لماذا يتولى الناس في الدول النامية معاملاتهم المالية بأنفسهم، في عصرٍ هيمنت عليه التكنولوجيا بشكلٍ كامل؟ ما هو العائق الذي يمنعهم من التعامل مع البنوك والتمتع بالتسهيلات المالية مثل الكثيرين في جميع أنحاء العالم؟ وما هي المُقترحات المطروحة لتغيير وضعهم الحالي؟

في تقرير بصحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، أجابت سارة موراي على هذه الأسئلة، مستعرضةً آراء الخبراء الاقتصاديين والتقنيين في هذه المسألة، وحلولهم المقترحة.

مترجم: تبلغ ديون أمريكا 22 تريليون.. فلماذا لم يهتز عرش الدولار حتى الآن؟

العلاقة بين البنوك والمواطنين حاليًا

أشارت سارة إلى أنَّ موظفي القروض متناهية الصغر يزورون البيوت في كثيرٍ من أنحاء أفريقيا والشرق الأوسط، لتقدير قيمة ضمانات القروض، مثل السيارات وماكينات الخياطة والماشية. وتُستخدم تكنولوجيا الذكاء الصناعي في بعض المواقع لزيادة جودة جمع البيانات، وفي تسهيل قرارات منح القروض.

أما بالنسبة للسكان الذين يتعذر عليهم الحصول على الخدمات المصرفية من البنوك وغيرها، ويعتمدون بدرجةٍ كبيرة على النقود، والذين يُشكلون سوقًا ضخمة لمقدمي الخدمات المالية تُقدر قيمتها بنحو 380 مليار دولار، وفقًا لشركة «أكستنشر» الاستشارية، فمسألة ضعف البنية التحتية الرقمية تعني أنَّ الجزء البشري في الخدمات المالية سيظل محتفظًا بأهميته لبعض الوقت.

هل المجتمعات جاهزة لمثل ذلك التغيير؟

وفقًا لكاتبة المقال، بالرغم من ضعف البنية التحتية، يجري إحراز تقدم في تلك المناطق لتيسير وصول المواطنين للخدمات المالية. فعلى سبيل المثال، يعمل البنك التجاري الدولي بمصر على تطوير برامج حاسوب تحليلية تنبؤية، يُمكنها تقييم قدرة كل شخص على تسديد قروضه. وفي دولةٍ مثل مصر لا يمتلك ثُلثا مواطنيها حسابات في البنوك لأنَّ طرق وضع السجلات الائتمانية المعتادة تمنعهم من ذلك، ستتمكن البنوك من خلال هذه الأدوات من خدمة المزيد من الزبائن دون التعرض لمخاطر كبيرة.

Embed from Getty Images

وتشير سارة إلى مشكلةٍ أخرى، وهي أنَّ الحجم الصغير للقروض التي تُمنَح للمقترضين منخفضي الدخل يجعل تكلفة إدارة القروض متناهية الصغر باهظةً نسبيًا بالنسبة لجهات الإقراض، التي تشمل المؤسسات غير الحكومية والاتحادات الائتمانية والبنوك التجارية. لكن بفضل التكنولوجيا، ستتمكن البنوك من خدمة عددٍ أكبر من المقترضين، مما سيقلل هذه النفقات.

وتقول نيكول فان دير توين، الشريك المؤسس والمدير التنفيذي لشركة «فيرست أكسيس»، وهي منصة برمجيات للتمويل متناهي الصغر في نيويورك، إنَّ «هناك إمكانية لخفض تكاليف المعاملات وزيادة السرعة».

ففي أوغندا على سبيل المثال، حيث تشير التقديرات إلى أنَّ أقل من ثُلث السكان لديهم حسابًا في البنوك أو إحدى المؤسسات المالية، يستخدم بعض المُقرضين برمجية «فيرست أكسيس» لدمج بيانات المستخدمين مع سجلاتهم الداخلية، ويساعدهم ذلك على تقييم عملائهم ومطابقتهم مع المنتجات الملائمة لهم.

بيد أنَّه في كثيرٍ من الدول الأفريقية، قد يتسبب ضعف البنى التحتية الرقمية وبنى الاتصالات وعمليات الدفع غير الموحدة في كبح التحول إلى البنوك المصرفية الرقمية، حسبما أوضحت سارة.

ويقول آندرو بايكر، كبير المسؤولين التقنيين في مجموعة «آبسا»، التي كانت سابقًا هي مجموعة «باركليز» في أفريقيا: «العوائق الأكبر أمام توفير الخدمات المالية على نطاقٍ واسع في أفريقيا هي تكلفة البنى التحتية، والقدرة على تقديم الخدمات المالية في ولاياتٍ تنظيمية مختلفة».

وتقول نيكول إنَّ أتمتة «عملية قابلة للتكرار بدرجةٍ كبيرة» مثل عملية تقييم المقترضين بإمكانها خفض التكاليف، إلا إنَّها تؤمن أيضًا بضرورة دمج التكنولوجيات الرقمية أولًا مع أساليب المجتمعات المحلية الأفريقية في العمل قبل أن تُطبق تطبيقًا كاملًا، إذ تعتمد أنشطة القروض الحالية في أفريقيا اعتمادًا أساسيًا على العنصر البشري في اتخاذ القرارات.

