ماذا لو أعطت الحكومة راتبًا مخصصًا دوريًا وثابتًا لجميع مواطنيها؟ هل تكون هذه الفكرة جيدة بالنسبة لاقتصاد الدولة وعلاقة الشعب بحكومته ومؤسساته؟ لم تعد هذه الأسئلة افتراضية بعد تجربتيّ فنلندا وكندا على حدّ سواء. عن هاتين التجربتين والنتائج التي أظهرتها المشاريع التجريبية المتعلقة بالدخل الأساسي يأتي تقرير الكاتبة الصحافية سيغال سامويل على موقع «VOX» وتأثير هذا الأمر على الاقتصاد والمجتمع.

مترجم: هكذا تحولت فنلندا إلى أسعد دول العالم

تجربة فنلندا

نتائج مشجعة تأتي مع تجربة فنلندا البارزة في مجال الدخل الأساسي – وهي الفكرة المتمثلة بوجوب منح الحكومة لمواطنيها راتبًا دوريًا منتظمًا لا قيود أو شروط عليه، إذ يحق للمواطنين الاستفادة من هذا الدخل، سواء عملوا أم لم يعملوا، أو حتى في حالة حصولهم على مدخولٍ آخر.

يتحدث التقرير عن تجربة حكومة فنلندا حين اختارت سابقًا ألفي مواطنٍ عاطلٍ عن العمل بصورةٍ عشوائية ومنحتهم شيكًا بقيمة 650 يورو شهريًا (ما يعادل 635 دولارًا) وذلك على مدى عامين انتهيا في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي. في نهاية التجربة، أبلغ المستفيدون عن تعرضهم لإجهادٍ أقلّ من نظرائهم في المجموعة المخصصة للمقارنة، ويسري ذلك حتى على المستفيدين ممن شعروا باستمرارية مكافحتهم لتلبية احتياجاتهم وفقًا للنتائج الجديدة الصادرة عن الوكالة الحكومية الفنلندية (Kela).

ذكر المستفيدون أيضًا ازدياد شعورهم بالثقة تجاه الآخرين والمؤسسات الاجتماعية المغايرة –يشمل ذلك الأحزاب السياسية والشرطة والمحاكم- بقدرٍ أكبر مما كانوا يولوه قبل حصولهم على الدخل الأساسي ذاك. أظهرت نتائج التجربة الفنلندية بإعطاء دخلٍ شهريّ ثابت لقطاعٍ من المواطنين تحسّنًا في مستويات تعرضهم للجهد، وازديادًا في ثقتهم تجاه الآخرين والمؤسسات الاجتماعية والأحزاب السياسية والشرطة والمحاكم.

تأتي هذه النتائج الجديدة بمثابة إضافةٍ إلى النتائج الأولية الصادرة في شهر فبراير (شباط) التي تتلخص بازدياد سعادةٍ المستفيدين من الدخل المجاني دون أن يؤثر ذلك سلبًا على التحاقهم بالقوى العاملة. لم يكن هذا هدف الحكومة الفنلندية بأكمله –إذ تمثلت غايتها المعلنة بتعزيز العمالة- لكن النتيجة مع ذلك تمثّل حجة مواجهةٍ قوية لمنتقدي مبدأ الدخل الأساسي، لا سيما بادّعائهم معظم الوقت بأن الأموال المجانية ستدفع الناس لتقليل العمل وهو ما أثبتت الدلائل بطلانه.

Embed from Getty Images

نحو مجتمعاتٍ أكثر ثقة

قد يبدو بديهيًا ارتباط النقود المضمونة والمنتظمة بمستوياتٍ أكبر من السعادة لدى الناس وتوترٍ أقل (حتى في حالِ نقصان المبلغ عن القدرِ الكاف لتغطية كل حاجاتهم)، لكن هنا تكمن المسألة: الدخل الأساسي طريقةٌ واضحةٌ للغاية لزيادة رفاه المواطنين، إلا أن معظم الدول تُعرض عن فعلها.

يحاجج المعارضون لمبدأ الدخل الأساسي بأنه سيثبّط الناس عن العمل أو البحث عنه، لكن الأرقام التي أتت بها التجربة الفنلندية تثبت بطلان هذا الادعاء.

انضمت إيطاليا مؤخرًا إلى الدول القلائل المطبّقة لمبدأ الدخل الأساسي، وإن وضعت نسختها الخاصة منه، وحتى الهند واسكتلندا يقيّمان الفكرة حاليًا. ازدادت شعبية فكرة الدخل الأساسي مؤخرًا في الولايات المتحدة، ولا سيما في السنوات القليلة الماضية، إلا أنها ما تزال تنتظر التنفيذ – على الرغم من أنه «يتيسّر للولايات المتحدة تحمّل برنامجَ دخلٍ أساسي يقضي على الفقر تمامًا» وفقًا لما تنقله الكاتبة عن زميلها ديلان ماثيوز، مضيفةً أنه قد انطلقت تجربة جديدة في ستوكتون كاليفورنيا خلال شهر فبراير من هذا العام، وهي تجربة للدخل الأساسي لمدة زمنية قدرها 18 شهرًا وقد سبقها من قبل تجربتان أخريان في الولايات المتحدة من نفس النوع.

