البيان الصادر عن «البنك المركزي» الخاص بأداء ميزان المدفوعات خلال النصف الأول من السنة المالية 2018-2019، عن أرقام غاية في الأهمية، قد توضح الواقع الفعلي للاقتصاد الذي يختلف عن الأرقام المتوقعة من جانب الحكومة سواء للعام الماضي، أو العام المقبل، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يظهر أن صافي الاستثمار الأجنبي المباشر تراجع بنسبة 26% إلى 2.8 مليار دولار في النصف الأول من السنة المالية 2018- 2019، مقارنة مع 3.8 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي.

ميزان المدفوعات خلال النصف الأول من السنة المالية 2018- 2019

هذه الأرقام جاءت في الوقت الذي كانت فيه وزيرة التخطيط، هالة السعيد، قد كشفت خلال أغسطس (آب) الماضي عن أن الحكومة تستهدف زيادة صافي الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 11 مليار دولار في السنة المالية 2018- 2019 من 7.9 مليار دولار في السنة السابقة، وفي الظل الرقم المتوفر حاليًا -2.8 مليار دولار- الخاص بالنصف الأول، من الصعب أن تحقق الحكومة مستهدف العام السابق من الأصل، وهو ما يشير إلى فجوة كبيرة جدًا بين الواقع والمتوقع.

ميزان المدفوعات خلال النصف الأول من السنة المالية 2018- 2019

بيانات «المركزي» كشفت أيضًا عن اتساع عجز ميزان المعاملات الجارية إلى 3.85 مليار دولار في النصف الأول من السنة المالية 2018- 2019، مقارنة مع 3.54 مليار قبل عام، بالإضافة إلى تعاظم عجز الميزان التجاري ليصل إلى 19.251 مليار دولار في النصف الأول من 2018- 2019، مقارنة بـ18.747 مليار دولار السنة السابقة، ناهيك عن تراجع تحويلات المصريين العاملين في الخارج لنحو 900 مليون دولار، وكل هذه الأرقام لا تدعم توجه الحكومة لتوقعات شديدة التفاؤل؛ مما يعني أن توجهات الحكومة تحمل الكثير من المبالغة.

موقع المواطن في «قائمة أولويات» الموازنة العامة

تكشف الموازنة العامة المطروحة عن أولويات الحكومة في الإنفاق خلال الفترة المقبلة؛إذ يرى مدوح الولي، أن الأولويات الحكومية تتضح من خلال بنود المصرفات؛ إذ يظهر أن بند فوائد الديون له الغلبة، فقد بلغ 569 مليار جنيه، وهي المبالغ التي لا يستفيد بها أي مواطن، بينما الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية الخاصة بالمعاشات كان نصيبها مجتمعة 328 مليار جنيه فقط، فيما كانت مخصصات بند الاستثمارات الحكومية 211 مليار جنيه، وهو البند الذي يمس معاناة المصريين المزمنة، مثل الخدمات الصحية، والتعليمية، والمرافق.

ويتابع الولى أنه يجب الأخذ في الاعتبار أن رقم الاستثمار التقديري في كل الموازنات التي جاءت منذ يوليو 2013، لم تتحقق أرقام أيٍّ منها في أي من تلك السنوات، ودائمًا يأتي الحساب الختامي للاستثمارات برقم أقل كثيرًا من التقديرات التي تم الوعد بها من ناحية الحكومة، وهذا ما أوضحته الأشهر السبعة الأولى من العام المالي الحالي، والتي كان من المفترض بلوغ قيمة الاستثمارات الحكومية خلالها 86.6 مليار جنيه، بينما ما تحقق بلغ أقل من 71 مليار، بنسبة تراجع 18% عما وعدت به وزارة المالية.

مما سبق يتبين مدى الفجوة الكبيرة بين توقعات الحكومة في بيانها المالي، وبين الواقع والمحقق، وبالرغم من أن وزارة المالية وضعت عنوانًا عريضًا للموازنة الجديدة وهو: «موازنة 2019- 2020: المواطن أولًا» إلا أن الأرقام الحقيقية ربما لا تعكس واقعية هذا الشعار.

3 نقاط في تقرير «فيتش» الاقتصادي لن يخبرك بها الإعلام المصري