وأضافت: «تُشكل إدارة التغيير العائق الأكبر بالنسبة إلينا، فنحن نحاكي الوضع المحلي الراهن، كي يتمكن الناس من فهم هذا البرنامج، وبالتالي يسهُل عليهم استخدام تطبيقات الهواتف المحمولة».

قارة واحدة.. نظام واحد

بحسب التقرير، تعمل بعض المؤسسات المالية على إيجاد سبل للالتفاف حول الاختلافات في عمليات القروض متناهية الصغر عبر أفريقيا.

Embed from Getty Images

إذ تعمل مجموعة «آبسا» الآن على دراسة تطوير برنامج ذكاء صناعي قائم على الحوسبة السحابية، ليمكن البنوك من توحيد الإجراءات ومستويات الأمن في بلدانٍ مختلفة. ويضيف بايكر قائلًا: «بعبارةٍ أخرى، سنتمكن من بناء خدمات آمنة جدًا وقابلة للتكرار، يمكن توفيرها في جميع أنحاء القارة».

ويُدرس الآن أيضًا استخدام تكنولوجيا البلوكتشين، تلك التكنولوجيا اللامركزية التي تقوم عليها العملات المشفرة، كوسيلة لتوسيع فرص الحصول على التمويل في بعض البلدان النامية. إذ يُشير جوليو كوبي، المتخصص الرقمي في المجلس النرويجي للاجئين، إلى مواقع إلكترونية مثل موقع «لوكال بتكوينز دوت كوم LocalBitcoins.com»، الذي يسمح بتبادل العملات.

ويستفيض في شرح طريقة عمل هذا الموقع فيقول: «هو عبارة عن نظام يسمح للناس بتحويل عملات البيتكوين إلى عملاتهم المحلية للمساعدة في عمليات التحويل التقليدية، وليمكنهم من استخدام عملات البيتكوين حتى لدى الباعة والأسواق الذين لا يقبلونها أو يتعاملون بها».

لكن حتى الآن، يوضح كوبي أنَّ معظم مؤسسات تمويل القروض متناهية الصغر تجد صعوبةً في دمج تكنولوجيا البلوكتشين في ما تقوم به من عمليات. ويُعلل ذلك قائلًا: «تكاليف التطوير باهظة. ولا تستطيع كل منظمة غير حكومية أن تُنشئ نظام سجلات موزعة خاصًا بها».

خدمة عملاء أفضل

وفقًا للتقرير، يرى الخبراء الماليون أنَّ بإمكان التكنولوجيا أيضًا تحسين العلاقات مع العملاء، حتى بدون التواصل البشري.

ففي رأي روزا وانج، المديرة العالمية للشؤون المالية الرقمية لمنظمة «أوبورتيونيتي إنترناشونال»، التي توفر الخدمات المالية للمجتمعات المحلية الفقيرة في الدول النامية، هناك فائدة كبير يمكن جنيها من نظام «الاستجابة الصوتية التفاعلية»، الذي بإمكانه إرسال الرسائل الآلية باللغات المحلية.

Embed from Getty Images

وعن ذلك تقول: «ثُلثا العملاء في أفريقيا لديهم مشكلات في القراءة والكتابة، وقد لا يتمكنون من الحديث بلغة الغالبية العظمى في دولتهم. وهنا يأتي دور نظام الاستجابة الصوتية الذي يُتيح لهم إمكانية التفاعل».

وبحسب تقرير الصحيفة، تزداد أهمية ذلك نظرًا لازدياد معاملات القروض متناهية الصغر خارج البنوك أو فروع مؤسسات الخدمات المالية، إما إلكترونيًا أو من خلال العملاء في المتاجر الصغيرة أو أكشاك الهواتف المحمولة.

وعندما اختبرت المنظمة هذا النظام في غانا، كانت النتائج مُشجِعة بحسب روزا، التي أضافت: «في مجموعات النقاش، شعر الناس بأنَّ مصارِف القروض متناهية الصغر تُبدي اهتمامًا حقيقيًا بهم… لم نكن نتوقع ذلك».

وتؤكد على أهمية الجانب العاطفي تحديدًا لدى من يأخذون قروضًا صغيرة، لأنَّ ذلك يُمكِن هيئات الخدمات المالية من تشجيعهم على استخدام منتجات مالية أخرى ذات صلة بالأمن المالي لهؤلاء الأفراد، كحسابات التوفير ووثائق التأمين.

وتختتم روزا حديثها قائلةً: «ثراء تجربة العملاء مهم بالنسبة إلينا، وعندما يتولى هؤلاء العملاء تنفيذ معاملاتهم المالية بأنفسهم… عليك أن تُصبِح أكثر إبداعًا».

3 أسباب تخبرك كيف أصبحت الدوحة ودبي بهذا الثراء؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».