لا يمكن اعتبار تجربة فنلندا تجربةَ دخلٍ أساسي شامل متكاملة؛ إذ إن الحكومة لم تمنح أموالًا مجانية للجميع، بل فقط لألفي شخصٍ عاطل عن العمل. لا يمنع هذا من الاستدلال بالنتائج على الاحتمالات المستقبلية المنتظرة في حال وُسع نطاق البرنامج ليشمل شرائح أوسع من المجتمع.

ينوّه التقرير إلى خصوصية النتائج المتأتيّة عن التجربة وتحديدًا فيما يتعلق بارتفاع مستويات الثقة رغم تواضع المكاسب المُذكورة. يتضح ذلك أكثر بالبيانات الصادرة عن وكالة كيلا: «أفاد المشاركون بشأن مستويات ثقتهم على مقياس من 0 حتى 10 (0 = تعني انعدام ثقة كامل، 10 = ثقة مطلقة). بلغ متوسط درجة الثقة بالأشخاص الآخرين 6.8 بين ملتقي الدخل الأساسي المستفيدين مقابل 6.3 عند المجموعة الضابطة. أما بالنسبة للثقة في السياسيين والأحزاب السياسية، بلغ متوسط الثقة بين المستفيدين 4.5 مقارنة بـ 4.0 للمجموعة الضابطة. وبلغ متوسط درجات الثقة بالمحاكم والشرطة 7.2 و6.9 على التوالي للمستفيدين من الدخل الأساسي وأعضاء المجموعة الضابطة».

تعود الكاتبة للإشارة إلى البديهية التي يبدو عليها الأمر: إذا قدّم مجتمعٌ ما للناس أموالًا كافية لرعاية حاجاتهم الأساسية سيتكوّن لديهم بالطبع ثقة أكبر تجاه مؤسساته، لأنه سيُوجِد لديهم دافعًا للاعتقاد بأن هذه المؤسسات تهتمّ بهم فعلًا. إلا أن وجود أدلة إحصائية على هذا التأثير مثل أعلاه يُساعد بإقناعنا بإمكانية إنشاء مجتمعِ يثق أناسه بالنظام فعلًا- في حال استحقّ النظام تلك الثقة.

Embed from Getty Images

التجربة الكندية المضادّة والقاتمة

حكاية مختلفة ترويها التجربة الكندية مع الدخل الأساسي في مقاطعة أونتاريو، نتيجتها: تحطيم الحكومة لثقة الناس بها. تبدأ القصة منذ عام 2017، حين أطلقت الحكومة الليبرالية السابقة مشروعًا تجريبيًا للدخل الأساسي في ثلاث مدن، تتضمن خطة المشروع المفترضة مساعدة 4 آلاف شخصٍ من ذوي الدخل المنخفض مستمرة على مدى ثلاث سنوات. لكن حكومة المحافظين التقدميين الجديدة تولّت مقاليد الحكم بعدها – تحت قيادة رئيس وزراء أونتاريو دوغ فورد – وألغت عام 2018 المشروع برمّته.

يرفع بضعةُ من المشاركين الآن دعوى قضائية جماعية ضد الحكومة، ويتضمن فحوى الدعوى ما أوردته شبكة «سي بي سي» الكندية في شهر مارس (آذار) ضمن سياقها الخبريّ: «يزعم محامي المدّعين الرئيسيين في بيانِ مطالبةٍ قُدّم اليوم بأن الإنهاء المبكر لمدفوعات الدخل الرئيسي يشكّل خرقًا للعقد. يكتب المحامي ستيفن مورو أن المشاركين في المشروع التجريبي اعتمدوا على الوزارة في تولّي المدفوعات، وتدين الحكومة لهم بواجب العناية. يقول مورو أن الناس عانت من نوباتِ الهلع والقلق والاكتئاب بعد إلغاء المشروع».

تعتقد الكاتبة بسهولةِ فهم دوافع مقدمي الدعوة القضائية تلك، الأمر كالتالي: قيل لهم أنه سيكون لديهم المال الكافي لتكفّل احتياجاتهم الأساسية، وبناءً عليها وضعوا خططًا ووقّعوا عقود استئجارٍ وسجلوا لدروسٍ ودوراتٍ وأقدموا على أمورٍ لم يكونوا ليقدموا عليها لولا المشروع، ومن ثم فجأةً سُحِب البساط من تحت أقدامهم.

تقول حكومة أنتاريو إنها ألغت البرنامج إبّان سماعها من الموظفين عن تثبيط البرنامج المشاركين عن رحلة البحث عن عمل، لكن كما ينوّه أحد المشاركين في البرنامج التجريبي فإن البرنامج لم يُفعّل إلا لفترةٍ قصيرة وبالتالي لم يُعطَ الوقت الكافي لجمع البيانات المطلوبة لدعم ذلك الادّعاء. يمكن أخذ هذا السلوك مثالًا لنوعية التصرفات المقلّلة للثقة في المؤسسات الاجتماعية – وهو ما يعاكس تمامًا الأثر الذي نراه عندما تفي أيّ دولةٍ بوعودها.

على كوكبنا.. هؤلاء رفضوا زيادة الرواتب ودخلًا بلا عمل وتمديد الإجازة المدفوعة!

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».